عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 22-10-2022, 12:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,650
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (379)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 291 إلى صـ 298






[ ص: 291 ] قوله تعالى : ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ، ذكر الله - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة ، أن الكفار لا يزالون في مرية ، أي : شك وريب منه أي : من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر ، واختاره ابن جرير وهو قول ابن جريج ، كما نقله عنهم ابن كثير : وقال سعيد بن جبير ، وابن زيد : في مرية منه أي : في شك مما ألقى الشيطان ، وذكر تعالى في هذه الآية : أنهم لا يزالون كذلك ، حتى تأتيهم الساعة ، أي : القيامة بغتة ، أي : فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم . وقد روى مجاهد عن أبي بن كعب : أن اليوم العقيم المذكور يوم بدر ، وكذا قال مجاهد وعكرمة ، وسعيد بن جبير وغير واحد . واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره ثم قال : وقال مجاهد وعكرمة في رواية عنهما : هو يوم القيامة لا ليل له ، وكذا قال الضحاك والحسن البصري ، ثم قال : وهذا القول هو الصحيح ، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به . اهـ ، محل الغرض من ابن كثير .

وقد ذكرنا مرارا أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول ، وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة ، وبه تعلم أن القرينة القرآنية هنا دلت على أن المراد باليوم العقيم : يوم القيامة ، لا يوم بدر ، وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم العقيم ، بقوله الملك يومئذ لله يحكم بينهم الآية [ 22 \ 56 ] ، وذلك يوم القيامة وقوله : يومئذ أي : يوم إذ تأتيهم الساعة ، أو يأتيهم عذاب عقيم ، وكل ذلك يوم القيامة . فظهر أن اليوم العقيم : يوم القيامة ، وإن كان يوم بدر عقيما على الكفار ; لأنهم لا خير لهم فيه ، وقد أصابهم ما أصابهم .
قوله تعالى : الملك يومئذ لله يحكم بينهم ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الملك يوم القيامة له ، وإن كان الملك في الدنيا له أيضا ; لأن في الدنيا ملوكا من المخلوقين ، ويوم القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلا لله - جل وعلا - وحده ، وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له ، ومعلوم أن الملك هو الذي له الحكم بين الخلق بينه في غير هذا الموضع ; كقوله مالك يوم الدين [ 1 \ 4 ] وقوله الملك يومئذ الحق للرحمن الآية [ 25 \ 26 ] وقوله [ ص: 292 ] لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ 40 \ 16 ] وقوله تعالى وله الملك يوم ينفخ في الصور الآية [ 6 \ 73 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .
قوله تعالى : فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين ، إدخال الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين : يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في قوله يحكم بينهم [ 22 \ 56 ] وما ذكره هنا من الوعد والوعيد قد بينا الآيات الدالة على معناه مرارا بكثرة ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا .
قوله تعالى : والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية : أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله ، ثم قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد ; لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل منهم ، أو ماتوا على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد ، أنه تعالى أقسم ليرزقنهم رزقا حسنا وأنه خير الرازقين ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا جاء مبينا في غير هذا الموضع .

أما الذين قتلوا في سبيل الله فقد بين الله - جل وعلا - : أنه يرزقهم رزقا حسنا ، وذلك في قوله تعالى ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [ 3 \ 169 ] ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن ، وأما الذين ماتوا في قتال المذكورين في قوله هنا : أو ماتوا ، فقد قال الله فيهم ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله [ 4 \ 100 ] ولا شك أن من وقع أجره على الله : أن الله يرزقه الرزق الحسن كما لا يخفى .

والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة .

وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفا منها والعلم عند الله تعالى . وقوله تعالى في هذه الآية ثم قتلوا قرأه ابن عامر بتشديد التاء والباقون بتخفيفها .
قوله تعالى : ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير .

