
28-09-2022, 02:30 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة :
|
|
رد: المكان في ذاكرة الشاعر الجاهلي
المكان في ذاكرة الشاعر الجاهلي
كاتب أمين
التفت القدماء إلى أهمية المكان في الأدب وما يرتبط به من حنين وحب، فكتبوا كتبًا مهمة عن الموضوع، مثل المنازل والديار لأسامة بن منقذ، والحنين إلى الأوطان للجاحظ، ونسيم الصَّبا لابن حبيب الحلبي.
هذا النوع من كتب المكان واتصالها بالأدب لا يزال ملموسًا بتاريخيته وجغرافيته ومعجميته، ودراسات بعض المعاصرين، وذلك في مقابل منهج الشعرية الذي ينظر إلى المكان في الأدب بوصفه مكانًا أدبيًّا نفسيًّا خياليًّا؛ أي: بوصفه فضاءً شعريًّا وليس جغرافيًّا.
وإذا بدأنا من النقطة الأخيرة المتصلة بما كتبه القدماء عن المكان، والحنين، وصبا نجد، فسوف نرى أنهم - مثلهم مثل المحدَثين - توزعوا في الاهتمام بالموضوع بين البُعد الجغرافي عند أصحاب معاجم البلدان وكتب التراجم والتاريخ وكذا التفسير، وبعض كتب بعض النقاد وشُرَّاح الشعر من ناحية، وبين الوعي بالبعد الشعري في دلالة (المكان) وشعرية (الحنين) ورمزية الأسماء من ناحية أخرى.
وقد انتقل هذا البعد من القدماء إلى المحدثين بأنحاء مختلفة، وقد أضافوا إليه ما حصلوه من معرفة جاءت إليهم مع المناهج النقدية الأدبية الحديثة، سواء ما يتصل بالجانب الجغرافي، والبيئي، والتاريخي، أو ما يتصل بالجانب الفني الرمزي[14].
مما له علاقة بالمكان عنصر النبات الذي جاء في أماكن متعددة، ومن ذلك عند امرئ القيس؛ فهو يدلُّ على تمني الشاعر وجود الحياة في المكان، فقد ظهر عنصر النبات في المكان عنده من خلال قوله[15]:
ترى بَعَرَ الآرامِ في عَرَصاتها
وقِيعانها كأنَّه حَبُّ فُلْفُلِ 
كأنِّي غداةَ البَيْنِ يومَ تحمَّلوا
لدَى سَمُراتِ الحَيِّ ناقِفُ حَنْظَلِ 
والعنصر النباتي في المكان يتضح في: (حب فلفل)، (السمرات)، (حنظل)، وكلها عناصر نباتية، يعكس وجودها في المكان رغبة الشاعر العميقة في إسقاط معنى الحياة في المكان المقفِر، فكأن عنصر النبات في المكان لدى امرئ القيس هاجس عميق للإحساس بحياة تنبعث في المكان المقفِر الخالي، وصمت ديار عبلة وعدم تكلُّمها واستنطاق عنترة للمكان يعبِّر عن فقده لعنصر الحياة.
إن علاقة الإنسان بالمكان ليست علاقة سهلة، بل هي معقدة، خصوصًا عند الشاعر الجاهلي الذي كان يعيش على نظرية الموت والحياة، والأمل والتشاؤم، "فهناك أماكن جاذبة تساعدنا على الاستقرار، وأماكن طاردة تلفظنا، فالإنسان لا يحتاج فقط إلى مساحة فيزيقية جغرافية يعيش فيها، ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها بجذوره، وتتأصل فيها هويته"[16].
