عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 16-10-2022, 06:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,367
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفقه على المذاهب الأربعة ***متجدد إن شاء الله

الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري
الجزء الخامس
[كتاب الحدود]
صـــــ 12 الى صــــــــ
46

الحلقة (241)




النهي عن تخليل الخمر
الحنفية - قالوا: إن الخمر خل الخمر حلال سواء تخللت، أو خللت لقوله صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ (نعم الادم الخل مطلقاً) وقوله صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (خير خلكم خل خمركم) ولأن التخليل يزيل الوصف المفسد ويثبت وصف الصلاحية، لأن فيه مصلحة قمع الصفراء والتغذي، ومصالح كثيرة، وإذا زال المفسد الموجب للحرمة حلت، كما إذا تخللت بنفسها، وإذا تخللت طهر الإناء أيضاً، لأن جميع ما فيه من أجزاء الخمر يتخلل، إلا ما كان منه خالياً عن الخل، فقيل يطهر تبعاً.
الشافعية - قالوا: إذا كان التخليل بالنقل من الشمس إلى الظل أو نحو ذلك فأصح وجه عندهم أنها تحل وتطهر.
المالكية - تروى عنهم ثلاث روايات أصحها أن التخليل حرام فلو خللها عصى وطهرت. وذلك لما روي عن أنس (أن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ سئل عن الخمر يتخذ خلاً فقال: لا) رواه أحمد ومسلم وأبو داود رحمهما اللَّه وفيه دليل للجمهور على لأنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل، وذلك بوضع شيء فيها.

حكم دردي الخمر
واختلف العلماء في حكم شرب (دردي) الخمر، وهو ما أسفل وعاء الخمر من عكر.
الشافعية - قالوا: يحرم شرب دردي الخمر، وإذا شرب يقام الحد عليه، وكذلك دردي باقي المسكرات ولا يحد بشربها إذا استهلكت فيه، وذلك بأكل خبز عجن دقيقه بها، لأن عين الخمر أكلتها النار، وبقي الخبز نجساً، ولا يحد بأكل معجون هي فيه، لاستهلاكها. ولا يأكل لحم طبخ بها، بخلاف مرقه إذا شربه، أو غمس فيه، أو صنع بها ثريداً فإنه يحد، لبقاء عينها، ولا يحد بحنقه بها، بأن أدخلها مع سائل في دبره.
ويحد بالسعوط، بأن أدخلها في أنفه، لأنه قد يطرب به، ولأنه يحصل الإفطار بهما للصائم أثناء صومه،
وقيل: لا يحد، إذا احتقن بها، أو أدخلها في أنفه، لأن الحد للزجر، ولا حاجة إليه هنا، فإن النفس لا يدعو إليه، وذكر البلقيني بأنه يحد في السعوط، دون الحقنة، لأنه قد يطرب منه، بخلاف الحقنة.
النفية - قالوا: يكره شرب دردي لاخمر، والامتشاط به، لأنه من أجزاء الخمر، ولا يحد شاربه، ما لم يسكره، لأنه ناقص، إذ الطباع السليمة تكرهه وتنبو عنه، وقليله لا يدعو إلى كثيره، فصار كغير الخمر، فلا يأخذ حكمه.
حكم بيع الخمر
اتفق العلماء على أن الخمر يكفر مستحلها لثبوت حرمتها بدليل قطعي، وإجماع الأمة على حرمتها، وتواتر الأدلة. وأنها نجسة نجاسة مغلظة لثبوتها بالدليل القطعي، ولا قيمة لها في حق لامسلم، فلا يجوز له بيعها ولا يضمن غاصبها، ولا متلفها، لأن ذلك دليل عزتها، وتحريمها دليل إهانتها. وقد روي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أنه قَالَ: (إن الذي حرم شربها، حرم بيعها، وأكل ثمنها) وكذلك يحرم الانتفاع بها لنجستها، ولأن في الانتفاع بها تقريبها واللَّه عز وجل يقول.. {فاجتنبوه} .
وأفتى علماء الإسلام بأنه لا يجوز تمكين غير المسلمين من بيع الخمور ظاهراً في أمصار المسلمين وبلادهم. لأن إظهار بيع الخمر إظهار للفسق، فيمنعون من ذلك، نعم لهم أن يبيعوا الخمر بعضهم لبعض سراً، كبيع لحم الخنزير، لأنها أموال معتبرة عندهم.