[ ص: 293 ] ذكر غير واحد من المفسرين : أن الإشارة في قوله : ذلك راجعة إلى نصرة من ظلم من عباده المؤمنين المذكور قبله في قوله ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله الآية [ 22 \ 60 ] ، أي : ذلك النصر المذكور كائن بسبب أنه قادر لا يعجز عن نصرة من شاء نصرته ، ومن علامات قدرته الباهرة : أنه يولج الليل في النهار ، ويولج النهار في الليل أو بسبب أنه خالق الليل والنهار ، ومصرفهما ، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير والشر والبغي والانتصار ، وأنه سميع لما يقولون ، بصير بما يفعلون أي : وذلك الوصف بخلق النهار والليل والإحاطة بما يجري فيهما ، والإحاطة بكل قول وفعل بسبب أن الله هو الحق أي : الثابت الإلهية والاستحقاق للعبادة وحده ، وأن كل ما يدعى إلها غيره باطل وكفر ، ووبال على صاحبه ، وأنه - جل وعلا - هو العلي الكبير ، الذي هو أعلا من كل شيء وأعظم وأكبر سبحانه وتعالى علوا كبيرا .

وقد أشار تعالى لأول ما ذكرنا ، بقوله ذلك بأن الله يولج الليل في النهار الآية [ 22 \ 61 ] ، ولآخره بقوله ذلك بأن الله هو الحق الآية [ 22 \ 62 ] .

والأظهر عندي : أن الإشارة في قوله ذلك : راجعة إلى ما هو أعم من نصرة المظلوم ، وأنها ترجع لقوله الملك يومئذ لله يحكم بينهم [ 22 \ 56 ] ، إلى ما ذكره من نصرة المظلوم أي : ذلك المذكور من كون الملك له وحده ، يوم القيامة ، وأنه الحاكم وحده بين خلقه ، وأنه المدخل الصالحين جنات النعيم والمعذب الذين كفروا العذاب المهين ، والناصر من بغي عليه من عباده المؤمنين ، بسبب أنه القادر على كل شيء ، ومن أدلة ذلك : أنه يولج الليل في النهار إلى آخر ما ذكرنا . وهذا الذي وصف به نفسه هنا من صفات الكمال والجلال ذكره في غير هذا الموضع كقوله في سورة لقمان ، مبينا أن من اتصف بهذه الصفات قادر على إحياء الموتى ، وخلق الناس ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير [ 31 \ 28 ] .

ثم استدل على قدرته على الخلق والبعث ، فقال : ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير [ 31 \ 29 - 30 ] فهذه الصفات الدالة على كمال قدرته ، استدل بها على قدرته في " الحج " ، وفي " لقمان " ، وإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر فيه معنيان :

[ ص: 294 ] الأول : وهو قول الأكثر هو : أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر ، إنما هو بإدخال جزء منه فيه ، وبذلك يطول النهار في الصيف ; لأنه أولج فيه شيء من الليل ويطول الليل في الشتاء ; لأنه أولج فيه شيء من النهار ، وهذا من أدلة قدرته الكاملة .

المعنى الثاني : هو أن إيلاج أحدهما في الآخر ، هو تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك ، بغيبوبة الشمس ، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا كما يضيء البيت المغلق بالسراج ، ويظلم بفقده . ذكر هذا الوجه الزمخشري ، وكأنه يميل إليه والأول أظهر ، وأكثر قائلا ، والعلم عند الله تعالى .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة وأن ما يدعون من دونه هو الباطل [ 22 \ 62 ] قرأه حفص وحمزة والكسائي : يدعون بالياء التحتية ، وقرأه الباقون : بتاء الخطاب الفوقية .
قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ، الظاهر : أن " تر " هنا من رأى بمعنى : علم ; لأن إنزال المطر وإن كان مشاهدا بالبصر فكون الله هو الذي أنزله ، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر ، فالرؤية هنا علمية على التحقيق .

فالمعنى : ألم تعلم الله منزلا من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة أي : ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب إنزاله الماء من السماء ، وهذه آية من آياته وبراهين قدرته على البعث كما بيناه مرارا .

