عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 21-10-2022, 08:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,519
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ما هو منهج الفصحى؟

ما هو منهج الفصحى؟
أ. عبدالله بن محمد بن بدير




بواعث أستاذنا الدنان:
كان أستاذنا الدنان يقلقه حالة الضعف اللغوية والعلمية للطلاب العرب _وهو الرجل الذي أمضى أكثر من ستين عامًا في التربية معلمًا ومدرسًا وأستاذًا جامعياً_ واكتشف أن السبب هو وجود لغتين مختلفتين لدى الطالب العربي: لغة المهد (العامية)، ولغة الكتاب المدرسي (الفصحى المعاصرة)، ومن هنا سجل نقده الآتي:
"الواقع التعليمي واللغوي للتلميذ العربي يسير سيرا معاكسا لطبيعة الخلق، لأنه:
أولًا: لا يتقن لغة المعرفة وهي اللغة العربية، قبل السادسة، أي في الفترة الفطرية لتعلم اللغات.

وثانيا: لأنه يتعلم لغة المعرفة - وهي اللغة العربية - بعد بدء ضمور قدرة الدماغ الهائلة على تعلم اللغات، فيبذل جهدا كبيرا لتعلم لغة المعرفة، كما ينفق [في تعلمها] وقتا طويلا، هو بحاجة ماسة إليه لتعلم المعرفة.
وهكذا يبقى ضعيفا في اللغة العربية، وفي فهم المعرفة المكتوبة بهذه اللغة. انتهى.

إن الباعث على منهج فصحى الدنان هو تهيئة الطفل العربي لكتاب المدرسة، ليستطيع تلقي ما فيه من المعارف من غير أن تحول بينه وبين ذلك الصعوبات اللغوية، من ثم فهو يقول في أسى:"إن التلميذ العربي يشبه الصياد الذي ذهب إلى البحر ونسي شبكة الصيد"[6].

وبرغم أن الرجل سجل بإعجاب شغف ابنته "لونة" في طفولتها الأولى بترداد آيات القرآن الكريم، وعزا ذلك إلى تعلمها للفصحى؛ إلا أنه لم يكن يؤسس لمنهج لغة عربية بمستوى لغة عصر التنزيل من حيث الأصالة، قابل للتطبيق في حوارات حياتنا اليومية الحية من حيث المعاصرة.

كان الدنان يريد تخريج الأطفال على المستوى اللغوي للكتاب المدرسي، ونحن نريد تخريجهم على المستوى اللغوي للكتاب السماوي، ولكنه أعطانا المفتاح الذي كان مفقودا.

ملخص نقدنا لأستاذنا الدنان:
ويتلخص نقدنا لأستاذنا الدنان في:
1 - اقتصاره على الجانب النحوي من اللغة، فهو يحتفل فقط بإعراب الكلمة في جملتها بما يقتضيه موقعها، مما أدى إلى قصور في جوانب أخرى كجانب قواعد الوقف والوصل مثلا.

2 - مبالغته في الجانب النحوي بما يَخرج عن عرف اللغة العربية أصلا، وذلك في وقفه على العبارة بإظهار الحركة التي يقتضيها الإعراب، والواجب أن يقف بالسكون.

3 - اقتصاره على عربية العصر الحديث، بغرض تأهيل الطفل لعربية الكتاب المدرسي، مما أخل بسائر المميزات الاصطلاحية للغة عصر التنزيل، مع كونها في غاية الأهمية لإنجاز حوار دارج بسيط كالذي يدعو إليه أستاذنا الدنان، فلم يُعن مثلا:
‌أ- بتصرفات اللغة ذكرا وحذفا وتقديما وتأخيرا هلم جرا. مثل: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ﴾ [النساء: 176]، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ.

‌ب- ولا بتعابيرها المسكوكة، مثل: صَهْ، وَىْ! حَسّْ!! مَهْيَمْ؟ صَكَّةُ الْأَعْمَى، إِمَّا لَا.
‌ج- ولا بعباراتها الوظيفية، مثل: لِيَهْنِكْ، وَيْحَكْ، هَلُمْ، سَوَّهْ! مُرّْ! وَإِنَّكَ لَهُنَاك؟! وَلَا زَعَماتِك!
‌د- ولا باختياراتها التعبيرية، مثل: أَخِّرْ عَنِّي، أَبْصِرْ شَأْنَكَ، دَعْنَا مِنْك! عَلَى رِسْلِك! مَا يُولِعُكَ بِكذا؟
‌ه- ولا بمسالكها التخاطبية، مثل: حُجَيَّاكَ ما في يَدي؟ إمَّا هَلَكَ الْهُلْكُ، بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ.
‌و- ولا بإسناداتها التركيبية، مثل: حَمِيَ مِنْ ذَلِكَ أَنَفا، لَمْ يَرُعْنِي إِلَّا...