فائدة
يحد شارب الخمر، وإن لا يسكر منها حسماً لمادة الفساد، كما تقبيل الأجنبية والخلوة بها لإفصائه إلى الوطء المحرم. وللحديث الذي رواه الحاكم (من شرب الخمر فاجلدوه) ولم ينص على السكر وغيره. ولو فرض شخص لا يسكره الخمر، لأنه مدمن عليها، وقد تشرب دمه بها، حرم عليه شربها للنجاسة لا للإسكار، ويحد بشربها.
وإذا وجدت الخمر في دار إنسان، وعليها قوم جلسوا مجالس من يشربها. ولم يرهم أحد يشربونها، ولم تظهر رائحتها عليهم، ولم يقروا بشربها. عزرهم الإمام، لأنهم ارتكبوا أمراً محظوراً، وجلسوا مجلساً منكراً. أو وجدوا في يحملها، أو يحتفظ بها في داره عزر، لأنه ارتكب محظوراً.

من وجد ريح الخمر توجد منه
ومن شرب الخمر طواعية من غير إكراه. فأخذ وريحها موجودة، أو جاؤوا به إلى الحاكم وهو سكران من غير الخمر من النبيذ أو غيره من أنواع الأنبذة المعروفة، فشهد عليه شاهدان بالشراب، فإنه يقام عليه الحد. ولو أخذ وريحها توجد منه، فلما وصل إلى الحاكم انقطعت الرائحة لبعد المسافة يحد من غير خلاف أما إذا ذهب ريحها منه، وكانت المسافة قريبة فقد اختلف العلماء فيه.
الحنفية - قالوا: لا يقام عليه الحد، لأن الحد لا يقام إلا بشهادة الشهود مع وجود الرائحة.
أبو مُحَمَّد من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وفي رواية عن الحنابلة - قالوا: يقام عليه الحد بالشهادة مع عدم وجود وجود الرائحة فلا يشترط وجود مع البينة، أو الإقرار، حيث أنه لا حاجة إليها. ومن وجد منه ريح الخمر، ولم يقر، ولم تقم عليه الشهادة اختلف فيه.
الحنفية، والشافعية، وجمهور أهل العراق، وعلماء لابصرة - قالوا: لا يثبت الحد عليه بالرائحة، لأن جناية الشرب لم تثبت، حيث أن رائحة الخمر تلتبس بغيرها، فلا يناط شيء من الأحكام بوجودها، ولا بذهابها، وهي شبهة تدرأ الحد.
المالكية، والحنابلة، وجمهور أهل الحجاز - قالوا: يجب إقامة الحد بوجود الرائحة، إذا شهد بها عند الحاكم شاهدان عدلان. تشبيهاً لها بالشهادة على الخط، والصوت، لأن الرائحة من أقوى الدلائل على ثبوتها، وهي ل تلتبس على ذوي المعرفة، ويدل عليه ما في الصحيحين. عن ابن مسعود رضي اللَّه عنه (أنه قرأ سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال عبد اللَّه: واللَّه لقد قرأتها على رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، فقال: أحسنت، فبينا هو يكلمه، إذ وجد منه رائحة الخمر فقال: أتشرب الخمر، وتكتب بالكتاب؟ فضربه الحد - وهذا يدل على أن ابن مسعود إنما أقام عليه الحد لوجود رائحة الخمر منه. ولم تقم الشهادة، ولم يقر بالشرب) .
وأخرج الدارقطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد، عن عمر بن الخطاب (أنه ضرب رجلاً وجد منه رائحة شراب) .
الإقرار بالشرب
ومن أقر بشرب الخمر، ولم يوجد منه رائحة الخمر، فقد اختلفوا فيه.
المالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمام مُحَمَّد من الحنفية - قالوا: يقام الحد عليه بلإقراره، لأن الإنسان لا يتهم على نفسه في التقادم، ولأن التقادم في الإقرار بحد الزنا لا يبطله بالإتفاق.
الحنفية - قالوا: لا يقام الحد على المقر بالشرب لإلا عند وجود الرائحة وقت لإقراره. لأن حد الشرب ثابت بإجماع الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم ولا إجماع إلا برأي ابن مسعود وقد شرط قيام الرائحة في لإقامة الحد، وهو ما روي عن أبي ماجد الحنفي قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد اللَّه بن مسعود فقال عبد اللَّه بن مسعود: ثرثروه، ومزمزوه، واستنكهوه. ففعلوا، فرده إلى السجن، ثم عاد به من الغد، ودعا بسوط، ثم أمر به فدقت ثمرته بين حجرين، حتى صارت درة، ثم قَالَ للجلاد: اجلد ورجع يدك، واعط كل عضو حقه، فالحديث يفيد أنه أقام عليه الحد بظهور رائحة الخمر منه، بالثرثرة، والمزمزة - والثرثرة هي التحريك، والمزمزة - هي التحريك بعنف وأن ما فعله لأجل ظهور الرائحة منه. لأن التحريك يظهرها من المعدة حيث كانت خفيفة ثم تظهر، وهو مذهبه، فلم يقبل قيام الحد عليه بالشهادة، إلا إذا كان معها الرائحة، لأجل زوال الشبهة.
متى يقام الحد على السكران
اتفق الأئمة على أنه لا يقام الحد على السكران حتى يزول عنه السكر، ويصحو منه حتى يتألم من الضرب - ويحصل الإنزجار، والردع له. لأن غيبوبة العقل، وغلبة الطرب تخفف الألم عن السكران.
إقرار السكران
-اتفق الأئمة: على أنه لا يقام الحد على السكران بإقراره على نفسه وهو في حالة الذهول والسكر، بالحدود الخالصة للَّه تعالى - كحد الزنا، والشرب، والسرقة، إذا اعترف بها وهو سكران، إلا أنه يضمن قيمة المسروق الذي أقر به. لأنه حق العبد فيثبت عليه.
وقيد بالإقرار، لأنه لو زنا وهو سكران، وقامت عليه البينة بالشهود، فإنه يقان عليه حد الزنا وذلك بعد أن يفيق من السكر.
وإذا سرق وهو سكران وقامت عليه البينة يقام عليه احد، وتقطع يده بعد الصحو من السكر، وإنما لا يصح إقراره في حقوق اللَّه تعالى لأنع يصح رجوعه عنه، ومن المعلوم أن السكران لا يثبت على شيء، ولا يستمر على حال.

