عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 29-09-2022, 01:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,461
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ
الْإِسْرَاءِ
الحلقة (349)
صــ 43 إلى صــ 50





[ ص: 43 ]

أي: نغذى ; لأن أهل السماء لا يأكلون، فأراد أن يكون ملكا . فعلى هذا يكون المعنى: إن تتبعون إلا رجلا له سحر، خلقه الله كخلقكم، وليس بملك، وهذا قول أبي عبيدة .

قال ابن قتيبة: والقول قول مجاهد ; [ أي: مخدوعا ] ; لأن السحر حيلة وخديعة، ومعنى قول لبيد: ( المسحر ): المعلل، وقول امرئ القيس: ( ونسحر ); أي: نعلل، وكأنا نخدع، والناس يقولون: سحرتني بكلامك ; أي: خدعتني، ويدل عليه قوله: " انظر كيف ضربوا لك الأمثال " ; لأنهم لو أرادوا رجلا ذا رئة، لم يكن في ذلك مثل ضربوه، فلما أرادوا مخدوعا - كأنه بالخديعة سحر - كان مثلا ضربوه، وكأنهم ذهبوا إلى أن قوما يعلمونه ويخدعونه . قال المفسرون: ومعنى " ضربوا لك الأمثال " : بينوا لك الأشباه، حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون، " فضلوا " عن الحق، " فلا يستطيعون سبيلا " فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: لا يجدون سبيلا إلى تصحيح ما يعيبونك به .

والثاني: لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى ; لأنا طبعنا على قلوبهم .

والثالث: لا يأتون سبيل الحق لثقله عليهم، ومثله قولهم: لا أستطيع أن أنظر إلى فلان، يعنون: أنا مبغض له، فنظري إليه يثقل، ذكرهن ابن الأنباري .

قوله تعالى: " أإذا كنا عظاما " قرأ ابن كثير: ( أيذا ) بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد، " أينا " مثله، وكذلك في كل القرآن . وكذلك روى قالون عن نافع، إلا أن نافعا كان لا يستفهم في ( أينا )، كان يجعل الثاني [ ص: 44 ] خبرا في كل القرآن، وكذلك مذهب الكسائي، غير أنه يهمز الأولى همزتين . وقرأ عاصم وحمزة بهمزتين في الحرفين جميعا . وقرأ ابن عامر: ( إذا كنا ) بغير استفهام بهمزة واحدة، ( آئنا ) بهمزتين يمد بينهما مدة .

قوله تعالى: " ورفاتا " فيه قولان:

أحدهما: أنه التراب، ولا واحد له، فهو بمنزلة الدقاق والحطام، قاله الفراء، وهو مذهب مجاهد .

والثاني: أنه العظام ما لم تتحطم، والرفات: الحطام، قاله أبو عبيدة . وقال الزجاج: الرفات: التراب . والرفات: كل شيء حطم وكسر . و " خلقا جديدا " في معنى مجددا .

قوله تعالى: " أو خلقا مما يكبر في صدوركم " فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه الموت، قاله ابن عمر، وابن عباس، والحسن، والأكثرون .

والثاني: أنه السماء والأرض والجبال، قاله مجاهد .

والثالث: [ أنه ] ما يكبر في صدوركم من كل ما استعظموه من خلق الله تعالى، قاله قتادة .

فإن قيل: كيف قيل لهم: " كونوا حجارة أو حديدا " وهم لا يقدرون على ذلك ؟ فعنه جوابان:

أحدهما: إن قدرتم على تغير حالاتكم، فكونوا حجارة أو أشد منها، فإنا نميتكم، وننفذ أحكامنا فيكم، ومثل هذا قولك للرجل: اصعد إلى السماء فإني لاحقك .

والثاني: تصوروا أنفسكم حجارة أو أصلب منها، فإنا سنبيدكم، قال الأحوص: [ ص: 45 ]


إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبى فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا


معناه: فتصور نفسك حجرا، وهؤلاء قوم اعترفوا أن الله خالقهم وجحدوا البعث، فأعلموا أن الذي ابتدأ خلقهم هو الذي يحييهم .

قوله تعالى: " فسينغضون إليك رءوسهم " قال قتادة: يحركونها تكذيبا واستهزاء . قال الفراء: يقال: أنغض رأسه: إذا حركه إلى فوق وإلى أسفل . وقال ابن قتيبة: المعنى: يحركونها، كما يحرك الآيس من الشيء والمستبعد [ له ] رأسه، يقال: نغضت سنه: إذا تحركت .

قوله تعالى: " ويقولون متى هو " يعنون: البعث، " قل عسى أن يكون قريبا " ; أي: هو قريب . ثم بين متى يكون، فقال: " يوم يدعوكم " يعني: من القبور بالنداء الذي يسمعكم، وهو النفخة الأخيرة " فتستجيبون " ; أي: تجيبون . قال مقاتل: يقوم إسرافيل على صخرة بيت المقدس يدعو أهل القبور في قرن، فيقول: أيتها العظام البالية، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الشعور المتفرقة، وأيتها العروق المتقطعة، اخرجوا إلى فصل القضاء لتجزوا بأعمالكم، فيسمعون الصوت فيسعون إليه .

وفي معنى " بحمده " أربعة أقوال:

أحدها: بأمره، قاله ابن عباس، وابن جريج، وابن زيد .

والثاني: يخرجون من القبور وهم يقولون: سبحانك وبحمدك، قاله سعيد بن جبير . [ ص: 46 ]

والثالث: أن معنى " بحمده " : بمعرفته وطاعته، قاله قتادة . قال الزجاج: تستجيبون مقرين أنه خالقكم .