‌ز- ولا بأساليب السَّوق والترصيف، مثل: البخاري (5224): "وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ"، ومسلم (537): "فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ". وأحمد (23388): "وَاللَّهِ إِنِّي لَأُرَاكَ جَلِيسَ سَوْءٍ مُنْذُ الْيَوْمِ، تَسْمَعُنِي أَحْلِفُ وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَنْهَانِي"، لم يقل: وَلَا تَنْهَانِي.

4 - ولم يُعن أيضًا بإحياء المعاني اللغوية للحروف، كمعنى اللام في: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ ﴾ [الأحقاف: 11]. ومعنى من في: ﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ﴾ [الزخرف: 60].

5 - كما لم يُعن كذلك بتسمية الأشياء المستجدة التي يكثر وجودها حول الطفل بأسماء عربية، ولم يلفت إلى أهمية ذلك، مثل البسكويت، الآيس كريم، الشوكولاتة، الشيبسي، الكاراتيه، الكيك، البازل، البمبز، الكوتشي، الشبشب، البرمودا، الفستان، البلوزا، التوكا، الشامبو، البانيو، الدش، الشاشة، الريموت، الريسيفر، الفيلم، اللاب، الأيباد، الكاميرا، الألبوم، الكومودينو، الأباجورا، الفريزر، الميكروويف، هلم جرا.

وهي أسماء أعجمية ذات كثرة كاثرة كما ترى، ولا بد من دخولها في أحاديثنا التعليمية مع الطفل، مما يسهم في تعليمه عربية مشوهة، أو "سقيه لبنا مغشوشا" كما يعبر أستاذنا الدنان.

إنه لا يغني عن العربية شيئا أن نضع على الكلام الأعجمي الحركات الإعرابية، وقد سعيت للبرهنة على ذلك بقرض هذه الأبيات الثلاثة مزاوجا بين العربية والإنجليزية، ضابطا كليهما بالنحو العربي:
لَا تَشْرَبِ الْ (وُوتَرَ)
( بِتْ ... وِينَ) الطَّعَامْ

(دُنْتِ) الْإِسَاءَةَ (تُو)
صَدِي ... قِكَ وَالْخِصَامْ

أَنَا نَاصِحٌ (تُو يُو)
... فَكُنْ لِي، وَالسَّلَامْ


الفرق بين منهج الفصحى ومناهج تعليم اللغة العربية المعتادة:
في الطريقة والمحتوى:
يختلف منهج الفصحى عن مناهج تعليم اللغة العربية المعهودة في:
1 - الطريقة، فمنهج الفصحى عملي تكتسب فيه مهارات اللغة من خلال الممارسة العملية للحوار الطبيعي حول الأنشطة العادية، والحوار المصمم حول الأنشطة الموجهة.

2 - وكذلك يختلفان في المحتوى، فمنهج الفصحى يتمتع بلغة أصيلة معاصرة، تعبر بشكل طبيعي عن تراثنا، كما تعبر أيضا عن عصرنا.

فهو يعمل على التعبير عن الأغراض العصرية بأساليب وتقاليد اللغة العربية المعيارية، بعد تعريب أسماء المسميات المستجدة، وإحياء أسماء المسميات القديمة، وعمل المقاربات اللغوية اللازمة مثل إعطاء كل فرد من أفراد الحقل الدلالي الواحد اسما يخصه لتتحقق سهولة التفاهم[7]، مثلا:
يقول الوالد لابنه وهما خارجان:
وَيْحَكَ أَتَلْبَسُ النَّعْلَةَ (الشبشب) وَقَدْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءْ؟ (يلاحظ الوقف بالسكون)
حَسَنًا! سَأَلْبَسُ النَّعْلَ (الصندل) إِنَّنِي أُحِبُّهَا! (يلاحظ تأنيث "النَّعْل" في "أُحِبُّهَا" وفي "وَلَا هَذِهْ" الآتية)
وَلَا هَذِهْ! عَلَيْكَ بِالثُّبَّاتِ (الكوتشي) فَإِنَّهُ أَحْزَمْ.