قَالَ العلماء: إن السكران إذا أقر بحق من حقوق العباد فإنه يقتص منه عقوبة له، لأنه أدخل الآفة على نفسه، فإذا أقر بقذف رجل أو امرأة من المسلمين، وهو سكران يحبس حتى يصحو، فيحد حد القذف، ثم يحبس حتى يخف عنه ألم الضرب، فيحد مرة ثانية حد شرب الخمر.
وذكر العلماء: أنه يؤاخذ بلإقراره بسبب القصاص، والديات، وسائر لاحقوق من المال، والطلاق، والعتاق وغيرها.

ولكن لا يرتد السكران، ولا تبين منه زوجته، لأن الكفر باب الاعتقاد أو الاستخفاف وباعتبار الاستخفاف حكم بكفر الهازل، مع عدم اعتقاده لما يقوله، ولا اعتقاد للسكران، ولا استخفاف منه لعدم الإدراك. وهما فرع قيام الإدراك، ولذا لا يحكم العلماء بكفر السكران بتكلمه، حيث أنه رفع القلم عنه.
حكم من تكرر منه الشرب
روي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أنه قَالَ: (من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه) .
إلى أن قَالَ: (فإن عاد الرابعة فاقتلوه) أخرجه أصحاب السنن إلا النسائي من حديث معاوية.

