عرض مشاركة واحدة
  #355  
قديم 24-10-2022, 11:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ
الْإِسْرَاءِ
الحلقة (355)
صــ 91 إلى صــ 98






قوله تعالى: " كلما خبت " قال ابن عباس: أي: سكنت . قال المفسرون: وذلك أنها تأكلهم، فإذا لم تبق منهم شيئا وصاروا فحما ولم تجد شيئا تأكله، [ ص: 91 ] سكنت، فيعادون خلقا جديدا، فتعود لهم . وقال ابن قتيبة: يقال: خبت النار: إذا سكن لهبها، فاللهب يسكن، والجمر يعمل، فإن سكن اللهب، ولم يطفإ الجمر، قيل: خمدت تخمد خمودا، فإن طفئت ولم يبق منها شيء، قيل: همدت تهمد همودا . ومعنى " زدناهم سعيرا " : نارا تتسعر ; أي: تتلهب . وما بعد هذا قد سبق تفسيره [ الإسراء: 49 ] إلى قوله: " قادر على أن يخلق مثلهم " ; أي: على أن يخلقهم مرة ثانية، وأراد بـ " مثلهم " إياهم، وذلك أن مثل الشيء مساو له، فجاز أن يعبر به عن نفس الشيء، يقال: مثلك لا يفعل هذا ; أي: أنت، ومثله قوله: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به [ البقرة: 137 ] . وقد تم الكلام عند قوله: " مثلهم " ، ثم قال: " وجعل لهم أجلا لا ريب فيه " يعني: أجل البعث، " فأبى الظالمون إلا كفورا " ; أي: جحودا بذلك الأجل .

قوله تعالى: " قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي " قال الزجاج: المعنى: لو تملكون أنتم، قال المتلمس:


ولو غير أخوالي أرادوا نقيصتي نصبت لهم فوق العرانين ميسما


المعنى: لو أراد غير أخوالي .

وفي هذه الخزائن قولان:

أحدهما: خزائن الأرزاق . والثاني: خزائن النعم، فيخرج في الرحمة قولان: أحدهما: الرزق . والثاني: النعمة . وتحرير الكلام: لو ملكتم ما يملكه الله عز وجل لأمسكتم عن الإنفاق خشية الفاقة . " وكان الإنسان " يعني: الكافر، " قتورا " ; أي: بخيلا ممسكا، يقال: قتر يقتر، وقتر يقتر: إذا قصر في الإنفاق . وقال الماوردي: لو ملك أحد من المخلوقين من خزائن الله تعالى، لما جاد [ ص: 92 ] كجود الله تعالى لأمرين: أحدهما: أنها لا بد أن يمسك منه لنفقته ومنفعته . والثاني: أنه يخاف الفقر، والله تعالى منزه في جوده عن الحالين .

ثم إن الله تعالى ذكر إنكار فرعون آيات موسى، تشبيها بحال هؤلاء المشركين، فقال: " ولقد آتينا موسى تسع آيات " وفيها قولان:

أحدهما: أنها بمعنى المعجزات والدلالات، ثم اتفق جمهور المفسرين على سبع آيات منها، وهي: يده، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، واختلفوا في الآيتين الآخرتين على ثمانية أقوال: أحدها: أنهما لسانه والبحر الذي فلق له، رواه العوفي عن ابن عباس، يعني بلسانه: أنه كان فيه عقدة فحلها الله تعالى له . والثاني: البحر والجبل الذي نتق فوقهم، رواه الضحاك عن ابن عباس . والثالث: السنون ونقص الثمرات، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وعكرمة، وقتادة، وقال الحسن: السنون ونقص الثمرات آية واحدة . والرابع: البحر والموت أرسل عليهم، قاله الحسن ووهب . والخامس: الحجر والبحر، قاله سعيد بن جبير . والسادس: لسانه وإلقاء العصا مرتين عند فرعون، قاله الضحاك . والسابع: البحر والسنون، قاله محمد بن كعب . والثامن: ذكره [ محمد بن إسحاق عن ] محمد بن كعب أيضا، فذكر السبع الآيات الأولى، إلا أنه جعل مكان يده البحر، وزاد الطمسة والحجر، يعني قوله: اطمس على أموالهم [ يونس: 88 ] .

