عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 06-10-2022, 11:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,307
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ابن هرمة آخر الحجج

ابن هرمة آخر الحجج
د. عمرو سعد عواد قطب



وقد حظي ابن هرمة بما لم يحظ به كثيرٌ من معاصريه، وجعلوا شعره حُجَّة دونهم، لا لاعتبار زمانيٍّ فحسب؛ وإنما قد صنِّف في طبقةٍ مجمعٍ على الاحتجاج بها؛ فالشعر الذي يحتجُّ به في اللغة والنحو والصرف قسَّمه العلماء على طبقات أربع[23]: الطبقة الأولى: الشعراء الجاهليون، والثانية: المخضرمون الذين أدرَكوا الجاهلية والإسلام كلَبِيدٍ وحسَّان، والثالثة: المتقدِّمون، ويقال لهم: الإسلاميون، وهم الذين كانوا في صدر الإسلام كجرير والفرزدق، والرابعة: المولَّدون، وهم من بعدهم.


فالطبقتان الأوليان يستشهد بشعرهما إجماعًا، وأمَّا الثالثة، فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها، وقد كان أبو عمرو بن العلاء وعبدالله بن أبي إسحاق والحسن البصري وعبدالله بن شبرمة يلحِّنون الفرزدق والكميت وذا الرمَّة وأضرابهم ويعدُّونهم من المولَّدين، وكان أبو عمرو يقول: "لقد أحسَنَ هذا المولَّدُ؛ حتى لقد هممت أن آمُرَ صبياننا برواية شعره"[24]، يعني بذلك شعر جرير والفرزدق، فجعله مولَّدًا بالإضافة إلى شعر الجاهلية والمخضرمين، وكان لا يعد الشعر إلا ما كان للمتقدِّمين؛ قال الأصمعي: جلست إليه عشر حِجَج، فما سمعته يحتجُّ ببيت إسلاميٍّ[25].

والأصمعي على الطريقة نفسِها لا يحتجُّ بشيء من شعر المولَّدين، ولو اقتصر الأمر على ما نقل عن أبي عمرو من عدم الاحتجاج بالشعر الإسلاميِّ، فهو لا يكفي وحده في القطع بأنه يرى بطلان الاحتجاج به؛ لأن ترك الاحتجاج بالدليل لا يلزم منه القولُ ببطلانه، فقد يكون ترك الاحتجاج بشعرهم اكتفاء بما لديه من الشواهد الجاهلية، وهي أقوى بلا مراء، وقد سئل أبو عمرو عن المولدين فقال: "ما كان من حسن فقد سُبِقوا إليه، وما كان من قبيح فهو من عندهم"[26]، وهذا يعني أن ما كان لديهم من حُجَّة، ففي أشعار الجاهلية ما يغني عنها، وحصيلته من أشعار الجاهلية تكفيه في هذا المقام، ولو ابتكروا شيئًا جديدًا لم يكن موجودًا، فهو ليس من كلام العرب، وكان محصولهم من كلام الجاهليين أكبر من أن يلتفتوا إلى غيره؛ روى الخطيب عن أحمد بن يحيى: "سمعت ابن الأعرابيِّ يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعته من ألف أعرابيٍّ خلاف ما قاله الأصمعي"[27]!


لكن وُجد في كلامهم ما يقطع بإبطالهم الاحتجاج بأشعار المولدين مطلقًا؛ فقد كان الأصمعيُّ يمنع أن يقال: (أرعد) و(أبرق)، فلما ذكر له قول الكميت:
أرعِدْ وأَبْرِق يا يَزِيـ ♦♦♦ دُ فَمَا وَعِيدُكَ لِي بضائِرْ[28]


قال: "الكميت ليس بحُجَّة"[29]، وأَلْحقَه بالمحدَثين لتأخُّر زمانه، وروى ابن سيده أن أبا حاتم ألزم الأصمعي الحُجَّة في ذلك، وكذا نازعه السهيلي، وأثبت خلاف قوله، وفعل الأصمعي ذلك أيضًا بذي الرمَّة حين احتجَّ عليه بقوله:
أذو زوجةٍ بالمِصْرِ أَمْ ذُو قرابةٍ ♦♦♦ أَرَاك لَهَا بالبصرة العام ثاويا[30]