وأخرج النسائي في سننه الكبرى عن مُحَمَّد بن إسحاق عن مُحَمَّد بن المنكدر مرفوعاً من شرب الخمر فاجلدوه إلخ إلخ قَالَ: ثم أتي الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ برجل قد شرب الخمر في الرابعة فجلده، ولم يقتله، فإنهم قالوا إن القتل قد نسخ وزاد في لفظ فرأ المسلمون أن الحد قد وضع، وأن القتل قد ارتفع.

وعن معاوية عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أنه قَالَ في شارب الخمر (إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه، أخرجه أحمد وهذا لفظه - والأربعة رحمهم اللَّه.

واختلفت الروايات في قتل شارب الخمر، هل يقتل إن شرب المرة الرابعة، أو يقتل بعد شرب الخامسة؟. أخرج أبو داود من رواية أبان القصار، وذكر الجلد ثلاث مرات بعد الأولى، ثم قَالَ: (فإن شربوا فاقتلوهم) وأخرج من حديث ابن عمر من رواية نافع عنه أنه قَالَ: وأحسبه قَالَ في الخامسة (فإن شربها فاقتلوه) وإلى قتله فيها ذهب الظاهرية، واستمر عليه ابن حزم، واحتج له بأحايث ورادة عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ وادعى عدم الإجماع على نسخه.

ولكن حمهور العلماء على أن حكم قتل الشارب بعد الرابعة منسوخ بعد أن أمر به الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ في بعض أحاديث عنه. ولكن لم يفعله رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ مرة واحدة طول حياته. وكذلك لم يفعله أحد من الصحابة رضوان اللَّه عليهم وهذا يدل على نسخه بالإجماع. فقد أخرج الإمام الترمذي من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (من شرب الخمر فاجلدوه - إلى أن قَالَ: ثم إذا شرب في الرابعة. قَالَ: فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به قد شرب فجلده، ثم أتي به شرب فجلده، ثم أتي به الرابعة فجلده، فرفع القتل عن الناس، فكانت رخصة) أي أن فعل الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ من جلد الشارب بعد الرابعة رخصة من الشارع في رفع القتل عنه، ونسخ الحكم الذي سبق أن ذكره ولم ينفذه.
وقال الإمام الشافعي: هذا (يريد نسخ القتل) مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم، ومثله قَالَ الترمذي وقال جابر بن عبد اللَّه: فرأى المسلمون أن الحد قد وضع، وأن القتل قد ارتفع، واللَّه تعالى أعلم.
قَالَ ابن رسلان: أجمع المسلمون على وجوب الحد على شاربها سواء شرب قليلاً أو كثيراً ولو قطرة واحدة، قَالَ: وأجمعوا على أنه لا يقتل شاربها وإن تكرر.
كيفية إقامة الحد
قَالَ العلماء: حد الشرب أخف من حد الزنا، لأن حد الزنا ثابت بالقرآن الكريم، وحد الشرب ثايت بالسنة. ولأن حد الزنا فيه اعتداء على الغير، وحد الشرب الشرب فيه اعتداء على نفسه، وجناية الزنا أفحش وأكبر خطراً من الشرب وحد الشرب أشد من حد القذف. لأن جريمة الشرب متيقن منها، بلا خلاف جريمة القذف لفإنها تحتمل الصدق والكذب واختلفوا في تجريده من ثيابه عند إقامة الحد عليه.

