عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 13-10-2022, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,796
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1733 الى صـ 1740
الحلقة (278)




[ ص: 1733 ] واعتقدوا أنهم بهذا يردون على الفلاسفة ويثبتون حدوث العالم، وأخطأوا في ذلك، فلا للإسلام نصروا ولا للفلاسفة كسروا، وادعوا أن الرب لم يكن قادرا في الأزل على كلام يتكلم به، ولا فعل يفعله، وأنه صار قادرا بعد أن لم يكن قادرا، بغير أمر حدث، أو يغيرون العبارة فيقولون: لم يزل قادرا، لكن يقولون: إن المقدور كان ممتنعا، وإن الفعل صار ممكنا له، بعد أن صار ممتنعا عليه، من غير تجدد شيء، وقد يعبرون عن ذلك بأن يقولوا: كان قادرا في الأزل على ما يمكن، فيما لا يزال على ما لا يمكن في الأزل، فيجمعون بين النقيضين؛ حيث يثبتونه قادرا في حال كون المقدور عليه ممتنعا عندهم، ولم يفرقوا بين نوع الكلام والفعل، وبين عينيه كما لم يفرق الفلاسفة بين هذا وهذا، بل الفلاسفة ادعوا أن مفعوله المعين قديم بقدمه، فضلوا في ذلك وخالفوا صريح المعقول وصحيح المنقول.

فإن الأدلة لا تدل على قدم شيء بعينه من العالم، بل تدل على أن ما سوى الله مخلوق حادث، بعد أن لم يكن، إذ هو فاعل بقدرته ومشيئته، كما تدل على ذلك الدلائل القطعية، والفاعل بمشيئته لا يكون شيء من مفعوله لازما، بصريح العقل واتفاق عامة العقلاء، بل وكل فاعل لا يكون شيء من مفعوله لازما لذاته، ولا يتصور مقارنة مفعوله المعين له، ولو قدر أنه فاعل بغير إرادة، فكيف بالفاعل بالإرادة؟! وما يذكر بأن المعلول يقارن علته إنما يصح فيما كان من العلل يجري مجرى الشروط، فإن الشرط لا يجب أن يتقدم على المشروط، بل قد يقارنه، كما تقارن الحياة العلم، وأما ما كان فاعلا - سواء سمي علة أو لم يسم - فلا بد أن يتقدم على الفعل المعين. والفعل المعين لا يجوز أن يقارنه شيء من مفعولاته، ولا يعرف العقلاء فاعلا قط يلتزمه مفعول معين. وقول القائل (حركت يدي فتحرك الخاتم) هو من باب الشروط لا من باب الفاعلين.

ولأنه لو كان العالم قديما لكان فاعله موجبا بذاته في الأزل، ولم يتأخر عنه موجبه ومقتضاه، ولو كان كذلك لم يحدث شيئا من الحوادث، وهذا خلاف المشاهدة، وإن كان هو سبحانه لم يزل قادرا على الكلام والفعل، بل لم يزل متكلما [ ص: 1734 ] إذا شاء، فاعلا لما يشاء، ولم يزل موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال والإكرام، والعالم فيه من الإحكام والإتقان ما دل على علم الرب، وفيه من الاختصاص ما دل على مشيئته، وفيه من الإحسان ما دل على رحمته، وفيه من العواقب الحميدة ما دل على حكمته، وفيه من الحوادث ما دل على قدرة الرب تعالى، مع أن الرب مستحق لصفات الكمال لذاته - فإنه مستحق لكل كمال ممكن للوجود، لا نقص فيه، منزه عن كل نقص، وهو سبحانه ليس له كفؤ في شيء من أموره، فهو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل، منزه فيها عن التشبيه والتمثيل، ومنزه عن النقائص مطلقا، فإن وصفه بها من أعظم الأباطيل، وكماله من لوازم ذاته المقدسة، لا يستفيده من غيره، بل هو المنعم على خلقه بالخلق والإنشاء، وما جعله فيهم من صفات الأحياء، وخالق صفات الكمال أحق بها من لا كفؤ له فيها.