والرابع: تجيبون بحمد الله لا بحمد أنفسكم، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: " وتظنون إن لبثتم إلا قليلا " في هذا الظن قولان:

أحدهما: أنه بمعنى اليقين .

والثاني: أنه على أصله . وأين يظنون أنهم لبثوا قليلا ؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: بين النفختين، ومقداره أربعون سنة، ينقطع في ذلك العذاب عنهم، فيرون لبثهم في زمان الراحة قليلا، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: في الدنيا، لعلمهم بطول اللبث في الآخرة، قاله الحسن . والثالث: في القبور، قاله مقاتل . فعلى هذا إنما قصر اللبث في القبور عندهم ; لأنهم خرجوا إلى ما هو أعظم عذابا من عذاب القبور . وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الآية خطاب للمؤمنين ; لأنهم يجيبون المنادي وهم يحمدون الله على إحسانه إليهم، ويستقلون مدة اللبث في القبور ; لأنهم كانوا غير معذبين .
وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا .

قوله تعالى: " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن " في سبب نزولها قولان:

أحدهما: أن المشركين كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أن رجلا من الكفار شتم عمر بن الخطاب، فهم به عمر رضي الله عنه، [ ص: 47 ] فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل، والمعنى: وقل لعبادي المؤمنين يقولوا الكلمة التي هي أحسن . واختلفوا فيمن تقال له هذه الكلمة على قولين:

أحدهما: أنهم المشركون، قال الحسن: تقول له: يهديك الله، وما ذكرنا من سبب نزول الآية يؤيد هذا القول . وذهب بعضهم إلى أنهم أمروا بهذه الآية بتحسين خطاب المشركين قبل الأمر بقتالهم، ثم نسخت هذه الآية بآية السيف .

والثاني: أنهم المسلمون، قاله ابن جرير . والمعنى: وقل لعبادي يقول بعضهم لبعض التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة . وقد روى مبارك عن الحسن، قال: " التي هي أحسن " أن يقول له مثل قوله، ولكن يقول له: يرحمك الله ويغفر الله لك . قال الأخفش: وقوله: " يقولوا " مثل قوله: " يقيموا الصلاة " ، وقد شرحنا ذلك في سورة ( إبراهيم: 31 ) .

قوله تعالى: " إن الشيطان ينزغ بينهم " ; أي: يفسد ما بينهم، والعدو المبين: الظاهر العداوة .
ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا .

قوله تعالى: " ربكم أعلم بكم " فيمن خوطب بهذا قولان:

أحدهما: أنهم المؤمنون . ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: " إن يشأ يرحمكم " فينجيكم من أهل مكة، " و إن يشأ يعذبكم " فيسلطهم عليكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: إن يشأ يرحمكم بالتوبة، أو يعذبكم بالإقامة على الذنوب، قاله الحسن . [ ص: 48 ]

والثاني: أنهم المشركون . ثم في معنى الكلام قولان: أحدهما: إن يشأ يرحمكم فيهديكم للإيمان، أو إن يشأ يعذبكم فيميتكم على الكفر، قاله مقاتل . والثاني: أنه لما نزل القحط بالمشركين، فقالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون [ الدخان: 12 ]، قال الله تعالى: " ربكم أعلم بكم " من الذي يؤمن، ومن الذي لا يؤمن، " إن يشأ يرحمكم " فيكشف القحط عنكم، " أو إن يشأ يعذبكم " فيتركه عليكم، ذكره أبو سليمان الدمشقي . قال ابن الأنباري: و " أو " هاهنا دخلت لسعة الأمرين عند الله تعالى، وأنه لا يرد عنهما، فكانت ملحقة بـ( أو ) المبيحة في قولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، يعنون: قد وسعنا لك الأمر .

قوله تعالى: " وما أرسلناك عليهم وكيلا " فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: كفيلا تؤخذ بهم، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني: حافظا وربا، قاله الفراء . والثالث: كفيلا بهدايتهم وقادرا على إصلاح قلوبهم، ذكره ابن الأنباري، وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا منسوخ بآية السيف .
وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا .

قوله تعالى: " وربك أعلم بمن في السماوات والأرض " ; لأنه خالقهم، فهدى من شاء وأضل من شاء، وكذلك فضل بعض النبيين على بعض، وذلك عن حكمة منه وعلم، فخلق آدم بيده، ورفع إدريس، وجعل الذرية لنوح، واتخذ إبراهيم خليلا، وموسى كليما، وجعل عيسى روحا، وأعطى سليمان ملكا جسيما، ورفع محمدا صلى الله عليه وسلم فوق السماوات، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . ويجوز أن يكون المفضلون أصحاب الكتب ; لأنه ختم الكلام بقوله: " وآتينا داود زبورا " . وقد شرحنا معنى " الزبور " في سورة ( النساء: 163 ) . [ ص: 49 ]
قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا .

قوله تعالى: " قل ادعوا الذين زعمتم من دونه " في سبب نزولها قولان:

أحدهما: أن نفرا من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن والنفر من العرب لا يشعرون، فنزلت هذه الآية والتي بعدها، روي عن ابن مسعود .

والثاني: أن المشركين كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هي تشفع لنا عند الله، فلما ابتلوا بالقحط سبع سنين، قيل لهم: " ادعوا الذين زعمتم " ، قاله مقاتل، والمعنى: قل ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، " فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا " له إلى غيركم .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.98 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.35 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]