الموضوع: عز القناعة
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 17-10-2022, 04:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عز القناعة

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه؛ أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله، واحمدوه واشكروه وتوبوا إليه.

ويا عبدالله، إن نابتك نائبة فاذكر فضل الله عليك ثلاثًا؛ إذ لم تكن في دينك، وكانت أهون من أختها، ورُزقت احتسابها عند الله؛ كما قال عمر، وإن من شكر النعمة أن تحمد الله عليها وإن قلت، مستشعرًا حرمان غيرك منها، فإن شكوت زوجك، فغيرك لا زوج له، وإن أتعبك ابنك، فغيرك لا ابن له، وإن شكوت قلة مالك ودنو مرتبة عملك، فغيرك لا عمل له وقد كسرت ظهره الديونُ، وإن شكوت ضَعَةَ نسبك، فغيرك لا نسب له ولا يُعرف حتى والديه، وإن شكوت ظلم أحد، فاذكر من تقصفهم الطائرات والمدافع وهم بين قتيل وسجين ومشرد ومفقود ومفتون في دينه، وإن شكوت كلام الناس في عرضك، فتذكر من تُغْتَصب كريمته بين يديه قهرًا، وإن شكوت ضعف صحتك، فتذكر من هم على الأسِرَّةِ البيضاء ممن لا يحرك أي عضو، أو يتجرع الكيماوي لدفع السرطان، أو يغسل كليتيه كل يومين، أو لا ينام لشدة الآلام، بل تذكر من تحت الأرض قد اخترمهم المنون، ولقطتهم المنايا، وحِيل بينهم وبين العمل للآخرة، وتذكر ستر الله عليك وقد هُتك ستر غيرك، وحريتك في أرض الله وغيرك قد حُكم عليه بدفن عمره خلف الزنازين أو تحت الأقبية، فاحمد الله الذي لا يأتي الخير إلا منه، ولا يدفع الشر إلا هو، له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم، وإليه نرجع ونؤوب، سبحانه وبحمده.

واعلم أن الدنيا إن أقبلت فتنت، وإن أدبرت وعظت؛ وقد قال خالقها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ [فاطر: 5].
تعالى الله يا سلم بن عمرو
أذلَّ الحرصُ أعناقَ الرجالِ
هبِ الدنيا تُساق إليك عفوًا
أليس مصير ذلك للزوالِ


ولما سُئل الإمام أحمد: "هل يكون مع الرجل مائة ألف دينار وهو من الزاهدين؟ فقال: نعم، إذا كانت في يده لا في قلبه"، وإذا أردت أن تعرف هل الدنيا في قلبك أم لا، فانظر حالك مع المشتبهات وقوعًا أو تورعًا.

هذا والقناعة من أعظم روافد العفاف، وإن العفاف خلق يسمو بالنفس جدًّا، ويرفعها وينزهها عن الإهانة والمذلة حتى مع ضيق ذات اليد، ولا بد للعفيف من قناعة تبرد لواعجَ حاجته، وتشبع نهمة فاقته، فصُنْ وجهك عن التَّأكل به؛ فماؤه عزيز.
فإن إراقة ماء الحياة
دون إراقة ماء المحيا




وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دينارهم، فإذا فعل ذلك؛ استخفوا به، وكرهوا حديثه، وأبغضوه"، وتصديق ذلك في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته، أحبني الله، وأحبني الناس، فقال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس))[11]؛ ذلك أن المال عزيز بأيدي أصحابه، ولا يهون عليهم أخذه من أيديهم، بل إنهم ليصولون دونه صيال السباع الضواري، ﴿ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾ [الفجر: 20]، فكما أنه يهمهم ويسوقهم تحصيله، فكذلك يؤرقهم ويروقهم حفظه، فالشح مغروز في نفوس البشر، فمن أراد مزاحمتهم عليه، قلَوه وأبغضوه، إلا من سخت نفسه منهم لأمر خارج عن ذلك؛ كزهد أو غياث أو تحبب أو صدقة ونحو تلك الرغائب، فأقل الناس أهل القناعة، وأقل قليلهم أهل الزهادة.

واعلم – حفظ الله قلبك - أن فتنة النساء أشد من فتنة المال عند بعضهم، والعكس صحيح لدى آخرين، وكل امرئ قد رُكِّب فيه ضعف ومَيل بحكم بشريته، فيستحكم في جهة دون الأخرى، وقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفتنتين؛ فقال في شأن النساء: ((ما تركت بعدي فتنةً هي أضر على الرجال من النساء))[12]، وقال في فتنة المال: ((لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال))[13].

فلدى بعض الناس ميل غريزي للنساء أكثر بكثير من ميله لجمع المال، ولدى آخرين طمع وجشع وشح وهلع للمال مع زهده في أمر النساء، والشيطان يشم قلب عدوه وابن عدوه آدم، فحيثما وجد ضعفًا ولج منه، سواء من هذين البابين، أو من سواهما؛ كحب الرئاسة، أو محبة الظلم، أو غير لك، وقد جمعهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الدنيا حلوة خَضِرة[14] وإن الله مستخلفكم فيها، فناظرٌ كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا وفتنة النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل في النساء))[15]، ففتنة المال من أوليات فتنة الدنيا للعالمين.

وإن لك – يا صاحبي - ثوبَ إيمان ناصع البياض فلا تلوثه بسواد الخطايا، والعفاف نزه ناصع شديد الصفاء، فنقطة فُجُورٍ تُفسد أرطالًا من الفضيلة، وخطوة خيانة تلوث أميالًا من العفاف، فاسأل ربك العفاف في أمرك كله، ومن الأدعية المأثورة: ((اللهم إني أسألك الهدى، والتقى، والعفاف، والغِنى))[16]، ومنها: ((اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك))[17]، فألحَّ على ربك أن يحفظك بالعفاف في شأنك كله، ووطِّن نفسك القناعة تكن - بإذن الله - من المفلحين[18].

اللهم صلِّ على محمد...

[1] مسلم (3/ 102).

[2] أحمد (6/ 19) بسند حسن.

[3] البخاري (6446)، ومسلم (1051) (120).

[4] وانظر: تفسير الطبري (17/ 290)، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/ 174) والدر المنثور للسيوطي (9/ 109).

[5] ابن ماجه (4095)، وصححه الألباني، وانظر: الصحيحة (950).

[6] تفسير الثعلبي (3/ 45).

[7] مدارج السالكين (2/ 22).

[8] تفسير الرازي (29/ 415).

[9] مدارج السالكين (2/ 220).

[10] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد لابن عجيبة (ت:1224) (5/ 289).

[11] ابن ماجه (4102)، والحاكم (4/ 313)، وحسنه النووي في الرياض.

[12] البخاري 7/ 11 (5096)، ومسلم 8/ 89 (2740).

[13] الترمذي (2336)، وقال: حديث حسن صحيح غريب.

[14] خضرة: غضة ناعمة طرية نضرة كالثمرة الطيبة.

[15] مسلم (7124).

[16] مسلم 8/ 81 (2721).

[17] الترمذي (3563) وحسنه.

[18] (ولا تفرقوا) (344-346) إبراهيم الدميجي.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.33%)]