عرض مشاركة واحدة
  #352  
قديم 29-09-2022, 02:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ
الْإِسْرَاءِ
الحلقة (352)
صــ 67 إلى صــ 74



فالجواب: أن المراد بهذا العمى: عمى القلب، وذلك يتزايد ويحدث منه [ ص: 67 ] شيء بعد شيء، فيخالف الخلق اللازمة التي لا تزيد، نحو عمى العين، والبياض، والحمرة، ذكره ابن الأنباري .
وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا .

قوله تعالى: " وإن كادوا ليفتنونك " في سبب نزولها أربعة أقوال:

أحدها: أن وفد ثقيف أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: متعنا باللات سنة، وحرم وادينا كما حرمت مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يكثرون مسألتهم، وقالوا: إنا نحب أن تعرف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيت أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك، فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ عنهم ]، وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس . وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجلنا سنة، ثم نسلم ونكسر أصنامنا، فهم أن يؤجلهم، فنزلت هذه الآية .

والثاني: أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نكف عنك إلا بأن تلم بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما علي لو فعلت والله يعلم إني لكاره " ، فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل [ ص: 68 ] لا يجوز أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه هم أن ينظرهم سنة، وكل ذلك محال في حقه وفي حق الصحابة أنهم رووا عنه .

والثالث: أن قريشا خلوا برسول الله ليلة إلى الصباح يكلمونه ويفخمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة .

والرابع: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سقاط الناس ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبسون الصوف، حتى نجالسك ونسمع منك، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج، قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتنونك، ودخلت " إن " واللام للتوكيد . قال المفسرون: وإنما قال: " ليفتنونك " ; لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن .

قوله تعالى: " لتفتري " ; أي: لتختلق، " علينا غيره " وهو قولهم: قل: الله أمرني بذلك، " وإذا " لو فعلت ذلك " لاتخذوك خليلا " ; أي: والوك وصافوك .
قوله تعالى: " ولولا أن ثبتناك " على الحق لعصمتنا إياك، " لقد كدت تركن إليهم " ; أي: هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم " شيئا قليلا " قال ابن عباس وذلك حين سكت عن جوابهم، والله أعلم بنيته . وقال ابن الأنباري: الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم، وفي الباطن للمشركين، وتقديره: لقد كادوا يركنونك إليهم، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكره، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند أمن اللبس، كما يقول الرجل للرجل: كدت تقتل نفسك اليوم، يريد: كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من أجله ; فهذا من المجاز والاتساع، وشبيه [ ص: 69 ] بهذا قوله: فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [ البقرة: 132 ]، وقول القائل: لا أرينك في هذا الموضع .

قوله تعالى: " إذا لأذقناك " المعنى: لو فعلت ذلك الشيء القليل " لأذقناك ضعف الحياة " ; أي: ضعف عذاب الحياة " وضعف " عذاب " الممات " ، ومثله قول الشاعر:


[ نبئت أن النار بعدك أوقدت ] واستب بعدك يا كليب المجلس


أي: أهل المجلس . وقال ابن عباس: ضعف عذاب الدنيا والآخرة . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوما، ولكنه تخويف لأمته ; لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه .

قوله تعالى: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض " في سبب نزولها قولان:

أحدهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، حسدته اليهود على مقامه بالمدينة وكرهوا قربه، فأتوه، فقالوا: يا محمد أنبي أنت ؟ قال: " نعم " ، قالوا: فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء، وأن أرض الأنبياء الشام، فإن كنت نبيا فائت الشام، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال سعيد بن جبير: هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشخص عن المدينة، فنزلت هذه الآية . [ ص: 70 ] وقال عبد الرحمن بن غنم: لما قالت له اليهود هذا، صدق ما قالوا، وغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك نزلت هذه الآية .

والثاني: أنهم المشركون أهل مكة هموا بإخراج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فأمره الله بالخروج، وأنزل هذه الآية إخبارا عما هموا به، قاله الحسن ومجاهد . وقال قتادة: هم أهل مكة بإخراجه من مكة، ولو فعلوا ذلك ما نوظروا، ولكن الله كفهم عن إخراجه حتى أمره بالخروج . وقيل: ما لبثوا حتى بعث الله عليهم القتل ببدر . فعلى القول الأول المشار إليهم: اليهود، والأرض: المدينة . وعلى الثاني: هم المشركون، والأرض: مكة . وقد ذكرنا معنى ( الاستفزاز ) آنفا ( الإسراء: 64 )، وقيل: المراد به هاهنا: القتل، ليخرجوه من الأرض كلها، روي عن الحسن .

قوله تعالى: " وإذا لا يلبثون خلفك " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وأبو بكر عن عاصم: ( خلفك ) . وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: ( خلافك ) . قال الأخفش: ( خلافك ) في معنى خلفك، والمعنى: لا يلبثون بعد خروجك " إلا قليلا " ; أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم بعد خروجك بقليل، وقد جازاهم الله على ما هموا به، فقتل صناديد المشركين ببدر، وقتل من اليهود بني قريظة، وأجلى النضير . وقال ابن الأنباري: معنى الكلام: لا يلبثون [ ص: 71 ] على خلافك ومخالفتك، فسقط حرف الخفض . وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل: ( خلافك بضم الخاء، وتشديد اللام، ورفع الفاء .