والثاني: أنها آيات الكتاب، روى أبو داود السجستاني من حديث صفوان بن عسال، أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل: إنه نبي، فإنه لو سمع ذلك، صارت له أربعة أعين ; فأتياه، فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال: " لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، [ ص: 93 ] ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تأكلوا الربا، ولا تمشوا بالبريء إلى السلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تقذفوا المحصنات، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا تعدوا في السبت " ، قال: فقبلا يده، وقالا: نشهد أنك نبي .
ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا قال لقد علمت ما أنـزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبورا فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا .

قوله تعالى: " فاسأل بني إسرائيل " قرأ الجمهور: ( فاسأل ) على معنى الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم . وإنما أمر أن يسأل من آمن منهم عما أخبر [ به ] عنهم، ليكون حجة [ ص: 94 ] على من لم يؤمن منهم . وقرأ ابن عباس: ( فسأل بني إسرائيل )، [ على معنى ] الخبر عن موسى أنه سأل فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل، " فقال له فرعون إني لأظنك " ; أي: لأحسبك، " يا موسى مسحورا " وفيه ثلاثة أقوال:

أحدها: مخدوعا، قاله ابن عباس . والثاني: مسحورا قد سحرت، قاله ابن السائب . والثالث: ساحرا، فوضع مفعولا في موضع فاعل، هذا مروي عن الفراء وأبي عبيدة . فقال موسى: " لقد علمت " قرأ الجمهور بفتح التاء . وقرأ علي عليه السلام بضمها، وقال: والله ما علم عدو الله، ولكن موسى هو الذي علم، فبلغ ذلك ابن عباس، فاحتج بقوله تعالى: وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم [ النمل: 14 ] . واختار الكسائي وثعلب قراءة علي عليه السلام، وقد رويت عن ابن عباس، وأبي رزين، وسعيد بن جبير، وابن يعمر . واحتج من نصرها بأنه لما نسب موسى إلى أنه مسحور، أعلمه بصحة عقله بقوله: " لقد علمت " ، والقراءة الأولى أصح لاختيار الجمهور، ولأنه قد أبان موسى من المعجزات ما أوجب علم فرعون بصدقه، فلم يرد عليه إلا بالتعلل والمدافعة، فكأنه قال: لقد علمت بالدليل والحجة " ما أنزل هؤلاء " يعني: الآيات . وقد شرحنا معنى " البصائر " في ( الأعراف: 203 ) .

قوله تعالى: " وإني لأظنك " قال أكثر المفسرين: الظن هاهنا بمعنى العلم، على خلاف ظن فرعون في موسى، وسوى بينهما بعضهم، فجعل الأول بمعنى العلم أيضا .

وفي المثبور ستة أقوال:

أحدها: أنه الملعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك . والثاني: المغلوب، رواه العوفي عن ابن عباس . والثالث: الناقص العقل، رواه [ ص: 95 ] ميمون بن مهران عن ابن عباس . والرابع: المهلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة وابن قتيبة . قال الزجاج: يقال: ثبر الرجل، فهو مثبور: إذا أهلك . والخامس: الهالك، قاله مجاهد . والسادس: الممنوع من الخير، تقول العرب: ما ثبرك عن هذا ; أي: ما منعك، قاله الفراء .

قوله تعالى: " فأراد أن يستفزهم من الأرض " يعني: فرعون أراد أن يستفز بني إسرائيل من أرض مصر . وفي معنى " يستفزهم " قولان:

أحدهما: يستأصلهم، قاله ابن عباس .

والثاني: يستخفهم حتى يخرجوا، قاله ابن قتيبة . وقال الزجاج: جائز أن يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل أو بالتنحية . قال العلماء: وفي هذه الآية تنبيه على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه لما خرج موسى فطلبه فرعون، هلك فرعون وملك موسى، وكذلك أظهر الله نبيه بعد خروجه من مكة حتى رجع إليها ظاهرا عليها .

قوله تعالى: " وقلنا من بعده " ; أي: من بعد هلاك فرعون لبني إسرائيل اسكنوا الأرض " وفيها ثلاثة أقوال:

أحدها: فلسطين والأردن، قاله ابن عباس . والثاني: أرض وراء الصين، قاله مقاتل . والثالث: أرض مصر والشام .