وأصل اضطراب الناس في مسألة كلام الله أن الجهمية والمعتزلة لما ناظرت الفلاسفة في مسألة حدوث العالم - اعتقدوا أن ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة لا يكون إلا حادثا؛ بناء على أن ما لا يتناهى لا يمكن وجوده، والتزموا أن الرب كان في الأزل غير قادر على الفعل والكلام، بل كان ذلك ممتنعا عليه، وكان معطلا عن ذلك، وقد يعبرون عن ذلك بأنه كان قادرا في الأزل على الفعل فيما لا يزال، مع امتناع الفعل عليه في الأزل، فيجمعون بين النقيضين؛ حيث يصفونه بالقدرة في حال امتناع المقدور لذاته. إذ كان الفعل يستلزم أن يكون له أولا، والأزل لا أول له، والجمع بين إثبات الأولية ونفيها جمع بين النقيضين، ولم يهتدوا إلى الفرق بين ما يستلزم الأولية والحدوث وهو الفعل المعين والمفعول المعين، وبين ما لا يستلزم ذلك وهو نوع الفعل والكلام، بل هذا يكون دائما، وإن كان كل من آحاده حادثا كما يكون دائما في المستقبل، وإن كان كل من آحاده فانيا بخلاف خالق يلزمه مخلوقه المعين دائما، فإن هذا هو الباطل في صريح العقل وصحيح النقل، ولهذا اتفقت فطر العقلاء على إنكار ذلك، لم ينازع فيه إلا شرذمة من المتفلسفة، كابن سينا [ ص: 1735 ] وأمثاله الذين زعموا أن الممكن المفعول قد يكون قديما واجب الوجود بغيره، فخالفوا في ذلك جماهير العقلاء، مع مخالفتهم لسلفهم، أرسطو وأتباعه، فإنهم لم يكونوا يقولون ذلك، وإن قالوا بقدم الأفلاك، وأرسطو أول من قال بقدمها من الفلاسفة المشائين؛ بناء على إثبات علة غاية لحركة الفلك، بتحرك الفلك للنسبة بها، لم يثبتوا له فاعلا مبتدعا، ولم يثبتوا ممكنا قديما واجبا بغيره.

وهم - وإن كانوا أجهل بالله وأكفر من متأخريهم - فهم يسلمون لجمهور العقلاء أن ما كان ممكنا بذاته فلا يكون إلا محدثا مسبوقا بالعدم، فاحتاجوا أن يقولوا: كلامه مخلوق منفصل عنه.

وطائفة وافقتهم على امتناع وجود ما لا نهاية له، لكن قالوا: تقوم به الأمور الاختيارية، فقالوا: إنه في الأزل لم يكن متكلما، بل ولا كان الكلام مقدورا له، ثم صار متكلما بلا حدوث حادث، بكلام يقوم به، وهو قول الهاشمية والكرامية وغيرهم.

وطائفة قالت: إذا كان القرآن غير مخلوق فلا يكون إلا قديم العين، لازما لذات الرب، فلا يتكلم بمشيئته وقدرته، ثم منهم من قال: هو معنى واحد لا يتعدد ولا يتبعض، ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات مقترنة لازمة للذات، وهؤلاء أيضا وافقوا الجهمية والمعتزلة في أصل قولهم أنه متكلم بكلام لا يقوم بنفسه ومشيئته وقدرته، وأنه لا تقوم به الأمور الاختيارية، وأنه لم يستو على عرشه بعد أن خلق السماوات والأرض، ولن يأتي يوم القيامة، ولم يناد موسى حين ناداه، ولا تغضبه المعاصي ولا ترضيه الطاعات، ولا تفرحه توبة التائبين، وقالوا في قوله: وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون [التوبة: 105] ونحو ذلك: أنه لا يراها إذا وجدت، بل إما أنه لم يزل رائيا لها، وإما أنه لم يتجدد شيء موجود، بل تعلق معدوم.