قوله تعالى: " سنة من قد أرسلنا " قال الفراء: نصب السنة على العذاب المضمر ; أي: يعذبون كسنتنا فيمن أرسلنا . وقال الأخفش: المعنى: سنها سنة . وقال الزجاج: النصب بمعنى " لا يلبثون " ، وتأويله: إنا سننا هذه السنة فيمن أرسلنا قبلك أنهم إذا أخرجوا نبيهم أو قتلوه، لم يلبث العذاب أن ينزل بهم .
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا .

قوله تعالى: " أقم الصلاة " ; أي: أدها " لدلوك الشمس " ; أي: عند دلوكها . وذكر ابن الأنباري في ( اللام ) قولين: أحدهما: أنها بمعنى ( في ) . والثاني: أنها مؤكدة، كقوله ردف لكم [ النمل: 72 ] . وقال أبو عبيدة: دلوكها: من عند زوالها إلى أن تغيب . وقال الزجاج: ميلها وقت الظهيرة دلوك، وميلها للغروب دلوك . وقال الأزهري: معنى ( الدلوك ) في كلام العرب: الزوال، ولذلك قيل للشمس إذا زالت نصف النهار: دالكة، وإذا أفلت: دالكة ; لأنها في الحالين زائلة . [ ص: 72 ]

وللمفسرين في المراد بالدلوك هاهنا قولان:

أحدهما: أنه زوالها نصف النهار . روى جابر بن عبد الله، قال: دعوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي، ثم خرجوا حين زالت الشمس، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " اخرج يا أبا بكر فهذا حيث دلكت الشمس " ; وهذا قول ابن عمر، وأبي برزة، وأبي هريرة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعبيد بن عمير، وقتادة، والضحاك، ومقاتل، وهو اختيار الأزهري . قال الأزهري: لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فيكون المعنى: أقم الصلاة من وقت زوال الشمس إلى غسق الليل، فيدخل فيها الأولى، والعصر، وصلاتا غسق الليل، وهما العشاءان، ثم قال: " وقرآن الفجر " ، فهذه خمس صلوات .

والثاني: أنه غروبها، قاله ابن مسعود، والنخعي، وابن زيد، وعن ابن عباس كالقولين، قال الفراء: ورأيت العرب تذهب في الدلوك إلى غيبوبة الشمس، وهذا اختيار ابن قتيبة، قال: لأن العرب تقول: دلك النجم: إذا غاب، قال ذو الرمة:


مصابيح ليست باللواتي تقودها نجوم ولا بالأفلات الدوالك
[ ص: 73 ]

وتقول في الشمس: دلكت براح، يريدون: غربت، والناظر قد وضع كفه على حاجبه ينظر إليها، قال الشاعر:


والشمس قد كادت تكون دنفا أدفعها بالراح كي تزحلفا


فشبهها بالمريض [ في ] الدنف ; لأنها قد همت بالغروب كما قارب الدنف الموت، وإنما ينظر إليها من تحت الكف، ليعلم كم بقي لها إلى أن تغيب، ويتوقى الشعاع بكفه . فعلى هذا المراد بهذه الصلاة: المغرب، فأما غسق الليل فظلامه .

وفي المراد بالصلاة المتعلقة بغسق الليل ثلاثة أقوال:

أحدها: العشاء، قاله ابن مسعود . والثاني: المغرب، قاله ابن عباس . قال القاضي أبو يعلى: فيحتمل أن يكون المراد بيان وقت المغرب، أنه من غروب الشمس إلى غسق الليل . والثالث: المغرب والعشاء، قاله الحسن .

قوله تعالى: " وقرآن الفجر " المعنى: وأقم قراءة الفجر . قال المفسرون: المراد به: صلاة الفجر . قال الزجاج: وفي هذا فائدة عظيمة تدل على أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة، حين سميت الصلاة قرآنا . [ ص: 74 ]

قوله تعالى: " إن قرآن الفجر كان مشهودا " روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار " .

قوله تعالى: " ومن الليل فتهجد به " قال ابن عباس: فصل بالقرآن . قال مجاهد، وعلقمة، والأسود: التهجد بعد النوم . قال ابن قتيبة: تهجدت: سهرت، وهجدت: نمت . وقال ابن الأنباري: التهجد هاهنا بمعنى: التيقظ والسهر، واللغويون يقولون: هو من حروف الأضداد، يقال للنائم: هاجد ومتهجد، وكذلك للساهر قال النابغة:


ولو أنها عرضت لأشمط راهب عبد الإله صرورة متهجد


لرنا لبهجتها وحسن حديثها ولخاله رشدا وإن لم يرشد


يعني بالمتهجد: الساهر، وقال لبيد:


قال هجدنا فقد طال السرى [ وقدرنا إن خنا الدهر غفل ]




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.18%)]