عرض مشاركة واحدة
  #280  
قديم 13-10-2022, 11:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,274
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1749 الى صـ 1756
الحلقة (280)




ثم أجدهم مع ذلك يجعلون كلام الله معنى قائما بالذات، بلا حرف ولا صوت، ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم.

وممن ذهب إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة، مثل بعض فقهاء الأشعرية الشافعيين؛ لأني على مذهب الشافعي - رحمه الله تعالى - عرفت فرائض ديني وأحكامه، فأجد مثل هؤلاء الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال، وهم شيوخي، ولي فيهم الاعتقاد التام؛ لعلمهم وفضلهم، ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها، وأجد الكدر والظلمة منها، وأجد ضيق الصدر، وعدم انشراحه مقرونا بها، فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره، المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره، وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول؛ مخافة الحصر والتشبيه.

ومع ذلك فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني، وأجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد صرح بها، مخبرا عن ربه، واصفا له بها، ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص ويؤولها كما تأولها هؤلاء الفقهاء المتكلمون.

ثم قال: والذين أولوا ما أولوا هو أنهم ما فهموا في صفات الرب إلا ما يليق بالمخلوقين، فلذلك حرفوا الكلم عن مواضعه، وعطلوا ما وصف الحق به نفسه، ولو علموا أن هذه الصفات هي كلها ثابتة له - كما يليق بجلاله وعظمته، لا على ما نعقل من صفات المخلوقين - لسلموا من التشبيه والتأويل المؤدي إلى التعطيل.

ثم قال: ومسألة الحرف والصوت تساق هذا المساق؛ فإن الله تعالى قد تكلم بالقرآن المجيد بجميع حروفه، فقال تعالى: المص [الأعراف: 1] وقال: ق والقرآن المجيد [ق: 1]، وكذلك [ ص: 1750 ] جاء في الحديث: فينادي يوم القيامة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب.

وفي الحديث: لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف .

فهؤلاء ما فهموا [ ص: 1751 ] من كلام الله إلا ما فهموه من كلام المخلوقين، قالوا: إذا قلنا بالحرف فإن ذلك يؤدي إلى القول بالجوارح واللهوات، وكذلك إذا قلنا بالصوت أدى ذلك إلى الحلق والحنجرة، فعملوا بهذا من التخبيط كما عملوا فيما تقدم من الصفات.

والتحقيق هو أن الله تعالى تكلم بالحروف كما يليق بجلاله وعظمته فإنه قادر، والقادر لا يحتاج إلى جوارح ولا إلى لهوات، وكذلك له صوت يليق به يسمع، ولا يفتقر ذلك الصوت المقدس إلى الحلق والخنجرة، فكلام الله كما يليق به، وصوته كما يليق به، ولا ننفي الحرف والصوت عن كلامه سبحانه؛ لافتقارهما منا إلى الجوارح واللهوات، فإنهما في جناب الحق لا يفتقران إلى ذلك، وهذا ينشرح الصدر له، ويستريح الإنسان به من التعسف والتكلف بقوله: هذا عبارة عن ذلك.

فإن قيل: هذا الذي يقرؤه القارئ هو عين قراءة الله وعين تكلمه هو؟ قلنا: لا، بل القارئ يؤدي كلام الله، والكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدئا، لا إلى من قاله مؤديا مبلغا.

ولفظ القارئ في غير القرآن مخلوق، وفي القرآن لا يتميز اللفظ المؤدي عن الكلام المؤدى عنه، ولهذا منع السلف من قول: (لفظي بالقرآن مخلوق) لأنه لا يتميز، كما منعوا عن قول: (لفظي بالقرآن غير مخلوق) فإن لفظ العبد في غير التلاوة مخلوق وفي التلاوة مسكوت عنه؛ كيلا يؤدي الكلام في ذلك إلى القول بخلق القرآن. وما أمر السلف بالسكوت عنه يجب السكوت عنه، والله الموفق والمعين.
تنبيه:

قال في "العناية": القراءة المشهورة في الآية رفع الجلالة الشريفة، وقرئ بنصبها في الشواذ. انتهى.