الأئمة الأربعة - قالوا: يجرد من جميع ثيابه عند إقامة حد الشرب عليه، إلا إزار يستر عورته، كسائر الحدود، لتحقق جريمته، حتى يشعر بالألم، ويحصل اتلمقصود من إقامة الحد وهو الزجر عن إرتكاب مثلها.
الإمام مُحَمَّد بن الحسن - قَالَ: يقام عليه حد الشرب وعليه ثيابه مثل حد القذف، ولا ينزع منه إلا الفرو والحشو، والجلد، وذلك لأن حد الشرب، حد القذف، كما قَالَ الإمام علي كرم اللَّه وجهه. إذا شرب هذا وإذا هذا افترى، وحد المفترين في كتاب اللَّه تعالى ثمانون جلدة.
ما جاء في ضرب شارب الخمر
الشافعية - قالوا: يتعين الضرب بالجريد، أو النعال، أو أطراف الثياب، ويجوز الجمع بين الجريد والنعال. ويجوز أن يضرب بالجريد والنعال، والثياب، والأيدي، ويجوز الضرب بالسوط أيضاً، وذلك لما روي أنس بن مالك رضي اللَّه عنه أن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، متفق عليه. - وعن عقبة بن الحارث رضي اللَّه عنه أن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ أتى بنعيمان، أو بابن نعيمان وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنعال وكنت ممن ضربه رواه البخاري.
وروي عن السائب بن يزيد قَال: (كنا نؤتى بالشارب في عهد رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ، وفي أمرتي أبي بكر وصدراً من امرتي عمر، فنقوم إليه، نضربه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان صدراً من امرة عمر فجلد فيها أربعين حتى عتو فيها وتشفوا، جلد ثمانين) رواه أحمد والبخاري واللفظ له.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (أتي رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ برجل قد شرب فقال أبو هريرة: منا الضارب بيده، والضارب بعله، الضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: اخزاك الله. قال: لا تقول كذلك، لا تعينوا عليه الشيطان، رواه الإمام أحمد والبخاري، وأبو داود.
والمراد بالجريد سعف النخل، والمراد من الضرب بأطراف الثياب، إنما هى بعد أن نفتل حتى تؤلم المضروب.
الحنفية والمالكية - قالوا: وان كانت السنة الضرب بالثياب، والنعال، والجريد، لكن الأفضل الضرب بالسوط. لفعل الصحابة رضوان الله عليهم من غير نكير، والسوط يأتى بالمقصود من الحد وهو الزجر.
وقال بعض التأخرين: انه يتعين الضرب بالسوط للمتمردين، وأطراف الثياب، والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب مايليق بهم.
قَالَ ابن الصلاح: السوط هو المتخذ من المتخذ من جلود سيور تلوى وتلف، سمي بذلك لأنه يسوط اللحم بالدم، أي يخلطه.
واختلفوا في حد الشرب.

الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وأحد قولي الشافعية - قالوا: إنه يجب الحد على السكران ثمانين جلدة.

قالوا: لقيام الإجماع عليه من الصحابة رضوان اللَّه عليهم من غير نكير حين شاورهم سيدنا عمر بن الخطاب في حد الشرب.
فقد أخرج أبو داود، والنسائي (أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: ان الناس قد انهمكوا في الخمر، وتحاقروا العقوبة. قَالَ: وعنده المهاجرون والأنصار، فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين) .