قوله تعالى: " فإذا جاء وعد الآخرة " يعني: القيامة، " جئنا بكم لفيفا " ; أي: جميعا، قاله ابن عباس، ومجاهد، وابن قتيبة . وقال الفراء: لفيفا ; أي: من هاهنا ومن هاهنا . وقال الزجاج: اللفيف: الجماعات من قبائل شتى . [ ص: 96 ]
وبالحق أنـزلناه وبالحق نـزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونـزلناه تنـزيلا قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا .

قوله تعالى: " وبالحق أنزلناه " الهاء كناية عن القرآن، والمعنى: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين المستقيم، فهو حق، ونزوله حق، وما تضمنه حق . وقال أبو سليمان الدمشقي: " وبالحق أنزلناه " ; أي: بالتوحيد، " وبالحق نزل " يعني: بالوعد والوعيد، والأمر والنهي .

قوله تعالى: " وقرآنا فرقناه " قرأ علي عليه السلام، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو رزين، ومجاهد، والشعبي، وقتادة، والأعرج، وأبو رجاء، وابن محيصن: ( فرقناه ) بالتشديد، وقرأ الجمهور بالتخفيف .

فأما قراءة التخفيف ففي معناها ثلاثة أقوال:

أحدها: بينا حلاله وحرامه، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثاني: فرقنا فيه بين الحق والباطل، [ قاله الحسن ] .

والثالث: أحكمناه وفصلناه، كقوله تعالى: فيها يفرق كل أمر حكيم [ الدخان: 4 ]، قاله الفراء . وأما المشددة فمعناها: أنه أنزل متفرقا ولم ينزل جملة واحدة . وقد بينا في أول كتابنا هذا مقدار المدة التي نزل فيها . [ ص: 97 ]

قوله تعالى: " لتقرأه على الناس على مكث " قرأ أنس، والشعبي، والضحاك، وقتادة، وأبو رجاء، وأبان عن عاصم، وابن محيصن بفتح الميم، والمعنى: على تؤدة وترسل ليتدبروا معناه .

قوله تعالى: " قل آمنوا به أو لا تؤمنوا " هذا تهديد لكفار [ أهل ] مكة، والهاء كناية عن القرآن . " إن الذين أوتوا العلم " وفيهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أنهم ناس من أهل الكتاب، قاله مجاهد .

والثاني: أنهم الأنبياء عليهم السلام، قاله ابن زيد .

والثالث: طلاب الدين، كأبي ذر، وسلمان، وورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو، قاله الواحدي .

وفي هاء الكناية في قوله: " من قبله " قولان:

أحدهما: أنها ترجع إلى القرآن، والمعنى: من قبل نزوله .

والثاني: ترجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد . فعلى الأول " إذا يتلى عليهم " : القرآن، وعلى قول ابن زيد " إذا يتلى عليهم " : ما أنزل إليهم من عند الله .

قوله تعالى: " يخرون للأذقان " اللام هاهنا بمعنى ( على ) . قال ابن عباس: قوله: " للأذقان " ; أي: للوجوه . قال الزجاج: الذي يخر وهو قائم، إنما يخر لوجهه، والذقن مجتمع اللحيين، وهو عضو من أعضاء الوجه، فإذا ابتدأ يخر، فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذقن . وقال ابن الأنباري: أول ما يلقى الأرض من الذي يخر قبل أن يصوب جبهته ذقنه ; فلذلك قال: [ ص: 98 ] " للأذقان " . ويجوز أن يكون المعنى: يخرون للوجوه، فاكتفى بالذقن من الوجه كما يكتفى بالبعض من الكل، وبالنوع من الجنس .

قوله تعالى: " ويقولون سبحان ربنا " نزهوا الله تعالى عن تكذيب المكذبين بالقرآن، وقالوا: " إن كان وعد ربنا " بإنزال القرآن وبعث محمد صلى الله عليه وسلم " لمفعولا " ، واللام دخلت للتوكيد . وهؤلاء قوم كانوا يسمعون أن الله باعث نبيا من العرب، ومنزل عليه كتابا، فلما عاينوا ذلك حمدوا الله تعالى على إنجاز الوعد . " ويخرون للأذقان " كرر القول ليدل على تكرار الفعل منهم . " ويزيدهم خشوعا " ; أي: يزيدهم القرآن تواضعا . وكان عبد الأعلى التيمي يقول: من أوتي من العلم ما لا يبكيه، لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه ; لأن الله تعالى نعت العلماء فقال: " إن الذين أوتوا العلم . . . " إلى قوله: " يبكون " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 54.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 53.87 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.15%)]