قال الحافظ ابن كثير : روى الحافظ أبو بكر بن مردويه أن رجلا جاء إلى أبي بكر بن عياش ، فقال: سمعت رجلا يقرأ: (وكلم الله موسى تكليما) فقال أبو بكر : ما قرأ هذا إلا كافر. قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى بن وثاب ، وقرأ يحيى بن وثاب على [ ص: 1752 ] أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي على علي بن أبي طالب ، وقرأ علي بن أبي طالب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وكلم الله موسى تكليما

وإنما اشتد غضب أبي بكر بن عياش - رحمه الله - على من قرأ كذلك؛ لأنه حرف لفظ القرآن ومعناه، وكان هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون الله كلم موسى - عليه السلام - أو يكلم أحدا من خلقه، كما رويناه عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ: (وكلم الله موسى تكليما) فقال له: يا ابن الخنا! كيف تصنع بقوله تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [الأعراف: 143] يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.
القول في تأويل قوله تعالى:

رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما [165]

رسلا أي: كل هؤلاء النبيين أرسلناهم رسلا مبشرين بالجنة لمن آمن ومنذرين من النار لمن كفر لئلا لكيلا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة أي: معذرة يعتذرون بها قائلين: لولا أرسلت إلينا رسولا فيبين لنا شرائعك، ويعلمنا ما لم نكن نعلم من أحكامك؛ لقصور القوة البشرية عن إدراك جزئيات المصالح، وعجز أكثر الناس عن إدراك كلياتها، كما في قوله عز وجل: ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك [طه: 134] الآية.

وإنما سميت حجة [ ص: 1753 ] مع استحالة أن يكون لأحد عليه سبحانه حجة في فعل من أفعاله، بل له أن يفعل ما يشاء كما يشاء - للتنبيه على أن المعذرة في القبول عنده تعالى - بمقتضى كرمه ورحمته لعباده - بمنزلة الحجة القاطعة التي لا مرد لها، ولذلك قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] أفاده أبو السعود .

وفي الصحيحين عن المغيرة: لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المرسلين مبشرين ومنذرين .

وقوله تعالى: بعد الرسل أي: بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب [ ص: 1754 ] متعلق بـ(حجة) أو بمحذوف وقع صفة لها، وفيه دليل على أن الله تعالى لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل، كما قال تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [الإسراء: 15] وفيه دليل لمذهب أهل السنة على أن معرفة الله تعالى لا تثبت إلا بالسمع.

وكان الله عزيزا يعني في انتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله: حكيما في بعث الرسل للإنذار.
تنبيه:

أشارت الآية إلى بيان حاجة البشر إلى إرسال الرسل ، وإلى وظيفتهم - عليهم السلام - قال العلامة السيد محمد عبده، مفتي مصر في "رسالة التوحيد" في هذا المبحث: أفليس من حكمة الصانع الحكيم الذي أقام أمر الإنسان على قاعدة الإرشاد والتعليم، الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، علمه الكلام للتفاهم والكتاب للتراسل - أن يجعل من مراتب الأنفس البشرية مرتبة يعد لها - بمحض فضله - بعض من يصطفيه من خلقه؟ وهو أعلم حيث يجعل رسالته، يميزهم بالفطر السليمة ويبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيرهم انكشافه لهم لفاضت له نفسه أو ذهبت بعقله جلالته وعظمه، فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العاملين، نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها، ثم يتلقون من أمره عن جلاله، وما خفي على العقول من شؤون حضرته الرفيعة بما يشاء أن يعتقده العباد فيه، وما قدر أن يكون له مدخل في سعادتهم الأخروية، وأن يبينوا للناس من أحوال الآخرة ما لا بد لهم من علمه، معبرين عنه بما تحتمله طاقة عقولهم، ولا يبعد عن متناول أفهامهم، وأن يبلغوا عنه شرائع عامة، تحدد لهم سيرهم في تقويم نفوسهم، وكبح شهواتهم، وتعلمهم من الأعمال ما هو مناط سعادتهم وشقائهم، في ذلك [ ص: 1755 ] الكون المغيب عن مشاعرهم بتفصيله، اللاصق علمه بأعماق ضمائرهم في إجماله، ويدخل في ذلك جميع الأحكام المتعلقة بكليات الأعمال ظاهرة وباطنة، ثم يؤيدهم بما لا تبلغه قوى البشر من الآيات، حتى تقوم بهم الحجة ويتم الإقناع بصدق الرسالة، فيكونون بذلك رسلا من لدنه إلى خلقه، مبشرين ومنذرين.

