عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 29-09-2022, 01:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,519
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ
الْإِسْرَاءِ
الحلقة (345)
صــ 11 إلى صــ 18






" فإذا جاء وعد الآخرة، جواب " فإذا " محذوف، تقديره: فإذا جاء [ ص: 11 ] وعد عقوبة المرة الآخرة من إفسادكم، بعثناهم ليسوؤوا وجوهكم، وهذا الفساد الثاني هو قتلهم يحيى بن زكريا، وقصدهم قتل " عيسى " فرفع، وسلط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم، فذلك قوله: " ليسوءوا وجوهكم " . قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم: ( ليسوؤوا ) بالياء على الجميع والهمز بين الواوين، والإشارة إلى المبعوثين . وقرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: ( ليسوء وجوهكم ) على التوحيد . قال أبو علي: فيه وجهان: أحدهما: ليسوء الله عز وجل . والثاني: ليسوء البعث . وقرأ الكسائي: ( لنسوء ) بالنون، وذلك راجع إلى الله تعالى .

وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان:

أحدهما: بختنصر، قاله مجاهد وقتادة، وكثير من الرواة يأبى هذا القول، يقولون: كان بين تخريب ( بختنصر ) بيت المقدس وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل .

والثاني: انطياخوس الرومي، قاله مقاتل . ومعنى " ليسوءوا وجوهكم " ; أي: ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم، وخصت المساءة بالوجوه، والمراد: أصحاب الوجوه، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة .

قوله تعالى: " وليدخلوا المسجد " ، يعني: بيت المقدس، " كما دخلوه " في المرة الأولى، " وليتبروا " ; أي: ليدمروا ويخربوا . قال الزجاج: يقال لكل شيء ينكسر من الزجاج والحديد والذهب: تبر، ومعنى " ما علوا " ; أي: ليدمروا في حال علوهم عليكم .

قوله تعالى: " عسى ربكم أن يرحمكم " هذا مما وعدوا به في التوراة . و " عسى " من الله واجبة، فرحمهم [ الله ] بعد انتقامه منهم، وعمر بلادهم، وأعاد نعمهم [ ص: 12 ] بعد سبعين سنة . " وإن عدتم " إلى معصيتنا " عدنا " إلى عقوبتكم . قال المفسرون: ثم إنهم عادوا إلى المعصية، فبعث الله عليهم ملوكا من ملوك فارس والروم . قال قتادة: ثم كان آخر ذلك أن بعث الله عليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فهم في عذاب إلى يوم القيامة، فيعطون الجزية عن يد وهم صاغرون .

قوله تعالى: " وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " فيه قولان:

أحدهما: سجنا، قاله ابن عباس، والضحاك، وقتادة . وقال مجاهد: يحصرون فيها . وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: محبسا . وقال الزجاج: " حصيرا " : حبسا، أخذ من قولك: حصرت الرجل: إذا حبسته، فهو محصور، وهذا حصيره ; أي: محبسه، والحصير: المنسوج، سمي حصيرا ; لأنه حصرت طاقاته بعضها مع بعض، ويقال للجنب: حصير ; لأن بعض الأضلاع محصور مع بعض . وقال ابن الأنباري: حصيرا: بمعنى: حاصرة، فصرف من حاصرة إلى حصير، كما صرف ( مؤلم ) إلى أليم .

والثاني: فراشا ومهادا، قاله الحسن . قال أبو عبيدة: ويجوز أن تكون جهنم لهم مهادا بمنزلة الحصير، والحصير: البساط الصغير .
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما .

قوله تعالى: " إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم " قال ابن الأنباري: " التي " وصف للجمع، والمعنى: يهدي إلى الخصال التي هي أقوم الخصال . قال المفسرون: وهي توحيد الله والإيمان به وبرسله والعمل بطاعته، " ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم " ; أي: بأن لهم " أجرا " وهو الجنة، " وأن [ ص: 13 ] الذين لا يؤمنون بالآخرة " ; أي: ويبشرهم بالعذاب لأعدائهم، وذلك أن المؤمنين كانوا في أذى من المشركين، فعجل الله لهم البشرى في الدنيا بعقاب الكافرين .
ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا .

قوله تعالى: " ويدع الإنسان بالشر " وذلك أن الإنسان يدعو في حال الضجر والغضب على نفسه وأهله بما لا يحب أن يستجاب له كما يدعو لنفسه بالخير . " وكان الإنسان عجولا " يعجل بالدعاء بالشر عند الغضب والضجر عجلته بالدعاء بالخير .

