عرض مشاركة واحدة
  #382  
قديم 22-10-2022, 12:31 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,603
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (380)
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
صـ 299 إلى صـ 306




قوله تعالى : وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون ، أمر الله - جل وعلا - نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة : أنه إن جادله الكفار أي : خاصموه [ ص: 299 ] بالباطل وكذبوه ، أن يقول لهم : الله أعلم بما تعملون .

وهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين :

أحدهما : أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يهددهم بقوله : الله أعلم بما تعملون أي : من الكفر ، فمجازيكم عليه أشد الجزاء .

الثاني : الإعراض عنهم ، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه الآية في غير هذا الموضع .

أما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير له فيها قوله تعالى : وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون [ 10 \ 41 ] .

وأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع ; كقوله : هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم [ 46 \ 8 ] وقوله : فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين [ 6 \ 147 ] فقوله ولا يرد بأسه الآية ، فيه أشد الوعيد للمكذبين ، كما قال ويل يومئذ للمكذبين [ 77 \ 15 ] في مواضع متعددة ، وهم إنما يكذبونه بالجدال ، والخصام بالباطل . وقد أمره الله في غير هذا الموضع أن يجادلهم بالتي هي أحسن وذلك في قوله : وجادلهم بالتي هي أحسن [ 16 \ 125 ] وقوله : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن [ 29 \ 46 ] وبين له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل ، إلا جاءه الله بالحق الذي يدمغ ذلك الباطل ، مع كونه أحسن تفسيرا وكشفا وإيضاحا للحقائق وذلك في قوله ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [ 25 \ 33 ] .
قوله تعالى : ما قدروا الله حق قدره ، أي : ما عظموه حق عظمته حين عبدوا معه من لا يقدر على خلق ذباب ، وهو عاجز أن يسترد من الذباب ما سلبه الذباب منه ، كالطيب الذي يجعلونه على أصنامهم ، إن سلبها الذباب منه شيئا لا تقدر على استنقاذه منه ، وكونهم لم يعظموا الله حق عظمته ، ولم يعرفوه حق معرفته ، حيث عبدوا معه من لا يقدر على جلب نفع ، ولا دفع ضر ، ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله في الأنعام : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [ 6 \ 91 ] وكقوله في الزمر : وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون [ 39 \ 67 ] .
[ ص: 300 ] قوله تعالى : الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، بين الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه يصطفي ، أي : يختار رسلا من الملائكة ، ومن الناس فرسل الناس لإبلاغ الوحي ، ورسل الملائكة لذلك أيضا ، وقد يرسلهم لغيره ، وهذا الذي ذكره هنا من اصطفائه الرسل منهما جاء واضحا في غير هذا الموضع ; كقوله في رسل الملائكة : الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع الآية [ 35 \ 1 ] .

وقوله في جبريل : إنه لقول رسول كريم [ 81 \ 19 ] ومن ذكره إرسال الملائكة بغير الوحي قوله تعالى : وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون [ 6 \ 61 ] وكقوله في رسل بني آدم : الله أعلم حيث يجعل رسالته [ 6 \ 124 ] وقوله : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض الآية [ 2 \ 253 ] ، وقوله : ولقد بعثنا في كل أمة رسولا الآية [ 16 \ 36 ] .
قوله تعالى : هو اجتباكم ، أي : اصطفاكم ، واختاركم يا أمة محمد ، ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله كنتم خير أمة أخرجت للناس الآية [ 3 \ 110 ] .

قوله تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، الحرج : الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف .

وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة : أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ، أنها مبنية على التخفيف والتيسير ، لا على الضيق والحرج ، وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا .

وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره - جل وعلا - في غير هذا الموضع كقوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [ 2 \ 185 ] وقوله : يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا [ 4 \ 28 ] وقد ثبت في صحيح مسلم من [ ص: 301 ] حديث أبي هريرة ، وابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قرأ خواتم سورة البقرة : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ 2 \ 286 ] قال الله : " قد فعلت " في رواية ابن عباس ، وفي رواية أبي هريرة قال : نعم . ومن رفع الحرج في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر والإفطار في رمضان فيه ، وصلاة العاجز عن القيام قاعدا وإباحة المحظور للضرورة ; كما قال تعالى : وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه الآية [ 6 \ 119 ] إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج ، والتخفيف في شريعة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، هو إحدى القواعد الخمس ، التي بني عليها الفقه الإسلامي وهي هذه الخمس .