لا ريب أن الذي أحسن كل شيء خلقه، وأبدع في كل كائن صنعه، وجاد على كل حي بما إليه حاجته، ولم يحرم من رحمته حقيرا ولا جليلا من خلقه - يكون من رأفته بالنوع الذي أجاد صنعه، وأقام له من قبول العلم ما يقوم مقام المواهب التي اختص بها غيره - أن ينقذه من حيرته، ويخلصه من التخبط في أهم حياتيه، والضلال في أفضل حاليه.

يقول قائل: ولم لم يودع في الغرائز ما تحتاج إليه من العلم؟ ولم يضع فيها الانقياد إلى العمل؟ وسلوك الطريق المؤدية إلى الغاية في الحياة الآخرة؟ وما هذا النحو من عجائب الرحمة في الهداية والتعليم؟ وهو قول يصدر عن شطط العقل، والغفلة عن موضوع البحث وهو النوع الإنساني، ذلك النوع، على ما به، وما دخل في تقويم جوهره من الروح المفكر، وما اقتضاه ذلك من الاختلاف في مراتب الاستعداد باختلاف أفراده، وأن لا يكون كل فرد منه مستعدا لكل حال بطبعه، وأن يكون وضع وجوده على عماد البحث والاستدلال، فلو ألهم حاجاته كما تلهم الحيوانات لم يكن هو ذلك النوع، بل كان إما حيوانا آخر كالنحل والنمل، أو ملكا من الملائكة، ليس من سكان هذه الأرض.

ثم قال: إن كان الإنسان قد فطر على أن يعيش في جملة، ولم يمنح مع تلك الفطرة ما منحه النحل وبعض أفراد النمل - مثلا - من الإلهام الهادي إلى ما يلزم لذلك، وإنما ترك إلى فكره يتصرف فيه، كما فطر على الشعور بقاهر تنساق نفسه بالرغم عنها إلى معرفته، ولم يفض عليه - مع ذلك الشعور - عرفانه بذات ذلك القاهر ولا صفاته، وإنما ألقي به في مطارح النظر تحمله الأفكار في مجاريها، وترمي به إلى حيث يدري ولا يدري، وفي كل ذلك الويل على جامعته، [ ص: 1756 ] والخطر على وجوده، أفهل مني هذا النوع بالنقص، ورزئ بالقصور عن مثل ما بلغه أضعف الحيوانات وأحطها في منازل الوجود؟ نعم، هو كذلك، لولا ما أتاه الصانع الحكيم من ناحية ضعفه.

الإنسان عجيب في شأنه: يصعد بقوة عقله إلى أعلى مراتب الملكوت، ويطاول بفكره أرفع معالم الجبروت، ويسامي بقوته ما يعظم عن أن يسامى من قوى الكون الأعظم، ثم يصغر ويتضاءل وينحط إلى أدنى درك من الاستكانة والخضوع متى عرض له أمر ما، لم يعرف سببه ولم يدرك منشأه، ذلك لسر عرفه المستبصرون، واستشعرته نفوس الناس أجمعين.

من ذلك الضعف قيد إلى هواه، ومن تلك الضعة أخذ بيده إلى شرف سعادته، أكمل الواهب الجواد لجملته ما اقتضته حكمته في تخصيص نوعه، بما يميزه عن غيره أن ينقص من أفراده، وكما جاد على كل شخص بالعقل المصرف للحواس؛ لينظر في طلب اللقمة، وستر العورة، والتوقي من الحر والبرد - جاد على الجملة بما هو أمس بالحاجة في البقاء، وآثر في الوقاية من غوائل الشقاء، وأحفظ لنظام الاجتماع الذي هو عماد كونه بالإجماع، من عليه بالنائب الحقيقي عن المحبة، بل الراجع بها إلى النفوس التي أقفرت منها، لم يخالف سنته فيه، من بناء كونه على قاعدة التعليم والإرشاد، غير أنه أتاه مع ذلك من أضعف الجهات فيه، وهي جهة الخضوع والاستكانة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.24 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.46%)]