مميزات لغة منهج الفصحى:
تختلف لغة منهج الفصحى عن لغة مناهج تعليم اللغة العربية المعهودة:
1 - لغة منهج الفصحى مستلة - في المسميات والأغراض القديمة- من لغة عصر التنزيل، ومبنية - في المسميات والأغراض الجديدة- على لغة عصر التنزيل؛ لتبقى لغة القرآن حية، ويتعمق الشعور بها لدى المتعلمين، أما لغة المناهج المعهودة فغالبا ما تبنى على العربية بدون تحديد زمني، مما يجعل كثيرا من كلمات القرآن غريبة بيننا، من مثل - واقتصرنا على التمثيل من قصار السور- ﴿ الْفَلَقِ ﴾ [الفلق: 1]، ﴿ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الفلق: 3]، ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 2]، ﴿ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴾ [العلق: 15].

2 - لغة منهج الفصحى مستوعبة لمسميات وحاجات العصر لكن بطريقة مخصوصة هي تعريبها بما يتماشى مع لغة عصر التنزيل، ولغة المناهج المعهودة غالبا ما تترك ما من التراث للتراث وما من العصر للعصر، ولا تتحاشى من الغزو الكاسح للأعجمي والدخيل في المفردات والأساليب.

3 - لغة منهج الفصحى مبنية من العبارات الوظيفية، والاختيارات التعبيرية، والمسالك التخاطبية، والنظم التركيبية، وأساليب السَّوق والترصيف؛ التي اصطلح عليها المتكلمون في عصر التنزيل، وهيئوها لإنجاز الحوار وإسعاف التفاهم.

أما لغة المناهج المعهودة فمبنية غالبا من القواعد التجريدية، التي تصلح لعربية أي عصر، ولا تعبر عن الخصوصية والعبقرية المتفردة للغة عصر التنزيل.

لغة المناهج المعهودة مبنية أيضا على النصوص السردية الرسمية كالخطب والقصائد والرسائل التي لا تعطينا مكنة الحوار العادي السهل، من ثَمَّ فهي لا توقفنا على دارجة الفصحاء التي كانوا يتحاورون بها في عصر التنزيل، والتي تؤهلنا لخوض الحوار الفصيح وتعلم اللغة بالطريقة الصحيحة التي كشف عنها أستاذنا الدنان، وهي طريقة الممارسة اللغوية الحياتية للغة المدروسة أثناء الدرس على الأقل، فهذه الطريقة تقتضي أن يكون الحوار حول أي شيء في موضوع الدرس أو خارج موضوعه بالفصحى، فما دام هناك كلام بين المعلم والطلاب فلابد أن يكون بالفصحى، إذا نحن نحتاج إلى لغة حوار سهلة وجاهزة، تكون غنية بالعبارات الوظيفية التي تنجز التخاطب، وهذا أمر لا تتيحه القواعد والنصوص الرسمية التي يتكون منها المنهج الاعتيادي.

وحتى النصوص الحوارية القليلة التي توجد في مناهجنا الاعتيادية، فهي لا تصلح لأنها غير منتقاة بحيث تفي بالمهم من العبارات الوظيفية للحوار، وغير موجهة بحيث يضمن المنهج تدرب المتعلم على هذه العبارات بالشكل الكافي.

ناهيك عن أن المنهج أصلا لم يصمم لتكوين المهارة السلوكية للغة، ولم يضع لذلك التدريبات والوسائل التعليمية الملائمة، ولا أعطى في تقويماته النهائية الأولوية الازمة لهذه الناحية، ولا حتى أعد المعلم القادر على محادثة تلاميذه بالفصحى!

أهداف منهج الفصحى:
1 - التعليم السلوكي للغة، بحيث يترجم التعليم إلى سلوك هو "الإفصاح".
2 - تعليم فصحى عصر التنزيل.
3 - جعل فصحى عصر التنزيل شاملة للغة عصر التنزيل ولغة العصر موافقة بينهما.
4 - جعل فصحى عصر التنزيل صالحة لمجتمع لغوي متكامل، باشتمالها على جوانب اللغة الثلاثة: العلمية، والأدبية، والدارجة.
5 - جعل فصحى عصر التنزيل لغة حية، تُمارس في شئون الحياة داخل المجتمع التعليمي، تمهيدا لجعلها لغة المجتمع بأسره في أجيال تالية.

ثانيا: أدوات منهج الفصحى:
لما كان منهج الفصحى يزاول اللغة ويبني بها الملكة، فقد اتخذ الأدوات الملائمة لهذه الغاية، ويمكن أن نلخص تنوعاتها في أهم مظاهرها، وهو المزاولة الشفهية والحوار اليومي.

على النقيض تجد المناهج الاعتيادية تعمل على فهم القواعد وحفظ المفردات ومعانيها، لذا تجد أن أهم أدواته هي الاستظهار والتطبيق التحريري.
يتبع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.50%)]