وهذا المعنى المذكور هنا من كون إنبات نبات الأرض ، بإنزال الماء من آياته الدالة على كمال قدرته جاء موضحا في آيات كثيرة ; كقوله تعالى ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت [ 41 \ 39 ] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله : إن الذي أحياها لمحيي الموتى [ 41 \ 39 ] وكقوله : فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها [ 30 \ 50 ] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله : إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير [ 30 \ 50 ] ، وقوله : ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا [ 50 \ 9 - 11 ] ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله : كذلك الخروج [ 50 \ 11 ] أي : [ ص: 295 ] خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت ، كقوله : ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون [ 30 \ 19 ] وقوله : وأحيينا به بلدة ميتا [ 50 \ 11 ] ، كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون [ 7 \ 57 ] والآيات بمثل هذا كثيرة .
تنبيه .

في هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان :

الأول : هو ما حكمة عطف المضارع في قوله : فتصبح على الماضي الذي هو أنزل ؟

السؤال الثاني : ما وجه الرفع في قوله : فتصبح مع أن قبلها استفهاما ؟

فالجواب عن الأول : أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان كما تقول : أنعم على فلان عام كذا وكذا ، فأروح وأغدو شاكرا له ، ولو قلت : فغدوت ورحت ، لم يقع ذلك الموقع ، هكذا أجاب به الزمخشري .

والذي يظهر لي والله أعلم : أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيئة التي اتصفت بها الأرض : بعد نزول المطر ، والماضي لا يفيد دوام استحضارها ; لأنه يفيد انقطاع الشيء .

أما الرفع في قوله : فتصبح ; فلأنه ليس مسببا عن الرؤية التي هي موضع الاستفهام ، وإنما هو مسبب الإنزال في قوله : أنزل ، والإنزال الذي هو سبب إصباح الأرض مخضرة ليس فيه استفهام ، ومعلوم أن الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط ، ولا يمكن أن تقول هنا : إن تر أن الله أنزل من السماء ماء ، تصبح الأرض مخضرة ; لأن الرؤية لا أثر لها ألبتة في اخضرار الأرض ، بل سببه إنزال الماء لا رؤية إنزاله .

وقد قال الزمخشري في " الكشاف " في الجواب عن هذا السؤال : فإن قلت : فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام .

قلت : لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض ; لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار .

مثاله : أن تقول لصاحبك : ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر ، إن تنصبه فأنت ناف لشكره شاك تفريطه ، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر ، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من [ ص: 296 ] اتسم بالعلم في علم الإعراب ، وتوقير أهله ، انتهى منه . وذكر نحوه أبو حيان في البحر ظانا أنه أوضحه ، ولا يظهر لي كل الظهور ، والعلم عند الله تعالى .

فإن قيل : كيف قال : فتصبح مع أن اخضرار الأرض ، قد يتأخر عن صبيحة المطر .

فالجواب : أنه على قول من قال : فتصبح الأرض مخضرة أي : تصير مخضرة فالأمر واضح ، والعرب تقول : أصبح فلان غنيا مثلا بمعنى صار ، وذكر أبو حيان عن بعض أهل العلم : أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر .

وذكر عكرمة وابن عطية وعلي هذا فلا إشكال . وقال بعضهم : إن الفاء للتعقيب ، وتعقيب كل شيء بحسبه كقوله : ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة [ 23 \ 14 ] مع أن بين ذلك أربعين يوما كما في الحديث ، قاله ابن كثير ، وقوله : لطيف خبير أي : لطيف بعباده ، ومن لطفه بهم إنزاله المطر وإنباته لهم به أقواتهم ، خبير بكل شيء ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض سبحانه وتعالى علوا كبيرا .
قوله تعالى : ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن الله سخر لخلقه ما في الأرض ، وسخر لهم السفن تجري في البحر بأمره ، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحا في مواضع كثيرة كقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه [ 45 \ 13 ] وقد بينا معنى تسخير ما في السماء بإيضاح في سورة " الحجر " ، في الكلام على قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم [ 15 \ 17 ] ، وكقوله : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون [ 36 \ 41 - 42 ] وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة " النحل " وغيرها .
قوله تعالى : ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض ، فتهلك من فيها ، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها ; كما قال : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء الآية [ 34 \ 9 ] ، وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده الآية [ 35 \ 41 ] ، [ ص: 297 ] وكقوله : ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين [ 23 \ 17 ] على قول من فسرها : بأنه غير غافل عن الخلق بل حافظ لهم من سقوط السماوات المعبر عنها بالطرائق عليهم .