الشافعية في المشهور عنهم - قالوا: إن حد الشرب أربعون، لأنه الذي روي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ فعله، ولأنه الذي استقر عليه الأمر في خلافة أبي بكر رضي اللَّه عنه، ومن تتبع ما في الأحاديث الواردة، واختلاف رواياتها علم أن الأحوط الأربعين سوطاً، ولا يزاد عليه. وأما ما فعله سيدنا عمر من الزيادة إلى الثمانين فهو من باب التعزير لا من الحد. فالحد أربعون، وله أن يعزره إلى ثمانين سوطاً.
ويتولى الضرب الرجال، لأن الجلد من شأن المرأة، والخنثى من المرأة. وإن كان المضروب من ذوي الهيئات يستحب ضربه في الخلوات حتى لا يفضحه، وإن كان من عامة الناس ضرب في الملأ، ولا يحد في المساجد لما روي عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما أنه قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (لا تقام الحدود في المساجد) رواه الترمذي، والحاكم، وأخرجه ابن ماجة، لاحتمال أن يتلوث المسجد من دمه، أو من نجاسة تخرج منه، ويوالي الضرب عليه بحيث يحصل زجر، وخوف وتنكيل، ولا يجوز أن يفرق الضرب في موضع واحد، لما روي البيهقي عن علي كرم اللَّه وجهه أنه قَالَ للجلاد: أعط كل عضو حقه، واتق الوجه والمذاكير.
الشافعية - قالوا: إن تفريق الضرب على الأعضاء واجب، لأن الضرب على موضع واحد يؤلمه، وبالموالاة، قد يؤد إلى الهلاك.
ويتقي المواضع التي يسرع اليها بلضرب كالقلب وثغرة النحر، والفرج ولا يضرب الوجه لقول رَسُول اللَّهِ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) ولأنه مجمع المحاسن، فيعظم أثر شينه، ولا يضرب الرأس، لشوفه كالوجه، وقال بعضهم يجوز أن يضرب الرأس، لما روي ابن شيبة عن أبي بكر رضي اللَّه عنه أنه قَالَ للجلاد: اضرب الرأس، فإن الشيطان في الرأس، ولا يجوز شديد المضروب، بل تترك مطلقة يتقي بها الضرب. ولا يربط ولا يمد ويجلد الرجل قائماً، والمرأة تشد عليها ثيابها، ولا تجرد إلا من الفرو والحشو، وتضرب جالسة ستراً لها.
شرب الخمر عند الضرورة
الحنفية - قالوا: يجوز عند غصة الطعام، أو عند شدة العطش بقدر ما يقع به الي، إذا لم يجد غيرها. ولا يصح التداوي بها، لأن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ نهى عن التداوي بها فقال: (أنها ليست بدواء، ولكنها داء) وقال صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم) .

أما شرب الخمر لشدة العطش لعدم وجود الماء، أو لزوال شرق الطعام، ففيه بقاء الروح وهو واجب على المسلم، فمن خاف على نفسه الهلاك من العطش، بأن كان في صحراء قاحلة، أو على ظهر سفينة في البحار والمحيطات المالحة، ولم يجد ما ينقذ به حياته إلا الخمر، فيجوز له أن يشرب منها ما يأمن به من الموت، لأن اللَّه تعالى أباح للمضطر أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر مثهلا في التحريم، فتكون مثلها في الإباحة عند الاضطرار، فإذا أمن على نفسه، زالت الضرورة، وهو خوف الهلاك، عاد التحريم لما روي عن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (إن اللَّه أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام) رواه أحمد ومسلم.
المالكية، والشافعية في إحدى رواياتهم، والحنايلة - قالوا: يجب شرب الخمر لزوال هلاك النفس في حالة شرق الطعام، ويجوز التداوي به إذا لم يوجد غيره للمريض، بشرط إخبار طبيب مسلم عدل موثوق بقوله أو معرفته للتداوي به، كالتداوي بنجس كلحم ميتة، أو بول آدمي.
الشافعية في رواية أخرى - قالوا: الأصح تحريم تناول الخمر لمكلف - لدواء، أو عطش، أما تحريم الدواء بها، فلأنه صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ لما شئل عن التداوي بها قَالَ: (إنه ليس بدواء ولكنه داء) والمعنى أن اللَّه تعالى قد سلب الخمر منافعها عندما خرمها، فقد روي أن الْنَّبِيّ صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ قَالَ: (إن اللَّه لما حرم الخمرة سلبها المنافع) ولأن تحريمها مقطوع به، وحصول الشفاء بها مظنون، فلا يقوى على إزالة المقطوع به، وذلك إذا لم ينته الأمر به إلى الهلاك. أما إذا وصل الأمر إلى الهلاك فيجوز. وأما تحريمها للعطش عند الضرورة، فلأنها لا تزيله، بل تزيده، لأن طبعها حار يابس، كما قَالَ أهل الطب ولهذا يحرص شارب الخمر على الماء البارد، وقيل: يجوز التداوي بها دون شربها، وشربها لدفع الجوع كشربها لدفع العطش، ومثله من تأثر من البرد وكاد يهلك، ولم يجد ما يدفع به الهلاك سوى جرعة أو كوب من خمر، وكذلك من أصابته نوبة ألم في قلبه كادت تقضي على عليه وقد علم أنه لا يدفع عنه الخطر سوى شرب مقدار من الخمر.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.15 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]