إلى أمثال هذه المقالات التي خالفوا فيها نصوص الكتاب والسنة، مع مخالفة صريح العقل، والذي ألجأهم لذلك موافقتهم للجهمية على أصل قولهم: في أنه سبحانه [ ص: 1736 ] لا يقدر في الأزل على الفعل والكلام، وخالفوا السلف والأئمة في قولهم: لم يزل الله متكلما إذا شاء، ثم افترقوا أحزابا أربعة كما تقدم: الخلقية، والحدوثية، والاتحادية والاقترانية.

وشر من هؤلاء الصائبة والفلاسفة الذين يقولون: إن الله لم يتكلم لا بكلام قائم بذاته، ولا بكلام يتكلم به بمشيئته وقدرته، لا قديم النوع ولا قديم العين، ولا حادث ولا مخلوق، بل كلامه عندهم ما يفيض على نفوس الأنبياء، ويقولون: إنه كلم موسى من سماء عقله.

وقد يقولون: إنه تعالى يعلم الكليات دون الجزئيات، فإنه إنما يعلمها على وجه كلي، ويقولون - مع ذلك -: إنه يعلم نفسه ويعلم ما يفعله، وقولهم: (يعلم نفسه ومفعولاته) حق، كما قال تعالى: ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [الملك: 14] لكن قولهم مع ذلك: (إنه لا يعلم الأعيان المعينة) جهل وتناقض، فإن نفسه المقدسة معينة، والأفلاك معينة، وكل موجود معين، فإن لم يعلم المعينات لم يعلم شيئا من الموجودات، إذ الكليات إنما تكون كليات في الأذهان لا في الأعيان، فمن لم يعلم إلا الكليات لم يعلم شيئا من الموجودات، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

وهم إنما ألجأهم إلى هذا الإلحاد فرارهم من تجدد الأحوال للباري تعالى، إن هؤلاء يقولون: إن الحوادث تقوم بالقديم، وإن الحوادث لا أول لها، لكن نفوا ذلك عن الباري؛ لاعتقادهم أنه لا صفة له، بل هو وجود مطلق، وقالوا: إن العلم نفس عين العالم، والقدرة نفس عين القادر، والعلم والعالم شيء واحد، والمريد والإرادة شيء واحد، فجعلوا هذه الصفة هي الأخرى، وجعلوا الصفات هي الموصوف.

ومنهم من يقول: بل العلم كل المعلوم، كما يقوله الطوسي صاحب "شرح الإشارات" فإنه أنكر على ابن سينا إثباته لعلمه بنفسه وما يصدر عن نفسه، وابن سينا أقرب إلى الصواب، لكنه تناقض مع ذلك؛ حيث نفى قيام الصفات به، وجعل الصفة عين الموصوف، وكل صفة هي الأخرى، ولهذا كان هؤلاء هم أوغل في الاتحاد والإلحاد ممن يقول: معاني الكلام شيء واحد.

لكنهم [ ص: 1737 ] ألزموا قولهم لأولئك فقالوا: إذا جاز أن تكون المعاني المتعددة شيئا واحدا جاز أن يكون العلم هو القدرة، والقدرة على الإرادة، فاعترف حذاق أولئك بأن هذا الإلزام لا جواب عنه، ثم قالوا: وإذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى جاز أن تكون الصفة هي الموصوف.

فجاء ابن عربي وابن سبعين والقونوي ونحوهم فقالوا: إذا جاز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، والصفة هي الموصوف - جاز أن يكون الموجود الواجب القديم الخالق هو الموجود الممكن المحدث المخلوق.

فقالوا: إن وجود كل مخلوق هو عين وجود الخالق، وقالوا: الوجود واحد، ولم يفرقوا بين الواحد بالنوع والواحد بالعين، كما لم يفرق أولئك بين الكلام الواحد بالعين والكلام الواحد بالنوع، وكان منتهى أمر أهل الإلحاد في الكلام إلى هذا التعطيل والكفر والاتحاد، الذي قاله أهل الوحدة والحلول والاتحاد في الخالق والمخلوقات، كما أن الذين لم يفرقوا بين نوع الكلام وعينه، وقالوا: هو يتكلم بحرف وصوت قديم - قالوا أولا: إنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا تسبق الباء السين، بل لما نادى موسى فقال: إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني إني أنا الله رب العالمين كانت الهمزة والنون وما بينهما موجودا في الأزل، يقارن بعضها بعضا، لم تزل ولا تزال لازمة لذات الله. ثم قال فريق منهم: إن ذلك القديم هو نفس الأصوات المسموعة من القراء.