وفي المراد بالإنسان هاهنا ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه اسم جنس يراد به الناس، قاله الزجاج وغيره .

والثاني: آدم، فاكتفى بذكره من ذكر ولده، ذكره ابن الأنباري .

والثالث: أنه النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء [ الأنفال: 32 ]، قاله مقاتل . وقال سلمان الفارسي: أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر إلى جسده كيف يخلق، قال فبقيت رجلاه، فقال: يا رب عجل، فذلك قوله: " وكان الإنسان عجولا " .
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا . [ ص: 14 ]

قوله تعالى: " وجعلنا الليل والنهار آيتين " ; أي: علامتين يدلان على قدرة خالقهما . " فمحونا آية الليل " فيه قولان:

أحدهما: أن آية الليل: القمر، ومحوها: ما في بعض القمر من الاسوداد . وإلى هذا المعنى ذهب علي عليه السلام، وابن عباس في آخرين .

والثاني: آية الليل محيت بالظلمة التي جعلت ملازمة لليل، فنسب المحو إلى الظلمة إذ كانت تمحو الأنوار وتبطلها، ذكره ابن الأنباري . ويروى أن الشمس والقمر كانا في النور والضوء سواء، فأرسل الله جبريل فأمر جناحه على وجه القمر وطمس عنه الضوء .

قوله تعالى: " وجعلنا آية النهار " يعني: الشمس، " مبصرة " فيه ثلاثة أقوال:

أحدها: منيرة، قاله قتادة . قال ابن الأنباري: وإنما صلح وصف الآية بالإبصار على جهة المجاز، كما يقال: لعب الدهر ببني فلان .

والثاني: أن معنى " مبصرة " : مبصرا بها، قاله ابن قتيبة .

والثالث: أن معنى " مبصرة " : مبصرة، فجرى ( مفعل ) مجرى ( مفعل )، والمعنى: أنها تبصر الناس ; أي: تريهم الأشياء، قاله ابن الأنباري . ومعاني الأقوال تتقارب .

قوله تعالى: " لتبتغوا فضلا من ربكم " ; أي: لتبصروا كيف تتصرفون في أعمالكم وتطلبون رزقكم بالنهار، " ولتعلموا عدد السنين والحساب " بمحو آية الليل، ولولا ذلك لم يعرف الليل من النهار، ولم يتبين العدد . " وكل شيء " ; أي: ما يحتاج إليه، " فصلناه تفصيلا " بيناه تبينا لا يلتبس معه بغيره . [ ص: 15 ]
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا .

قوله تعالى: " وكل إنسان " وقرأ ابن أبي عبلة: ( وكل ) برفع اللام . وقرأ ابن مسعود وأبي والحسن: ( ألزمناه طيره ) بياء ساكنة من غير ألف .

وفي الطائر أربعة أقوال .

أحدها: شقاوته وسعادته، قاله أبو صالح عن ابن عباس . قال مجاهد: ما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد .

والثاني: عمله، قاله الفراء، وعن الحسن كالقولين .

والثالث: أنه ما يصيبه، قاله خصيف . وقال أبو عبيدة: حظه .

قال ابن قتيبة: والمعنى فيما أرى - والله أعلم -: أن لكل امرئ حظا من الخير والشر قد قضاه الله [ عليه ]، فهو لازم عنقه،والعرب تقول لكل ما لزم الإنسان: قد لزم عنقه، وهذا لك علي وفي عنقي حتى أخرج منه، وإنما قيل للحظ من الخير والشر: ( طائر )، لقول العرب: جرى له الطائر بكذا من الخير، وجرى له الطائر بكذا من الشر، على طريق الفأل والطيرة، فخاطبهم الله بما يستعملون وأعلمهم أن ذلك الأمر الذي يجعلونه بالطائر هو الذي يلزمه أعناقهم .

وقال الأزهري: الأصل في هذا أن الله تعالى لما خلق آدم، علم المطيع من ذريته والعاصي، فكتب ما علمه منهم أجمعين، وقضى سعادة من علمه مطيعا، وشقاوة من علمه عاصيا، فصار لكل منهم ما هو صائر إليه عند خلقه وإنشائه، فذلك قوله: " ألزمناه طائره في عنقه " .