ومما لا شك فيه أن هناك أماكن يرفضها الإنسان عمومًا، والجاهلي خصوصًا، وأخرى يرغب فيها، "فكما أن البيئة تلفظ الإنسان أو تحتويه، فإن الإنسان - طبقًا لحاجته - ينتعش في بعض الأماكن، ويذبل في بعضها، وقد تكون نفس الأماكن جاذبة أو طاردة، فقد تكون الأماكن الضيقة المغلقة مرفوضة؛ لأنها صعبة الولوج، وقد تكون مطلوبة؛ لأنها تمثل الملجأ والحماية التي يأوي إليها الإنسان، بعيدًا عن صخب الحياة، وتكون صورة للرحم"[17]، ومن الأماكن التي كان يخافها الشاعر الجاهلي: الأماكن التي يسكنها الجن في الصحراء والفيافي والوديان ليلًا، والحيوانات المفترسة، وفي هذا يصف لنا امرؤ القيس وحدته وغربته في الليل بوادٍ مقفر يشبه جوف الحمار الوحشي، تتماثل إلى حد كبير مع حالة ذئب يعوي ويبحث عن قوته وطعامه، يقول امرؤ القيس:
ووادٍ كجوفِ العَيْر قَفْرٍ قطَعْتُه 
به الذئبُ يعوي كالخليعِ المُعيَّلِ[18] 
فقُلتُ له لَمَّا عوى: إن شأنَنا 
قليلُ الغِنى إن كنتَ لَمَّا تَمَوَّلِ 
كِلانا إذا ما نال شيئًا أفاتَه 
ومَن يَحْترِثْ حَرْثي وحرثَكَ يهزلِ[19] 
ما يمكن استنتاجه من هذا البحث القصير: أن للمكان دورًا مهمًّا في تكوين شخصية الشاعر الجاهلي، المضطربة بسبب الحياة القاسية، وخوفه من المجهول، وهذا ما نجده ماثلًا في المقدمة الطللية.
• ارتباط النفس الإنسانية بـ (المكان) ارتباطًا حتميًّا، لا انفكاك عنه، وارتباطًا نفسيًّا يدل على توق النفس إلى كل (مكانٍ) تركته.
• أصالة (المكان) في الشعر العربي، أصالةً جعلت من هذا (المكان) تقليدًا فنيًّا متعارفًا عليه في عموم القصيدة الجاهلية، تمثل ذلك في: (الوقوف على الأطلال)، تذكيرًا بـ (الأطلال النفسية)، المتمثلة في ضياع الأمل، أو ضياع الحبيب برحلته، ومغادرته للـ (مكان) الذي ألِفَ الشاعر لقاءه فيه، فلا أقل من: (الوقوف على الطلل)، إن هجره ساكنوه.
استمرار بروز (المكان) في الشعر العربي؛ فقد ظهر ذلك في أشعار: (الحنين إلى الأوطان)، و(مرابع) الأهل، و(مراتع) الصبا، و(أماكن) الذكريات الجميلة، و(الطبيعة) الخلابة.
[1] أحمد الأمين الشنقيطي، المعلقات العشر وأخبار شعرائها، دار النصر، ص62 - 63.
[2] المصدر نفسه، ص 160.
[3] المصدر نفسه، ص88 - 89.
[4] المصدر نفسه، ص75.
[5] فريد جحا: الحنين إلى الوطن في شعر المهجر، المطبعة العربية، حلب، سوريا، ط1، ص08.
[6] محمد السيد إسماعيل بناء (فضاء المكان) في القصة العربية القصيرة، نقد، الإمارات، الشارقة، دار الثقافة والإعلام، 2002، ص12.
[7] المرجع نفسه ص 12.
[8] غاستون باشلار، تر: غالب هلسا، جماليات المكان، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ص42.
[9] أحمد درويش: في نقد الشعر "الكلمة والمجهر"، دار الشروق، ط1، 1996، ص84.
[10] جريدي سليم المنصوري، شاعرية المكان، جدة: مطابع شركة دار العلم للطباعة والنشر، 1992هـ، ص9.
[11] عابد أمل مفرج، المكان في الشعر الجاهلي، الأردن، جامعة مؤتة، 1994، ص147.
[12] المصدر السابق، أحمد الأمين الشنقيطي، المعلقات العشر وأخبار شعرائها، 62.
[13] عبدالله رضوان، البنى الشعرية دراسات تطبيقية في الشعر العربي، عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2005 م، ص192.
[14] انظر: ستيتكيفيتش، ياروسلاف (1425هـ = 2004م)، نجد شعرية الحنين في النسب العربي الكلاسيكي، تر: حسن البنا عز الدين، الرياض: مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ص242.
[15] المصدر السابق، أحمد الأمين الشنقيطي، المعلقات العشر وأخبار شعرائها، 62.
[16] المصدر نفسه، ص83.
[17] دورية مشكلة المكان الفني، يوري لوثمان، تر: سيزا قاسم، ص83.
[18] ديوان امرئ القيس، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، مصر، 1984، ص61.
[19] المصدر نفسه، ص72.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|