زيني زاده: حياته وآثاره العلمية
أ. رضا جمال
3- السلطان الغازي محمود خان الأول (1108هـ - 1168هـ):
وهو ثاني سلطان من حيث الأهميَّةُ في حياة زيني زاده؛ إذ قضى زيني زاده في عصره آخر مرحلة في شبابه، ومرحلة كهولته كلها، وبقي إلى شيخوخته، وتُوفي السلطان محمود في العام نفسه الذي توفي فيه زيني زاده. وممَّا يوضح أيضًا أثر السلطان محمود خان في زيني زاده أن زيني زاده كان يهدي إليه كتبه، ويثني عليه في أوائلها، ومنها كتابه "الفوائد الشافية"، وهو الكتاب الذي تتناوله هذه الدراسة؛ فقد جاء في كثير من نُسخ الكتاب المخطوطة: "والثناء للخليفة السُّلطان محمود خان، المصطفى والمجتبى من آل عثمان" [3].
والسلطان محمود هو ابن السلطان مصطفى الثاني، وقد لد في 4 محرم سنة 1108هـ - 3 أغسطس سنة 1696م، وفي أول توليه للخلافة لم يكن له منها إلَّا الاسم فقط، إلى أن استتبَّ الأمن، وتوطَّد له الأمر، وفي عهده حصلت عِدَّة معاهدات، من ذلك:
(معاهدة بلغراد)، وكانت هذه المعاهدة بعد الحرب بين الدولة العثمانية وروسيا بسبب مملكة بولونيا، وتغلب روسيا على ستانسلاس واحتلال جنودها لمملكة بولونيا بأسرها، بينما وزراء الدولة العثمانية لاهون عن نتائج هذه السياسة الوخيمة التي ربما كانت السبب في وصول الدولة إلى ما وصلت إليه من الضعف والتفكك بعد ذلك. وقد تدخَّلت النمسا؛ لإفشال تحالف فرنسا مع الدولة العثمانية، فأبرمت مع فرنسا معاهدة ويانة في سنة 1735م إرضاء لها، وأخذت في التأهب والاستعداد للاشتراك مع روسيا لمحاربة الدولة العثمانية، وكان من حسن حظ الدولة العثمانية آنذاك أن المتقلد لمنصب الصدارة رجل محنَّك اشتهر بحسن السياسة وسمو الإدراك، وهو الحاج محمد باشا؛ فلم يغفل طرفة عين عن جمع الجيوش وتجهيز المعدات حتى أمكنه في أقرب وقت إيقاف تقدم الروس، ومن جهة أخرى انتصرت الجيوش العثمانية على جيوش النمسا التي أغارت على بلاد البوسنة والصرب والفلاخ، فانتصر المسلمون في الصرب وأجبروا النمساويين على الجلاء عنها والتقهقر إلى ما وراء نهر الدانوب في سنة 1737م، وتتابعت انتصارات الدولة العثمانية بعدما نسيت النصر والفوز على، الأعداء، فطلبت النمسا الصلح فتم الصلح بينهما وبين روسيا في 14 جمادى الآخرة سنة 1152هـ - 18 سبتمبر سنة 1739م.
وينص هذا الصلح على أن تتنازل النمسا للدولة العلية عن مدينة بلغراد وما أُعطي لها من بلاد الصرب والفلاخ بمقتضى معاهدة بسارو فتس، وتعهدت قيصرة روسيا حنة بهدم قلاع ميناء آزاق وعدم تجديدها في المستقبل وبعدم إنشاء سفن حربية أو تجارية بالبحر الأسود أو ببحر آزاق، بل تكون تجارتها على مراكب أجنبية، وبأن ترد للدولة العثمانيَّة كل ما فتحته من الأقاليم والبلدان، وسميت هذه المعاهدة (معاهدة بلغراد)، وانتهت هذه الحرب باسترداد جزء عظيم ممَّا فقدته الدولة العثمانيَّة من ممالكها بمقتضى معاهدة كارلوفتس بضعف وعدم كفاءة.
ومنها المعاهدة التي أبرمتها الدولة مع السويد، وهي عبارة عن عقد محالفة هجوم ودفاع ضد روسيا في سنة 1740م.