الأولى : الضرر يزال ومن أدلتها حديث : " لا ضرر ولا ضرار " .

الثانية : المشقة تجلب التيسير : وهي التي دل عليها قوله هنا وما جعل عليكم في الدين من حرج [ 22 \ 78 ] وما ذكرنا في معناها من الآيات .

الثالثة : لا يرفع يقين بشك ، ومن أدلتها حديث " من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا " ; لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها .

الرابعة : تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم ، ونحو ذلك . واستدل لهذه بعضهم بقوله وأمر بالعرف الآية [ 7 \ 199 ] .

الخامسة : الأمور تبع المقاصد ، ودليل هذه حديث " إنما الأعمال بالنيات " الحديث ، وقد أشار في " مراقي السعود " في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله :
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر ونفى رفع القطع بالشك وأن
يحكم العرف وزاد من فطن كون الأمور تبع المقاصد
مع التكلف ببعض وارد
قوله تعالى : ملة أبيكم إبراهيم ، قال بعضهم : هو منصوب بنزع الخافض ، ومال إليه ابن جرير : أي ما جعل عليكم في دينكم من ضيق ، كملة إبراهيم ، وأعربه بعضهم منصوبا بمحذوف أي : الزموا ملة [ ص: 302 ] أبيكم إبراهيم ، ولا يبعد أن يكون قوله ملة أبيكم إبراهيم [ 22 \ 78 ] شاملا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله ياأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون وجاهدوا في الله حق جهاده [ 22 \ 77 - 78 ] ، ويوضح هذا قوله تعالى : قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا [ 6 \ 161 ] والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم : شامل لما ذكر كله .


قوله تعالى : هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ، اختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله هو سماكم [ 22 \ 78 ] فقال بعضهم : الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل في هذا ، وهذا القول مروي عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد وعطاء ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وقتادة ، كما نقله عنهم ابن كثير ، وقال بعضهم هو أي : إبراهيم سماكم المسلمين ، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل ومن ذريتنا أمة مسلمة لك [ 2 \ 128 ] وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، كما نقله عنه ابن كثير .

وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول ، وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة ، وفيما مضى من الكتاب ، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب .

إحداهما : أن الله قال هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ، أي : القرآن ، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن ، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير .

القرينة الثانية : أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله ، لا إلى إبراهيم فقوله هو اجتباكم ، أي : الله وما جعل عليكم في الدين من حرج ، أي : الله هو سماكم المسلمين أي : الله .

فإن قيل : الضمير يرجع إلى أقرب مذكور ، وأقرب مذكور للضمير المذكور : هو إبراهيم .

فالجواب : أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف ، وهنا قد صرف عنه صارف ; لأن قوله " وفي هذا " يعني القرآن ، دليل على أن [ ص: 303 ] المراد بالذي سماهم المسلمين فيه : هو الله لا إبراهيم ، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله نحو هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج [ 22 \ 78 ] يناسبه أن يكون هو سماكم أي : الله ، المسلمين .

قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسير الآية بعد أن ذكر : أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا : هو الله ، لا إبراهيم ما نصه :

قلت : وهذا هو الصواب ; لأنه تعالى قال : هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل ، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها ، والثناء عليها في سالف الدهر ، وقديم الزمان في كتاب الأنبياء ، تتلى على الأحبار والرهبان فقال : هو سماكم المسلمين من قبل أي : من قبل هذا القرآن .

وفي هذا روى النسائي عند تفسير هذه الآية : أنبأنا هشام بن عمار ، حدثنا محمد بن شعيب ، أنبأنا معاوية بن سلام أن أخاه زيد بن سلام ، أخبره عن أبي سلام أنه أخبره قال : أخبرني الحارث الأشعري ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثي جهنم " ، قال رجل : يا رسول الله ، وإن صام وإن صلى ؟ قال : " نعم وإن صام وإن صلى ، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله " وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله : ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون [ 2 \ 21 ] اهـ من تفسير ابن كثير .

وقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة : إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين .
قوله تعالى : ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ، يعني : إنما اجتباكم ، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم ، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين ، فسماكم فيها المسلمين ، وكذلك سماكم في هذا القرآن . وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم ، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ، أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم ، حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة ، ويكون الرسول عليكم شهيدا ، أنه بلغكم ، وقيل : شهيدا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ .

