عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 28-09-2022, 03:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,550
الدولة : Egypt
افتراضي رد: لحظة التنوير وبيت القصيد في العمل الأدبي

لحظة التنوير وبيت القصيد في العمل الأدبي


محمد صادق عبدالعال



ومثال ثانٍ:


من قصة لي نشرت بشبكة الألوكة أيضًا، وأدرجتها ضمن كتابي "وتمرد القلم" بعنوان "الخليس":
(وجد حصيلة سبعين عامًا من عمره المنصرم سُكِبت على الأرض، فاختلطت الأعمار، والأبيض بالأسود، فصار (كالخليس)، قال مهدِّئًا من فاجعة نفسه: أوَما زال برأسي شعر أسود خالط آخر أبيض؟!)[3].

هنا تُؤخَذُ اللحظة التنويرية أو لحظة فك العقدة على مَحْملَيْنِ، وهما:
الأول: استيقاظ المُسنِّ على حقيقة مفزعة وجدها عيانًا بيانًا.
والثاني: وهو ما لم أتفضَّلْ به على قارئي الكريم، إنما هو لي ليتضح لي معنى كلمة (الخليس) لغويًّا، وكيف تم توظيفها.

ومثال ثالث للحظة التنوير في العمل القصصي في قصة (أمهات)، التي نشرت أيضًا بشبكة الألوكة:
"اختلست البنت نظرةً بخائنة الأعين لفتى أحلامها، فخالط الجزع قلبَها الغض، فعضَّت عليه بأنياب العقل، وقالت له:
وتلك هي أمي أيضًا، من سيدات المجتمع، لكنه المجتمع الآخر.
هربت عيناه ناحيةَ باب سيارته الجديدة التي أنَّت من تعاريج المكان"[4].

وفي تلك الحكاية اللحظة التنويرية قد وصلت لمرحلة النُّضْجِ التامِّ، حيث إن وصول الفتى إلى مقرِّ أم زميلته وانزعاجه بما رأى، وعينيه التي هربت ناحيةَ باب سيارته الجديدة - دليلٌ قاطع على فشل التوافق الطَّبقي في تلك الحالة؛ التي كشفت عن معدنَيْنِ؛ الأول: البنت التي ما أرادت خديعتَه، وكانت أكثرَ حزمًا وجدية في إيضاح الأمور؛ والثاني: الفتى الذي أحسَّ بأن سيارته قد أُهينت من تعاريج المكان الذي لم يَعْتَدِ المرور به؛ إذ لم يحس بذلك قبلَ وصوله، ثم اختزل في رأسه اعتبارات كثيرة تُبشِّر بفشل العلاقة المرتقبة.

ومثال رابع: من قصة (قصة نظرة)، التي تُشير لحالة إنسانيَّة منفردة، قد أرَّقت بطل القصة؛ ليتمنى أن يصبح الرجلَ العنكبوت الذي يستطيع الإتيان بالخوارق لخدمة المساكين والمغلوبين على أمرهم، مبتئسًا من انصراف الكثير عن نصرتهم.

ولعلَّ الفاجعة التي حدثت للفتى في رؤية صورة قديمة لفتًى عزيز عليها فراقُه، واكتراثها بها وضمها إلى صدرها؛ ربما كان هذا هو السبب الرئيس في بكائها في مطلع القصة؛ فاجتهد حتى ظفر بها من ذلك اللص النهاري.

(ابتسمت، ثم كانت المفاجأة حين أخرجت صورةً لفتًى بدا في العشرين أو يناهز، وكانت الصورة قديمة إبَّان (الأبيض والأسود) الممنوعين من الصرف الآن، وراحت تضمُّها لصدرها على غير استحياءٍ مني، فعلمت أنه من محارمِها؛ أمطرت حينها السماءُ على رأسي وحدي مطرَ الصيف)[5].

ومثال أخير من قصة قصيرة نشرت لي بشبكة الألوكة بعنوان: "المبصر والعمياوات"، تلكم القصة التي أردتُ فيها أن أنقُلَ حالةً ليست بفردية قدرَ ما هي عامة تشغل الشأن العام، ولا أبالغ إذا قلتُ: الشأن الأمني لهذه الأمة في ثروتها المعطلة، وهم شبابُها، فها هو الفتى يستيقظُ عن كَثَب، وينظر لهِرَّة تدلف لصغارها في سيارة مهشمة مركونة من زمن ترضعُهم.

ثم تأتي الصدمة التي حرَّكت في الفتى مشكلات شخصية تخصُّه، والفاجعة بمقتل الهرِّة المُعِيلة لهؤلاء الذين كُتب عليهم الموت جوعًا"، وهذا نص التنوير الصادم في القصة.

"بُهِت الفتى المستيقظ بهتًا، ثم أدار ناظرَه ناحيةَ الصغيرات التي لم تكن تدري أمُّهم الصريعة أنه الإفطار الأخير لهن.

ثم جلس يُفكِّر كيف يُمكِنُه أن ينقذ تلك الهِرَرة العمياوات من موت مُحقَّق، ولسان حاله يقول: ليتني لم أمحُ صفحةَ البخار التي نثرتها على زجاج النافذة، لكنه أدرَك حينها قيمة نعمة مسلوبة من غيره غير عابئ بها، ألا وهي البصر"[6].