والرابع: أنه ما يتطير من مثله من شيء عمله، وذكر العنق عبارة عن اللزوم [ ص: 16 ] له، كلزوم القلادة العنق من بين ما يلبس، هذا قول الزجاج . وقال ابن الأنباري: الأصل في تسميتهم العمل طائرا، أنهم كانوا يتطيرون من بعض الأعمال .

قوله تعالى: " ونخرج له " قرأ أبو جعفر: ( ويخرج ) بياء مضمومة وفتح الراء . وقرأ يعقوب وعبد الوارث بالياء مفتوحة وضم الراء . وقرأ قتادة وأبو المتوكل: ( ويخرج ) بياء مرفوعة وكسر الراء . وقرأ أبو الجوزاء والأعرج: ( وتخرج ) بتاء مفتوحة ورفع الراء . " يوم القيامة كتابا " وقرأ ابن عباس، وعكرمة، والضحاك: ( كتاب ) بالرفع، " يلقاه " وقرأ ابن عامر وأبو جعفر: ( يلقاه ) بضم الياء وتشديد القاف . وأمال حمزة والكسائي القاف . قال المفسرون: هذا كتابه الذي فيه ما عمل . وكان أبو السوار العدوي إذا قرأ هذه الآية قال: نشرتان وطية، أما ما حييت يا ابن آدم، فصحيفتك منشورة، فأمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت، ثم إذا بعثت نشرت .

قوله تعالى: " اقرأ كتابك " وقرأ أبو جعفر: ( اقرأ ) بتخفيف الهمزة، وفيه إضمار، تقديره: فيقال له: اقرأ كتابك . قال الحسن: يقرؤه أميا كان أو غير أمي، ولقد عدل عليك من جعلك حسيب نفسك .

وفي معنى " حسيبا " ثلاثة أقوال:

أحدها: محاسبا . والثاني: شاهدا . والثالث: كافيا، والمعنى: أن الإنسان يفوض إليه حسابه، ليعلم عدل الله بين العباد، ويرى وجوب حجة الله عليه واستحقاقه العقوبة، ويعلم أنه إن دخل الجنة فبفضل الله لا بعمله، وإن دخل النار فبذنبه . قال ابن الأنباري: وإنما قال: " حسيبا " ، والنفس مؤنثة ; لأنه يعني بالنفس: الشخص، أو لأنه لا علامة للتأنيث في لفظ النفس، فشبهت [ ص: 17 ] بالسماء والأرض . قال تعالى: السماء منفطر به [ المزمل: 18 ]، قال الشاعر:


[ فلا مزنة ودقت ودقها ] ولا أرض أبقل إبقالها

من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .

قوله تعالى: " من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه " ; أي: له ثواب اهتدائه، وعليه عقاب ضلاله .

قوله تعالى: " ولا تزر وازرة " ; أي: نفس وازرة . " وزر أخرى " قال ابن عباس: إن الوليد بن المغيرة قال: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم، فقال الله تعالى: " ولا تزر وازرة وزر أخرى " . قال أبو عبيدة: والمعنى: ولا تأثم آثمة إثم أخرى . قال الزجاج: يقال: وزر، يزر، فهو وازر، وزرا، ووزرا، ووزرة، ومعناه: أثم إثما .

وفي تأويل هذه الآية وجهان:

أحدهما: أن الآثم لا يؤخذ بذنب غيره .

والثاني: أنه لا ينبغي أن يعمل الإنسان بالإثم ; لأن غيره عمله كما [ ص: 18 ] قال الكفار: إنا وجدنا آباءنا على أمة [ الزخرف: 22 ] . ومعنى " حتى نبعث رسولا " ; أي: حتى نبين ما به نعذب، وما من أجله ندخل الجنة .

فصل

قال القاضي أبو يعلى: في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك لم يقطع عليه بالنار . قال: وقيل: معناه: أنه لا يعذب في ما طريقه السمع إلا بقيام حجة السمع من جهة الرسول، ولهذا قالوا: لو أسلم بعض أهل الحرب في دار الحرب ولم يسمع بالصلاة والزكاة ونحوها، لم يلزمه قضاء شيء منها ; لأنها لم تلزمه إلا بعد قيام حجة السمع، والأصل فيه قصة أهل قباء حين استداروا إلى الكعبة ولم يستأنفوا، ولو أسلم في دار الإسلام ولم يعلم بفرض الصلاة، فالواجب عليه القضاء ; لأنه قد رأى الناس يصلون في المساجد بأذان وإقامة، وذلك دعاء إليها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 52.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.18%)]