وقال بعضهم: بل المسموع صوتان: قديم ومحدث. وقال بعضهم: أشكال المداد قديمة أزلية. وقال بعضهم: محل المداد قديم أزلي. وحكي عن بعضهم أنه قال: المداد قديم أزلي.

وأكثرهم يتكلمون بلفظ القديم، ولا يفهمون معناه، بل منهم من يظن أنه قديم في علمه، ومنهم من يظن أن معناه متقدم على غيره، ومنهم من يظن أن معنى اللفظ أنه غير مخلوق، ومنهم من لا يميز بين ما يقول، فصار هؤلاء حلولية اتحادية في الصفات. ومنهم من يقول بالحلول والاتحاد في الذات والصفات، وكان منتهى أمر هؤلاء وهؤلاء إلى التعطيل.

والصواب في هذا الباب وغيره مذهب سلف الأمة وأئمتها: أنه [ ص: 1738 ] سبحانه لم يزل متكلما إذا شاء، وأنه يتكلم بمشيئته وقدرته، وأن كلماته لا نهاية لها، وأنه نادى موسى بصوت سمعه موسى، وإنما ناداه حين أتى، لم يناده قبل ذلك، وأن صوت الرب لا يماثل أصوات العباد، كما أن علمه لا يماثل علمهم، وقدرته لا تماثل قدرتهم، وأنه سبحانه بائن عن مخلوقاته بذاته وصفاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته وصفاته القائمة بذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن أقوال أهل التعطيل والاتحاد الذين عطلوا الذات أو الصفات أو الكلام أو الأفعال - باطلة، وأقوال أهل الحلول الذين يقولون بالحلول في الذات والصفات – باطلة.

وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد بسطناها في "الواجب الكبير" والله أعلم بالصواب.

(وقال تقي الدين أيضا في مقالة له في هذا البحث): أول من أظهر إنكار التكليم والمخالة الجعد بن درهم في أوائل المائة الثانية، وأمر علماء الإسلام كالحسن البصري وغيره بقتله، فضحى به خالد بن عبد الله القسري ، أمير العراق بواسط، فقال: أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم ، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا، ثم نزل فذبحه.

وأخذ ذلك عنه الجهم بن صفوان، فأنكر أن يكون الله يتكلم، ثم نافق المسلمين فأقر بلفظ الكلام، وقال: كلامه يخلق في محل كالهواء وورق الشجر، ودخل بعض أهل الكلام أو الجدل - من المنتسبين إلى الإسلام من المعتزلة ونحوهم - في بعض مقالة الصابئة والمشركين، متابعة للجعد والجهم.

وكان مبدأ ذلك أن الصابئة في الخلق على قولين: منهم من يقول: إن السماوات مخلوقة بعد أن لم تكن، كما أخبرت بذلك الرسل وكتب الله تعالى. ومنهم من ابتدع فقال: بل هي قديمة أزلية، لم تزل موجودة بوجود الأول واجب الوجود بنفسه، ومنهم من قد ينكر الصانع بالكلية، ولهم مقالات كثيرة الاضطراب في الخلق والبعث والمبدأ والمعاد؛ لأنهم لم يكونوا معتصمين بحبل من الله تعالى [ ص: 1739 ] يجمعهم، والظنون لا تجمع الناس في مثل هذه الأمور، التي تعجز الآراء عن درك حقائقها إلا بوحي من الله تعالى.