فأبى أن يقول: (زوجة) بهاء التأنيت، وقال: "طالما أكل ذو الرمة الزيت في حوانيت البقالين!"[31]، وأوردها المرزباني بلفظ: "إن ذا الرُّمَّة قد أكل البقل والمملوح في حوانيت البقَّالين حتى بشم!"[32]، قال أبو حيان: "يعني أنه كثرت ملازمته الحاضرة، ففسد لسانُه، وجمهور أهل العلم على الاحتجاج بكلامه"[33].
مع أن الاستعمال نفسه عند الفرزدق في قوله:
وإنَّ الذي يسعى ليفسدَ زَوْجَتِي ♦♦♦ كَسَاعٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلها[34]
وذكر للأصمعي فلم يحر جوابًا[35].
وأورد الزجاجي أيضًا من الشواهد:
فبكى بناتي شَجْوَهُنَّ وزَوْجَتِي ♦♦♦ وَالطَّامِعُون إليَّ ثُمَّ تَصَدَّعُوا[36]
وقال آخر:
مِن مَنْزِلي قد أخرَجَتْنِي زَوْجَتِي ♦♦♦ تَهِرُّ في وَجْهِي هَرِيرَ الكَلْبَةِ [37]
ثم قال: "وإنما لجَّ الأصمعي؛ لأنه كان مولعًا بأجود اللغات، ويردُّ ما ليس بالقويِّ"[38].


ولم تكن لهم ثقة بكلام المولدين في الاحتجاج على اللغة حتى ولو استحسنوه في المعنى؛ قال السيوطي: "وليس ذلك لشيء إلا لحاجتهم في الشِّعر إلى الشاهد، وقلة ثقتهم بما يأتي به المولدون"[39]، وقد صرَّحوا بأنهم لا يجعلون المُحْدَث موازيًا للقديم، وعبَّر ابن الأعرابي عن ذلك بعبارةٍ كاشفة؛ قال: "إنما أشعار هؤلاء المُحْدَثين - مثل أبي نواس وغيره - مثل الريحان؛ يشمُّ يومًا ويَذْوي فيُرمى به، وأشعار القدماء مثل المسك والعنبر؛ كلما حركته ازداد طيبًا"[40]، وروى المرزباني عن أبي عبدالله التميمي، قال: "كنا عند ابن الأعرابيِّ، فأنشده رجلٌ شعرًا لأبي نواس أحسن فيه، فسكت، فقال له الرجل: أما هذا من أحسن الشِّعر؟ قال: فقال: بلى، ولكن القديم أحبُّ إليَّ"[41].


ولم يمنعهم ذلك أحيانًا من استجادة شعر المولدين ومدحه؛ فهذا ابن الأعرابي مع شدة انصرافه عن أشعار المولدين قد نقل الراغب في محاضرات الأدباء قوله: "جميع ما قاله أبو نواس حسن"[42]، وسمع رجلًا ينشد لخالد الكاتب:
رقدت ولم ترثِ للساهرِ ♦♦♦ وليلُ المُحبِّ بلا آخِر[43]
فاستحسنه، ثم أنشد رجل لبشار:
خليليَّ ما بال الدُّجى لا تزحزح
وما بال ضوء الصُّبح لا يتوضَّحُ

أضلَّ النهارُ المستنير سبيلَه
أم الدهر ليلٌ كلُّه ليس يبرحُ

كأن الدُّجى زادت وما زادت الدُّجى
ولكنْ أطال الليلَ همٌّ مبرحُ[44]


فقال ابن الأعرابي للذي أنشده بيت خالد: "نحِّ بيتَك؛ لا تأكله هذه الأبيات؛ فإن بيتك طفل، وهذه الأبيات سِباع!"[45].


على أن بعض أهل الطبقتين الأوليين ممن تكلم في الاستشهاد بشعرهم لعلل تخصُّهم لا تمتدُّ إلى عصورهم؛ فمَن كان في لسانه مطعن لقربه من اللسان غير العربيِّ، كانوا يتَّقون رواية شعره؛ كعدي بن زيد وأبي دُواد الإيادي، فقد كانوا يرون - كما نقل عن الأصمعي - أن ألفاظهما ليست بنجدية[46]، وعدي كان يسكن الحيرة، ويدخل الأرياف، فثقل لسانه، قال ابن قتيبة: "وعلماؤنا لا يرون شعره حُجَّة"[47]، وقال أبو عمرو بن العلاء: "والعرب لا تروي شعره؛ لأنَّ ألفاظه ليست بنجديَّة"[48]، وعن أبي عمرو الشيباني، عن المفضَّل، قال: "كانت الوفود تفد على الملوك بالحيرة، فكان عديُّ بن زيد يسمع لغاتِهم فيُدخِلها في شعره"[49]، وعدوا من أخطائه قولَه في صفة الفرس: فارهًا، فإنما يقال للكودن والبغل والحمار: "فاره"، ووصْفَه الخمر بالخضرة، وكل هذا ليس على اللسان العربي الصحيح[50]، وقد يكون لعدم التنقيح في الرواية أثره في إعراضهم عن شعره؛ فأبو دواد الإيادي قد أنشدوا له أربعين قصيدة قال الأصمعي: إنها لخلف الأحمر! [51].



يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.01 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]