عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 29-09-2022, 01:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ
الْإِسْرَاءِ
الحلقة (346)
صــ 19 إلى صــ 26






وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا .

قوله تعالى: " وإذا أردنا أن نهلك قرية " في سبب إرادته لذلك قولان:

أحدهما: ما سبق لهم في قضائه من الشقاء . والثاني: عنادهم الأنبياء وتكذيبهم إياهم .

قوله تعالى: " أمرنا مترفيها " قرأ الأكثرون: ( أمرنا ) مخففة على وزن ( فعلنا )، وفيها ثلاثة أقوال: [ ص: 19 ]

أحدها: أنه من الأمر، وفي الكلام إضمار، تقديره: أمرنا مترفيها بالطاعة ففسقوا، هذا مذهب سعيد بن جبير . قال الزجاج: ومثله في الكلام: أمرتك فعصيتني، فقد علم أن المعصية مخالفة الأمر .

والثاني: ( كثرنا ) يقال: أمرت الشيء وآمرته ; أي: كثرته، ومنه قولهم: مهرة مأمورة ; أي: كثيرة النتاج، يقال: أمر بنو فلان يأمرون أمرا: إذا كثروا، هذا قول أبي عبيدة وابن قتيبة .

والثالث: أن معنى " أمرنا " : أمرنا، يقال: أمرت الرجل، بمعنى: أمرته، والمعنى: سلطنا مترفيها بالإمارة، ذكره ابن الأنباري . وروى خارجة عن نافع: ( آمرنا ) ممدودة، مثل: ( آمنا )، وكذلك روى حماد بن سلمة عن ابن كثير، وهي قراءة ابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي رزين، والحسن، والضحاك، ويعقوب . قال ابن قتيبة: وهي اللغة العالية المشهورة، ومعناه: كثرنا أيضا . وروى ابن مجاهد أن أبا عمرو قرأ: ( أمرنا ) مشددة الميم، وهي رواية أبان عن عاصم، وهي قراءة أبي العالية، والنخعي، والجحدري . قال ابن قتيبة: المعنى: جعلناهم أمراء . وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وابن يعمر: ( أمرنا ) بفتح الهمزة مكسورة الميم مخففة . فأما المترفون فهم المتنعمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون: هم الجبارون والمسلطون والملوك، وإنما خص المترفين بالذكر ; لأنهم الرؤساء، ومن عداهم تبع لهم .

قوله تعالى: ففسقوا فيها ; أي: تمردوا في كفرهم ; لأن الفسق في الكفر: الخروج إلى أفحشه . وقد شرحنا معنى الفسق في ( البقرة: 26، 197 ) .

قوله تعالى: " فحق عليها القول " قال مقاتل: وجب عليها العذاب . وقد ذكرنا معنى " التدمير " في ( الأعراف: 137 ) [ ص: 20 ]

قوله تعالى: " وكم أهلكنا من القرون " وهو جمع قرن . وقد ذكرنا اختلاف الناس فيه في ( الأنعام: 6 )، وشرحنا معنى " الخبير " و " البصير " في ( البقرة ) . قال مقاتل: وهذه الآية تخويف لأهل مكة .
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا .

قوله تعالى: " من كان يريد العاجلة " يعني: من كان يريد بعمله الدنيا، فعبر بالنعت عن الاسم، " عجلنا له فيها ما نشاء " من عرض الدنيا، وقيل: من البسط والتقتير، " لمن نريد " فيه قولان:

أحدهما: لمن نريد هلكته، قاله أبو إسحاق الفزاري .

والثاني: لمن نريد أن نعجل له شيئا، وفي هذا ذم لمن أراد بعمله الدنيا، وبيان أنه لا ينال مع ما يقصده منها إلا ما قدر له، ثم يدخل النار في الآخرة . وقال ابن جرير: هذه الآية لمن لا يوقن بالمعاد . وقد ذكرنا معنى " جهنم " في ( البقرة: 206 ) ، ومعنى " يصلاها " في سورة ( النساء: 10 )، ومعنى " مذموما مدحورا " في ( الأعراف: 18 ) .

قوله تعالى: " ومن أراد الآخرة " يعني: الجنة . " وسعى لها سعيها " ; أي: عمل لها العمل الذي يصلح لها، وإنما قال: " وهو مؤمن " ; لأن الإيمان شرط في صحة الأعمال، " فأولئك كان سعيهم مشكورا " ; أي: مقبولا . وشكر الله عز وجل لهم: ثوابه إياهم وثناءه عليهم .
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة [ ص: 21 ] أكبر درجات وأكبر تفضيلا لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا .

قوله تعالى: " كلا نمد هؤلاء " قال الزجاج: " كلا " منصوب بـ " نمد " ، " هؤلاء " بدل من " كل " ، والمعنى: نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك . قال المفسرون: كلا نعطي من الدنيا، البر والفاجر، والعطاء هاهنا: الرزق، والمحظور: الممنوع، والمعنى: أن الرزق يعم المؤمن والكافر، والآخرة للمتقين خاصة . ( انظر ) يا محمد، " كيف فضلنا بعضهم على بعض " وفيما فضلوا فيه قولان:

أحدهما: الرزق، منهم مقل ومنهم مكثر .