وهم إنما يناظر بعضهم بعضا بالقياس المأخوذ مقدماته من الأمور الطبيعية السفلية، وقوى الطبائع الموجودة في التراب والماء والهواء والحيوان والمعدن والنبات، ويريدون بهذه المقدمات السفلية أن ينالوا معرفة الله، وعلم ما فوق السماوات، أول الأمر وآخره، وهذا غلط بين، اعترف أساطينهم بأن هذا غير ممكن، وأنهم لا سبيل لهم إلى إدراك اليقين، وأنهم إن يتبعون إلا الظن.

فلما كان حال هذه الصائبة المبتدعة الضالة ومن أضلوه من اليهود والنصارى، وكان قد اتصل كلامهم ببعض من لم يهتد بهدى الله الذي بعث به رسله من أهل الكلام والجدل - صاروا يريدون أن يأخذوا مآخذهم، كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: لتأخذن مأخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا: يا رسول الله! فارس والروم؟ قال: ومن الناس إلا فارس والروم؟

فاحتجوا على حدوث العالم بنحو من مسالك هذه الصابئة، وهو الكلام في الأجسام والأعراض، بأن تثبت الأعراض، ثم يثبت لزومها للأجسام، ثم حدوثها، ثم يقال: ما لا يسبق الحوادث فهو حادث، واعتمد كثير من أهل الجدل على هذا في إثبات حدوث العالم. فلما رأوا أن الأعراض التي هي الصفات تدل عندهم على حدوث الموصوف الحامل للأعراض - التزموا نفيها عن الله؛ لأن ثبوتها مستلزم حدوثه، وبطلان دليل حدوث العالم الذي اعتقدوا أن لا دليل سواه، بل ربما اعتقدوا أنه لا يصح إيمان أحد إلا به - [ ص: 1740 ] معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهؤلاء يخالفون الصابئة الفلاسفة الذين يقولون بقدم العالم، وبأن النبوة كمال يفيض على نفس النبي؛ لأن هؤلاء المتكلمين أكثر حقا وأتبع للأدلة العقلية والسمعية؛ لما تنورت به قلوبهم من نور الإسلام والقرآن، وإن كانوا قد ضلوا في كثير مما جاء به الرسل، لكن هم خير من أولئك من وجوه أخرى وافقوا فيها، فوافقوا أولئك على أن الله لم يتكلم.

كما وافقوهم على أنه لا علم له ولا قدرة ولا صفة من الصفات، ورأوا أن إثباته متكلما يقتضي أن يكون جسما، والجسم حادث؛ لأنه من الصفات الدالة على حدوث الموصوف، بل هو عندهم أدل على حدوث المتكلم من غيره؛ لأنه يفتقر من المخارج إلى ما لا يفتقر إليه غيره، ولأن فيه من الترتيب والتقديم والتأخير ما ليس في غيره، ولما رأوا أن الرسل اتفقت على أنه متكلم، والقرآن مملوء من إثبات ذلك - صاروا تارة يقولون: متكلم مجازا لا حقيقة، وهذا قولهم الأول لما كانوا في بدعتهم على الفطرة، قبل أن يدخلوا في المعاندة والجحود، ثم إنهم رأوا هذا شنيعا فقالوا: بل هو متكلم حقيقة.

وربما حكى بعض متكلميهم الإجماع، وليس عندهم كذلك، بل حقيقة قولهم وأصله عند من عرفه وابتدعه: إن الله ليس بمتكلم، وقالوا: المتكلم من فعل الكلام، ولو في محل منفصل عنه، ففسروا المتكلم في اللغة بمعنى لا يعرف في لغة العرب ولا غيرهم، لا حقيقة ولا مجازا، وهذا قول من يقول: القرآن مخلوق. وهو أحد قولي الصابئة الذين يوافقون الرسل في حدوث العالم، وهو وإن كفر بما جاءت به الرسل فليس هو في الكفر مثل القول الأول، لأن هؤلاء لا يقولون: إن الله أراد أن يبعث رسولا معينا، وأن ينزل عليه هذا الكلام الذي خلقه، وأنكروا أن يكون متكلما على الوجه الذي دلت عليه الكتب الإلهية، واتفقت عليه أهل الفطرة السليمة.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]