عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 16-10-2022, 05:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,816
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الشَّاعِرُ الأُمَويُّ جَمِيلُ بُثَينَةَ (ت 82هـ)


وبِالنَّظرَةِ العَجْلَى وبِالحَولِ تَنقَضِي

أَواخِرُهُ لا نَلتَقِي وأَوائِلُهْ









وكانَتْ تَتَحَيَّنُ الفُرَصَ لِتلتَقِيَ بِهِ، فَتُشرِقُ رُوحُهُ حِينَ يَرَاها، وَتَنتَعِشُ نَفسُهُ، وتَنشَرِحُ أَسَارِيرُه، ويَسعَدُ سَعادةً لا نَتَخيَّلُها، وَكَانَ قَد خَطَبَها مِن أَبِيها فَردَّهُ، كَراهَةَ أَنْ تُعَيِّرَهُ العَرَبُ، لأنَّهُم كانُوا لا يُزوِّجُونَ بَنَاتِهِم ممَّنْ يَتَغَزَّلُونَ بِهِنَّ، ويُزوِّجُها أبُوها مِنْ رَجُلٍ آخَرَ مِن القِبِيلةِ يُسمَّى نُبَيهَاً فَتَسوَدُّ الدُّنَيا فِي عَينِ جَميلٍ، ويَلتَاعُ لَوعةً شَدِيدَةً، ويُصبِحُ حُبُّها كُلَّ حَياتِهِ، فَهُوَ يَملِكُ علَيهِ كُلَّ شَيءٍ ويأخُذُ علَيهِ كلَّ طريقٍ، فَقاَلَ:





لَها فِي سَوادِ القَلبِ بِالحُبِّ مِيْعَةٌ

هِيَ المَوتُ أو كادَتْ علَى الموتِ تُشرِفُ



وَمَا ذَكَرَتْكِ النَّفسُ يا بَثنُ مرَّةً

مِن الدَّهرِ إلَّا كادَتِ النَّفسُ تَتلَفُ



وإلَّا اعتَرَتْنِي زَفرَةٌ واستِكانَةٌ

وَجَادَ لَهَا سَجْلٌ مِن الدَّمعِ يَذرُفُ



وَمَا استطرَفَتْ نَفسِي حدِيثاً لِخُلَّةٍ

أُسَرُّ بِهِ إلَّا حَدِيثُكِ أَطرَفُ










ولَقَد حَاوَل الشَّاعِر العُذرِيُّ المحِبُّ أَنْ يَرفَعَ قَدْرَ مَحبُوبَتِهِ إلَى مَكَانٍ يَلِيقُ بِالحُبِّ الَّذِي أَجهَدَ نَفسَهُ مِن أَجلِهِ، فَجَمِيلُ بُثَينةَ مَثلاً لا يَكتَفِي بِتَشبِيهِ صَاحبَتِهِ بَالبَدرِ، بَل يُخبِرُنا أَنَّ اللهَ فَضَّلَهَا علَى كَثيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، إذ اختَصَّها بِحُسنٍ فَرِيدٍ بَينَ النَّاسِ، مِثلَمَا خَصَّ لَيلَةَ القَدرِ بِتَفضِيلِهَا علَى بَقِيَّةِ اللَّيالِي.وذلِكَ يَنُمُّ عَن رُوحٍ إسلامِيَّةٍ، وَيَدُلُّ علَى ثَقَافَةٍ تَتَمَثَّلُ فِي استِعمَالِ الأَلفَاظِ والمَعَانِي القُرآنيَّةِ، يقول[7]:





هِيَ البَدرُ حُسْنَاً، والنِّسَاءُ كَواكِبٌ

وشَتَانَ ما بَينَ الكَواكِبِ والبَدرِ



لَقَد فُضِّلَتْ حُسْناً علَى النَّاسِ مِثلَما

علَى أَلفِ شَهرٍ فُضِّلَتْ لَيلَةُ القَدرِ










وغَزَلُ جَمِيلٍ مِن أَروعِ صُورِ الغَزلِ فِي الأَدبِ العَربِيِّ، لِمَا فِيهِ مِن سُمُوٍّ وَنُبلٍ وَطَهَارةٍ وَنَقَاءٍ، وَهُوَ غَزَلٌ يَمسَحُ علَيهِ الإِسلامُ وَمَا أَحاطَ بِهِ المرأةَ مِن جَمالٍ وَجَلالٍ وَوَقارٍ، وَمَا حَرَّمَ مِن الآَثامِ ظَاهِرةً وباطِنةً، وَلَكِنَّ مَسحَةَ الحُزنِ كَانَتْ ظَاهِرَةً عَلَيهِ ولَوعةَ الحُبِّ وفِراقَ المحبُوبةِ، فَيَقِفُ علَى دِيارِ المحبُوبَةِ ويُناجِيها فَلا تَرُدُّ وهُوَ يَتَذَكَّرُ أيَّامَهُ مَعَها، وَقَد تَسَاقَطَتْ دُموعُهُ علَى خَدَّيّهِ حِينَ تذكَّر أيَّامه مَعَ بُثَينَةَ فَقَالَ:









إنَّ المنازِلَ هَيَّجَتْ أطرابِي

واستَعجَمَتْ آياتُها بِجَوابِي




قَفراً تَلُوحُ بِذِي اللُّجَينِ كأنَّها

أَنضَاءُ رَسمٍ أو سُطُورُ كِتابِ




لمَّا وَقَفْتُ بِها القَلُوصَ تبادَرَتْ

مِنِّي الدُّمُوعُ، لِفُرقَةِ الأَحبَابِ




وَذَكَرْتُ عَصراً يا بُثَينَةُ شاقَنِي

وذَكَرْتُ أيَّامِي وشَرخَ شَبَابِي[8]









يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.59 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.38%)]