والثاني: الرزق والعمل، فمنهم موفق لعمل صالح، ومنهم ممنوع من ذلك .

قوله تعالى: " لا تجعل مع الله إلها آخر " الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى عام لجميع المكلفين . والمخذول: الذي لا ناصر له، والخذلان: ترك العون . قال مقاتل: نزلت حين دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه .
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا .

قوله تعالى: " وقضى ربك " روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: أمر ربك . ونقل عنه الضحاك أنه قال: إنما هي ( ووصى ربك ) فالتصقت إحدى [ ص: 22 ] الواوين بـ( الصاد )، وكذلك قرأ أبي بن كعب، وأبو المتوكل، وسعيد بن جبير: ( ووصى )، وهذا على خلاف ما انعقد عليه الإجماع، فلا يلتفت إليه . وقرأ أبو عمران، وعاصم الجحدري، ومعاذ القارئ: ( وقضاء ربك ) بقاف وضاد بالمد والهمز والرفع وخفض اسم الرب . قال ابن الأنباري: هذا القضاء من باب الحتم والوجوب، لكنه من باب الأمر والفرض، وأصل القضاء في اللغة: قطع الشيء بإحكام وإتقان، قال الشاعر يرثي عمر:


قضيت أمورا ثم غادرت بعدها بوائق في أكمامها لم تفتق


أراد: قطعتها محكما لها .

قوله تعالى: " وبالوالدين إحسانا " ; أي: وأمر بالوالدين إحسانا، وهو البر والإكرام، وقد ذكرنا هذا في ( البقرة: 83 ) .

قوله تعالى: " إما يبلغن " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وعاصم، وابن عامر: ( يبلغن ) على التوحيد . وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: ( يبلغان ) [ ص: 23 ] على التثنية . قال الفراء: جعلت " يبلغن " فعلا لأحدهما، وكرت عليهما " كلاهما " . ومن قرأ: ( يبلغان )، فإنه ثنى ; لأن الوالدين قد ذكرا قبل هذا، فصار الفعل على عددهما، ثم قال: " أحدهما أو كلاهما " على الاستئناف، كقوله: فعموا وصموا [ المائدة: 71 ]، ثم استأنف فقال: " كثير منهم " .

قوله تعالى: " فلا تقل لهما أف " قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ( أف ) بالكسر من غير تنوين . وقرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، والمفضل: ( أف ) بالفتح من غير تنوين . وقرأ نافع وحفص عن عاصم: ( أف ) بالكسر والتنوين . وقرأ أبو الجوزاء وابن يعمر: ( أف ) بالرفع والتنوين وتشديد الفاء . وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدري، وحميد بن قيس: ( أفا ) مثل ( تعسا ) . وقرأ أبو عمران الجوني وأبو السماك العدوي: ( أف ) بالرفع من غير تنوين مع تشديد الفاء، وهي رواية الأصمعي عن أبي عمرو . وقرأ عكرمة، وأبو المتوكل، وأبو رجاء، وأبو الجوزاء: ( أف ) بإسكان الفاء وتخفيفها ; قال الأخفش: وهذا لأن بعض العرب يقول: ( أف لك ) على الحكاية، والرفع قبيح ; لأنه لم يجئ بعده لام . وقرأ أبو العالية وأبو حصين الأسدي: ( أفي ) بتشديد الفاء وياء . وروى ابن الأنباري أن بعضهم قرأها: ( إف ) بكسر الهمزة . وقال الزجاج: فيها سبع لغات: الكسر بلا تنوين وبتنوين، والضم بلا تنوين وبتنوين، والفتح بلا تنوين وبتنوين، واللغة السابعة لا تجوز في القراءة: ( أفي ) بالياء، هكذا قال الزجاج . وقال ابن الأنباري: في ( أف ) عشرة أوجه: ( أف لك ) بفتح الفاء، و( أف ) بكسرها، و( أف )، و( أفا لك ) بالنصب والتنوين على مذهب الدعاء [ ص: 24 ] كما تقول: ( ويلا ) للكافرين، و( أف لك ) بالرفع والتنوين، وهو رفع باللام، كقوله تعالى: ويل للمطففين [ المطففون: 1 ]، و( أفه لك ) بالخفض والتنوين تشبيها بالأصوات، كقولك: ( صه، ومه )، و( أفها لك ) على مذهب الدعاء أيضا، و( أفي لك ) على الإضافة إلى النفس، و( أف لك ) بسكون الفاء تشبيها بالأدوات، مثل: ( كم، وهل، وبل )، و( إف لك ) بكسر الألف . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي، قال: وتقول: ( أف منه، وأف، وأف، وأف، وأفا، وأف، وأفي مضاف، وأفها، وأفا بالألف )، ولا تقل: ( أفي ) بالياء، فإنه خطأ .