ولعل جزئيَّة بهت الفتى بهتًا أول عتبة من عتبات الإفاقة التي بدأ الفتى ولوجَها.

وأقر أيضًا بخطأ في التصريح بالمسكوت عنه داخل النص بعبارة: "لكنه أدرك حينها قيمةَ نعمة مسلوبة من غيره غير عابئ بها، ألا وهي البصر"؛ ذلك أنه من موجبات الارتقاء بالنصِّ القصصي تركُ مساحة لفكر القارئ، يستكشف فيها مغزى القصة.

ونعرِّج لواحة الأدب الرفيعِ؛ الشعر وما فيه من أبيات، خلَّدت ذكرَ كاتبها، واستحقَّ بحق أن يكون له فيه بيت قصيد نُردِّده ما حَيينا؛ فإني أرى بيتَ القصيد ولحظة التنوير هذين في النصِّ هما البلغاء.

ثانيًا: الشعر:
ولحظة التنوير في القصيدة الشعرية، وهي ما تُسمَّى: "ببيت القصيد"، وجملة بيت القصيد تعني: البيت الذي حوله يحوم الكاتب والشاعر؛ وهو البيت الذي يُكثِّف فيه الشاعر فكرتَه، ويُلخِّص مقالته؛ فإن أحسن بناءه هان على المُستشعِر أيُّ خَلَل أو قصور، شريطةَ ألا يكون هناك عوج أو خروج عن البحر الشعري، وبنظرةٍ لُغويَّة للمصطلح، نَجِدُ بعضَ تعريفاته.

قصيد: (اسم)، الجمع: قصائد.
القصيد من الشعر: سبعة أبيات فأكثر.
القصيد: شعر مُجوَّد مُنقَّح.
بيت القصيد: الأمر المهم، خلاصةُ الموضوع، أحسن أبيات القصيدة وأنفسُها.

ولو أردنا أن نسرد بعض نماذج لأبيات شعر هي بيت القصيد في العمل الأدبي، لوجدنا أنها تتفاوت؛ فمثلًا في شعر الحكمة نجد أن غالبية أبيات القصيدة تجري مجرى الحكمة، أو هي الأبيات أو الفكرة التي يُعوِّل عليها الكاتب.

ونستهل الأبيات بأروعها وأعظمها التي قيلت في أعظم الخلق على الإطلاق سيدنا محمد:
فمَبْلغُ العلمِ فيه أنه بَشَرٌ ♦♦♦ وأنه خيرُ خلقِ اللهِ كلِّهِمُ

إلا أن هذا البيت أحسبه بيتَ القصيدِ؛ ففيه اجتمعت كلُّ الخلال والشيم الكريمة خَلقًا وخُلقًا لرسول الله، والإقرار ببشريَّة النبي الكريم، وبرغم ذلك فهو خير الخلق، ويكفيه شهادة التقدير العليا التي مُنِح إياها من رب العالمين: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

وقبل أن نُغادر ساحة البوصيري نذكر له بيتًا هو بيت القصيد، وذروةُ سنامِه، وهو قوله في وصف النفس البشرية:
والنفسُ كالطفلِ إن تهملْه شبَّ على ♦♦♦ حبِّ الرضاع وإن تَفطِمْه يَنْفَطِمِ[7]

ولقد طابق هذا البيت قول الشاعر العربي:
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبتَها ♦♦♦ وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ[8]

ولعل هذا التطابقَ في توارد الأفكار يَكشِفُ عن ثقافة دينية عالية لكلا الشاعرين.

ومثال آخر لهذا التطابق لشاعرَيْنِ بينهما باع وبونٌ شاسع من المساحة الزمنية، حيث قال قديمًا أبو العلاء المعرِّي في رثاء أحد أصحابه:
خَفِّفِ الوَطْء ما أظن أديم الْـ ♦♦♦ أرضِ إلا من هذه الأجسادِ[9]

قد وافقه الشاعر العراقي "جميل صدقي الزهاوي" حين قال:
أكثرُ التُّربِ عظامٌ ♦♦♦ من ضلوع وصدورِ...

ولشعراء آخرين لبيوتهم حِكَمٌ وفوائد وموعظة وبيان، نعدُّهم ممن يستحقُّون - وعن جدارة - ألا يُطوَى شعرهم، وأن يُخلَّدوا بكلماتهم الرائعة بسطور من نور الحكمة والمعرفة؛ ومثال لذلك من ديوان الإمام الشافعي رضي الله عنه بيت شعر في مستهلِّ قصيدته العصماء والمعنونة بـ: "دَعِ الأيام تفعل ما تشاء"، نُسجِّل له بكل فخر واعتزاز قولَه:

دَعِ الأيام تفعل ما تشاءُ
وطِبْ نفسًا إذا حكم القضاءُ

ولا تَجَزَعْ لحادثةِ الليالي
فما لحوادثِ الدنيا بقاءُ[10]


وأيضًا قولُه في قافيه الباء:
إذا اصفَرَّ لونُ المرء وابيضَّ شعرُه ♦♦♦ تنغَّص من أيامه مستطابُها[11]




يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 29-09-2022 الساعة 06:31 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.11 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.45 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (2.98%)]