التشبيه: تعريفه، أركانه، أقسامه، الغرض منه
أبو أنس أشرف بن يوسف بن حسن
(١) إذن التشبيه البليغ هو الذي حذفت فيه أداة التشبيه ووجه الشبه، تقول: محمد كالبحر في الكرم، فتجعله بليغًا، فتقول: محمد بحر، فهذا بليغ؛ لأنك بالغت في التشبيه، حتى جعلت الشبه نفس المشبَّه به.
وسيأتينا - إن شاء الله تعالى - أقسام أخرى، لكن المؤلف أراد أن يشير إشارة.
المبحث الثاني: في أقسام التشبيه:
ينقسم التشبيه باعتبار وجه الشبه إلى تمثيل وغير تمثيل.
فـالتمثيل ما كان وجهه منتزعًا من متعدد؛ كتشبيه الثريا بعنقود العنب المنور (1).
(١) التشبيه ينقسم باعتبار وجه الشبه إلى تمثيل وغير تمثيل، فإن كان مفردًا بمفرد فهو غير تمثيل، وإذا كان جمعًا بمفرد فهو غير تمثيل، وإذا كان مفردًا بجمع فتمثيل، أو جمعًا بجمع فتمثيل.
يقول المؤلف: فالتمثيل ما كان وجهه منتزعًا من متعدد؛ كتشبيه الثريا بعنقود العنب المنور.
الثريا: اسم نجم كعنقود العنب، وعنقود العنب معروف أنه عبارة عن حبات، متراص بعضها إلى بعض، فـالثريا كذلك.
فهذا تمثيل؛ لأنه مركب من الهيئة، ومن الحبات التي في الهيئة، والهيئة جرم هكذا، فيضم بعضه إلى بعض، والحبات متعددة، فيسمى هذا التشبيه تمثيلًا.
وغير التمثيل ما ليس كذلك؛ كتشبيه النجم بالدرهم (1).
(وينقسم) بهذا الاعتبار أيضًا إلى مفصل ومجمل:
(فالأول): ما ذكر فيه وجه الشبه، نحو:
وثغره في صفاء ♦♦♦ وأدمعي كاللآلي (2)
(والثاني): ما ليس كذلك، نحو: النحو في الكلام كالمِلح في الطعام (3).
(١) مثال غير التمثيل: تشبيه النجم بالدرهم، وتشبيه حصى الجمار بحب الباقلاء "نبت يشبه الفول".
(٢) قوله: في صفاء: هذا وجه الشبه.
وقوله: كاللآلي، هذا المشبه به[4].
(٣) فوجه الشبه في هذا المثال محذوف، وتقديره: النحو في الكلام كالملح في الطعام، في تقويمه وتهذيبه وطعمه[5].
ومثال ذلك أيضًا: أن تقول: فلان كالبحر، هذا تشبيه مجمل؛ لأنه حذف فيه وجه الشبه.
فإذا قلت: فلان كالبحر في الكرم، فهو مفصل؛ لأنه ذكر فيه وجه الشبه.
(وينقسم) باعتبار أداته إلى مؤكد، وهو ما حذفت أداته، نحو:
هو بحر في الجود.
ومرسل، وهو ما ليس كذلك، نحو: هو كالبحر كرمًا (1).
ومن المؤكد ما أضيف فيه المشبه به إلى المشبه، نحو:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ♦♦♦ ذهَبُ الأصيل على لُجَين الماء (2).
(١) إذن: الآن عرفنا أنه إذا وجد الطرفان (المشبه والمشبه به)، وحذفت الأداة ووجه الشبه، فهو بليغ، وإذا حذف وجه الشبه وبقيت الأداة فهو مجمل ومرسل، وإذا حذفت الأداة وبقي وجه الشبه فهو مؤكد مفصل، وإن وجد الجميع فهو ضعيف، يقال: إنه مرسل ومفصل.
(٢) الشاهد: قوله: ذهب الأصيل؛ لأن الأصيل - الذي هو آخر النهار - يكون أصفر كالذهب.
وفيه شاهد آخر، وهو قوله: على لجين الماء.
والمعنى: على ماء كاللجين، وعلى أصيل كالذهب.
فـالتشبيه هنا مؤكد؛ لأنه أضيف فيه المشبه به إلى المشبه.
المشبه به في (ذهب الأصيل): الذهب.
والمشبه: الأصيل؛ لأن الأصيل تصفر به الشمس، فتكون كالذهب.
والمشبه به في (على لجين الماء): اللجين، واللُّجَين الفضة.
والمشبه: الماء.
والمعنى: على ماء كاللجين.
المبحث الثالث: في أغراض التشبيه:
الغرض من التشبيه:
إما بيان إمكان المشبه، نحو:
فإن تفُقِ الأنام وأنت منهم ♦♦♦ فإن المِسكَ بعض دم الغزال
فإنه لما ادعى أن الممدوح مباينٌ لأصله؛ لخصائص جعلته حقيقة منفردة - احتج على إمكان دعواه بتشبيهه بالمسك، الذي أصله دم الغزال (1).
(١) أولًا: لا بد أن نسأل: هل هذا تشبيه؟ وما الذي به من التشبيه؟ وهو خالٍ من أداة تشبيه، ومن وجه شبه؟
الجواب: أنه تشبيه، ويسمى هذا النوع من التشبيه: التشبيه الضمني؛ لأنه خلا من أدوات التشبيه.
قوله: فإن تفُقِ الأنام وأنت منهم، يخاطب الممدوح، يقول: إن كنت أعلى من الأنام، وأنت منهم - من مادتهم، من تراب، ثم من نطفة - فإن ذلك ممكن.
ودليل الإمكان: أن المسك بعض دم الغزال، ومعلوم الفرق بين الدم وبين المسك، مع أنه أصله.
يقال: إن هناك غزلان معينة، تسمى غزال المسك، يمرِّنونها على رياضات معينة، ثم ينفتح في بطنها سرة، ويحكمون عزل هذه السرة عن بقية البدن بخيط، يربطونها به جيدًا؛ حتى لا يصل إليها الدم، وبعد مدة تيبس وتنفصل.
وهذا الدم الذي يكون فيها هو المسك، وهو من أنواع الطيب، مع أن أصل هذا المسك هو الدم، ومع ذلك صار طيبًا، لا نظير له.
وهنا يقول: أنت أيضًا أيها المخاطب من الأنام؛ من تراب، ثم من نطفة، ولكنك تفوقهم كما يفوق المسك دم الغزال.
وإما بيان حاله؛ كما في قوله:
كأنك شمس والملوك كواكب ♦♦♦ إذا طلعت لم يبدُ منهن كوكب (1)
يتبع