فأما معنى ( أف ) ففيه خمسة أقوال:

أحدها: أنه وسخ الظفر، قاله الخليل . والثاني: وسخ الأذن، قاله الأصمعي . والثالث: قلامة الظفر، قاله ثعلب . والرابع: أن ( الأف ): الاحتقار والاستصغار من ( الأفف ) . والأفف عند العرب: القلة، ذكره ابن الأنباري . والخامس: أن ( الأف ) ما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، حكاه ابن فارس اللغوي . وقرأت على شيخنا أبي منصور، قال: معنى ( الأف ): النتن والتضجر، وأصلها: نفخك الشيء يسقط عليك من تراب ورماد، وللمكان تريد إماطة الأذى عنه، فقيلت لكل مستثقل . قال المصنف: وأما قولهم: ( تف ) فقد جعلها قوم بمعنى ( أف )، فروي عن أبي عبيد أنه قال: أصل ( الأف، والتف ): الوسخ على الأصابع إذا فتلته . وحكى ابن الأنباري فرقا، فقال: قال اللغويون: أصل ( الأف ) في اللغة: وسخ الأذن، و( التف ): وسخ الأظفار، فاستعملتهما العرب فيما يكره ويستقذر ويضجر منه . وحكى الزجاج فرقا آخر، فقال: قد [ ص: 25 ] قيل: إن ( أف ): وسخ الأظفار، و( التف ): الشيء الحقير، نحو: وسخ الأذن، أو الشظية تؤخذ من الأرض، ومعنى ( أف ): النتن، ومعنى الآية: لا تقل لهما كلاما تتبرم فيه بهما إذا كبرا وأسنا، فينبغي أن تتولى من خدمتهما مثل الذي توليا من القيام بشأنك وخدمتك . " ولا تنهرهما " ; أي: لا تكلمهما ضجرا صائحا في وجوههما . وقال عطاء بن أبي رباح: لا تنفض يدك عليهما، يقال: نهرته أنهره نهرا، وانتهرته انتهارا، بمعنى واحد . وقال ابن فارس: نهرت الرجل وانتهرته، مثل: زجرته . قال المفسرون: وإنما نهى عن أذاهما في الكبر، وإن كان منهيا عنه على كل حالة ; لأن حالة الكبر يظهر فيها منهما ما يضجر ويؤذي، وتكثر خدمتهما .

قوله تعالى: " وقل لهما قولا كريما " ; أي: لينا لطيفا أحسن ما تجد . وقال سعيد بن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظ .

قوله تعالى: " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " ; أي: ألن لهما جانبك متذللا لهما من رحمتك إياهما . وخفض الجناح قد شرحناه في [ الحجر: 88 ] . قال عطاء: جناحك: يداك، فلا ترفعهما على والديك . والجمهور يضمون الذال من " الذل " . وقرأ أبو رزين، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعاصم الجحدري، وابن أبي عبلة: بكسر الذال . قال الفراء: الذل: أن تتذلل لهما، من الذل، والذل: أن تتذلل ولست بذليل في الخدمة، والذل والذلة: مصدر الذليل، والذل بالكسر: مصدر الذلول، مثل: الدابة والأرض . قال ابن الأنباري: من قرأ ( الذل ) بكسر الذال، جعله بمعنى الذل بضم الذال، والذي عليه كبراء أهل اللغة أن الذل من الرجل: الذليل، والذل من الدابة: الذلول .

قوله تعالى: " وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا " ; أي: مثل رحمتهما إياي في [ ص: 26 ] صغري حتى ربياني . وقد ذهب قوم إلى أن هذا الدعاء المطلق نسخ منه الدعاء لأهل الشرك بقوله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين [ التوبة: 113 ]، وهذا المعنى منقول عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، ومقاتل . قال المصنف: ولا أرى هذا نسخا عند الفقهاء ; لأنه عام دخله التخصيص، وقد ذكر قريبا مما قلته ابن جرير .

قوله تعالى: " ربكم أعلم بما في نفوسكم " ; أي: بما تضمرون من البر والعقوق، فمن بدرت منه بادرة وهو لا يضمر العقوق، غفر له ذلك، وهو قوله: " إن تكونوا صالحين " ; أي: طائعين لله، [ وقيل ]: بارين، وقيل: توابين . " فإنه كان للأوابين غفورا " في الأواب عشرة أقوال:

أحدها: أنه المسلم، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثاني: أنه التواب، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو عبيدة . وقال ابن قتيبة: هو التائب مرة بعد مرة . وقال الزجاج: هو التواب المقلع عن جميع ما نهاه الله عنه، يقال: قد آب يؤوب أوبا: إذا رجع .

والثالث: أنه المسبح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والرابع: أنه المطيع لله تعالى، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

والخامس: أنه الذي يذكر ذنبه في الخلاء، فيستغفر الله منه، قاله عبيد بن عمير .

والسادس: أنه المقبل إلى الله تعالى بقلبه وعمله، قاله الحسن .

والسابع: المصلي، قاله قتادة .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]