تنبيه .

هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله : ويمسك السماء أن تقع على الأرض [ 22 \ 65 ] وقوله : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده [ 35 \ 41 ] وقوله : إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء [ 34 \ 9 ] وقوله : وبنينا فوقكم سبعا شدادا ، [ 78 \ 12 ] وقوله : والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون [ 51 \ 47 ] ، وقوله تعالى : وجعلنا السماء سقفا محفوظا الآية [ 21 \ 32 ] ، ونحو ذلك من الآيات ، يدل دلالة واضحة ، على أن ما يزعمه ملاحدة الكفرة ، ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإسلام أن السماء فضاء لا جرم مبني ، أنه كفر وإلحاد وزندقة ، وتكذيب لنصوص القرآن العظيم ، والعلم عند الله تعالى .

وقوله في هذه الآية الكريمة إن الله بالناس لرءوف رحيم [ 22 \ 65 ] أي : ومن رأفته ورحمته بخلقه أنه أمسك السماء عنهم ، ولم يسقطها عليهم .
قوله تعالى : وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور ، قوله : وهو الذي أحياكم ، أي : بعد أن كنتم أمواتا في بطون أمهاتكم قبل نفخ الروح فيكم فهما إحياءتان ، وإماتتان كما بينه بقوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون [ 2 \ 28 ] وقوله تعالى : قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين الآية [ 40 \ 11 ] .

ونظير آية " الحج " المذكورة هذه قوله تعالى ، في " الجاثية " : قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه [ 45 \ 26 ] ، وكفر الإنسان المذكور في هذه الآية في قوله : إن الإنسان لكفور مع أن الله أحياه مرتين ، وأماته مرتين ، هو الذي دل القرآن على استعباده وإنكاره مع دلالة الإماتتين والإحياءتين على وجوب الإيمان [ ص: 298 ] بالمحيي المميت ، وعدم الكفر به في قوله : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم الآية [ 2 \ 28 ] .
قوله تعالى : لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه ، الأظهر في معنى قوله منسكا هم ناسكوه [ 22 \ 67 ] ، أي : متعبدا هم متعبدون فيه ; لأن أصل النسك التعبد وقد بين تعالى أن منسك كل أمة فيه التقرب إلى الله بالذبح ، فهو فرد من أفراد النسك صرح القرآن بدخوله في عمومه ، وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك .

والآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى : ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلمواالآية [ 22 \ 34 ] وقوله لكل أمة جعلنا منسكا [ 22 \ 34 و 67 ] في الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين والباقون بفتحها .
قوله تعالى : الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ، أمر الله - جل وعلا - نبيه - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية الكريمة : أن يدعو الناس إلى ربهم ، أي : إلى طاعته ، وأخبره فيها أنه على صراط مستقيم أي : طريق حق واضح لا اعوجاج فيه ، وهو دين الإسلام الذي أمره أن يدعو الناس إليه وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين ، جاء واضحا في مواضع أخر ; كقوله في الأول منهما : ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين [ 28 \ 87 ] وقوله تعالى : فلذلك فادع واستقم كما أمرت الآية [ 42 \ 15 ] وقوله تعالى : ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة [ 16 \ 125 ] وأخبر - جل وعلا - أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله تعالى : وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم [ 23 \ 73 ] وقوله : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ 42 \ 52 ] وكقوله في الأخير : فتوكل على الله إنك على الحق المبين [ 27 \ 79 ] وقوله : ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها الآية [ 45 \ 18 ] وقوله تعالى : ويهديك صراطا مستقيما [ 48 \ 2 ] .

والآيات بمثل هذا كثيرة .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.86%)]