[ ص: 304 ] وهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله - جل وعلا - في قوله وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [ 2 \ 143 ] وقال فيه - صلى الله عليه وسلم - إنا أرسلناك شاهدا الآية [ 48 \ 8 ] ، والعلم عند الله تعالى .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ

قَوْلُهُ تَعَالَى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ، ذَكَرَ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي ابْتَدَأَ بِهَا أَوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَامَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُفْلِحِينَ فَقَالَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [ 23 \ 1 ] أَيْ : فَازُوا وَظَفِرُوا بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .

وَفَلَاحُ الْمُؤْمِنِينَ مَذْكُورٌ ذِكْرًا كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ ; كَقَوْلِهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا [ 33 \ 47 ] وَقَوْلِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [ 23 \ 2 ] أَصْلُ الْخُشُوعِ : السُّكُونُ ، وَالطُّمَأْنِينَةُ ، وَالِانْخِفَاضُ وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ :
رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَأْيًا أُبَيِّنُهُ وَنُؤًى كَجَذْمِ الْحَوْضِ أَثَلَمَ خَاشِعِ


وَهُوَ فِي الشَّرْعِ : خَشْيَةٌ مِنَ اللَّهِ تَكُونُ فِي الْقَلْبِ ، فَتَظْهَرُ آثَارُهَا عَلَى الْجَوَارِحِ .

وَقَدْ عَدَّ اللَّهُ الْخُشُوعَ مِنْ صِفَاتِ الَّذِينَ أَعَدَّ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا فِي قَوْلِهِ فِي الْأَحْزَابِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ إِلَى قَوْلِهِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [ 33 \ 35 ] .

وَقَدْ عُدَّ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ هُنَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُفْلِحِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهَذَا الْخُشُوعِ تَصْعُبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ فِي قَوْلِهِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [ 2 \ 45 ] وَقَدِ اسْتَدَلَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ عَلَى أَنَّ مِنْ خُشُوعِ الْمُصَلِّي : أَنْ يَكُونَ نَظَرُهُ فِي صَلَاتِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، قَالُوا : كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ حَيْثُ يَسْجُدُ .

وَقَالَ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمَنْثُورِ : وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ ، وَالْبَيَهْقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى [ ص: 306 ] السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [ 23 \ 2 ] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ " اهـ مِنْهُ .

وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْظُرُ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، وَلَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ ، وَخَالَفَ الْمَالِكِيَّةُ الْجُمْهُورَ ، فَقَالُوا : إِنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْظُرُ أَمَامَهُ لَا إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [ 2 \ 144 ] قَالُوا : فَلَوْ نَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ لَاحْتَاجَ أَنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِنَ الِانْحِنَاءِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي كَمَالَ الْقِيَامِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ; لِأَنَّ الْمُنْحَنِيَ بِوَجْهِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ ، لَيْسَ بِمُوَلٍّ وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا .

وَاعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى أَفْلَحَ : نَالَ الْفَلَاحَ ، وَالْفَلَاحُ يُطْلَقُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ :

الْأَوَّلُ : الْفَوْزُ بِالْمَطْلُوبِ الْأَكْبَرِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ :
فَاعْقِلِي إِنْ كُنْتِ لَمَّا تَعْقِلِي وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقِلَ


أَيْ فَازَ مَنْ رُزِقَ الْعَقْلَ بِالْمَطْلُوبِ الْأَكْبَرِ .

وَالثَّانِي : هُوَ إِطْلَاقُ الْفَلَاحِ عَلَى الْبَقَاءِ السَّرْمَدِيِّ فِي النَّعِيمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ أَيْضًا فِي رَجَزٍ لَهُ :
لَوْ أَنَّ حَيًّا مُدْرِكُ الْفَلَاحِ لَنَالَهُ مُلَاعِبُ الرِّمَاحِ


يَعْنِي : مُدْرِكَ الْبَقَاءِ ، وَمِنْهُ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ ، أَوِ الْأَضْبَطِ بْنِ قُرَيْعٍ :
لِكُلِّ هَمٍّ مِنَ الْهُمُومِ سَعَهْ وَالْمِسَى وَالصُّبْحُ لَا فَلَاحَ مَعَهْ .


أَيْ لَا بَقَاءَ مَعَهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ دَخَلَ الْجَنَّةَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ ، وَأَنَّ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ نَالَ الْفَلَاحَ بِمَعْنَيَيْهِ الْمَذْكُورَيْنِ ، وَالْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَا لِلْفَلَاحِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، فَسَّرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَدِيثَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي لَفْظَةِ : حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 35.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.72 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.78%)]