وفي عهده حصلت الحرب الشهيرة بين فرنسا والنمسا المعروفة في التاريخ بمحاربة إرث ملك النمسا التي استمرت عدة سنين، بعد موت شارل السادس إمبراطور النمسا في 20 من شهر أكتوبر سنة 1740، وتولي ابنته ماريه تيريزه الحكم بعده، وانتهت بفوز ماريه تريزه على فرنسا. ثم أظهرت فرنسا للدولة العلية فوائد اتحادها معها على محاربة النمسا، وعرضت عليها احتلال بلاد المجر واسترجاعها إلى أملاكها بحيث ترجع الدولة إلى ما كانت عليه من الاتساع أيام سليمان الأول القانوني، وتقاوم روسيا بعد ذلك وتقف في طريق تقدمها، وكانت هذه فرصة لم تتجدد بعد، حتى وإن كانت صادرة من فرنسا بسبب ما بينها وبين النمسا، ولكن لم تصغِ الدولة إلى هذه النصائح حبًّا في السلم وعدم إراقة دماء العباد والاشتغال بالإصلاحات الداخلية، وكتبت إلى الدول ذات الشأن تدعوهم للتصالح، وهذه سياسة شريفة إلا أنها كانت في ذلك الوقت من الغلطات المهمة التي عادت على الدولة بوخيم العواقب؛ لأنها أضاعت فرصة لو انتهزتها لفازت بالقدح المعلَّى، واسترجعت ما ضاع منها مِن بلدان بدون كثير عناء.
وفي يوم الجمعة 27 صفر سنة 1168 - 13 ديسمبر سنة 1754 توفي السلطان محمود الأول بالغًا من العمر ستين سنة، مأسوفًا عليه من جميع العثمانيِّين؛ لاتصافه بالعدل والحلم، وميله للمساواة بين جميع رعاياه بدون نظر لفئة دون أخرى، وكانت مدة حُكمه 25 سنة، وفي أيَّامه السعيدة اتَّسع نطاق الدولة بآسيا وأوروبا، ومَحت معاهدة بلغراد ما لحِق بالدولة من العار؛ بسبب معاهدة كارلوفتس.
ومن الآثار العلمية المهمَّة في عهد السلطان محمود:
تأسيس أربع كتبخانات (دُور كتب)، ألحقها بجوامع آيا صوفيا، ومحمد الفاتح، والوالدة، وغلطه سراي. والكتبخانة تعني دار الكتب، والمكتبة العامَّة التي تجمع كتب العلوم المختلفة، ونفائس التآليف ودررها، ولعلَّ وجود هذه الكتبخانات الكثيرة المليئة بالكتب النفيسة في شتى العلوم، يُفسِّر لنا كثرة المصادر التي اعتمَد عليها زيني زاده في إعرابه للكافية[4].
4 - السلطان الغازي عثمان خان الثاني (1110هـ - 1171 هـ):
لم تطلْ مدة مكوث زيني زاده في حياة هذا السلطان؛ إذ تُوفِّي في العام الذي تولى فيه الخلافة، على أنه كتَب له نسخة من كتابه "الفوائد الشافية"، وأثنى عليه فيها، وهي التي ترجَّح أنها الإبرازةُ الأخيرة من الكتاب، كما سيأتي التدليل على ذلك في الحديث عن نُسخ الكتاب[5].
وأيضًا لم تطُل مدَّة خلافة السلطان عثمان خان، مثلما طالت مدة خلافة السلطان أحمد ومحمود خان؛ إذ وافتْه المنيَّة بعد حوالي أربع سنوات من توليه الخلافة.
وقد وُلِد هذا السلطان في سنة 1110 هـ - 1696 م، وبعد أن تقلَّد السيف في جامع أبي أيُّوب الأنصاري على حسب العادة القديمة، وأبقى كبار الموظِّفين في وظائفهم، عيَّن في منصب الصدارة العظمى نشانجي علي باشا بدلَ محمد سعيد باشا الذي سبق تعيينه صدرًا، فاعتمد علي باشا هذا على ميل السلطان إليه، وسار في طريق غير حميد حتى أهاج ضده الأهالي، ولما تحقق السلطان من ذلك بنفسه، أمَر بقتْله جزاءً له، ووضع رأسه في صحن من الفضة على باب السراي عبرة لغيره، فقتل في 16 محرم سنة 1169 هـ - 22 أكتوبر سنة 1755 م وعيّن مكانه مصطفى باشا، ثم عزله في 20 ربيع الأول سنة 1170 هـ 13 - ديسمبر 1756 م، وعين مكانه محمد راغب باشا الشهير، وكان من فحول الرجال الذين تقلَّبوا في المناصب على اختلافها.
وكان لهذا السلطان عادة حسنة جدًّا، وهي أنه كان يمرُّ ليلًا في الشوارع والأزقة متنكِّرًا؛ لتفقُّد أحوال الرعية، والوقوف على حقيقة أحوالهم بنفسه؛ ليقفَ بذلك على ما يرتكبه وزراؤه وعُمَّاله بحق الرعية، وهذا ما حدَث مع صاحب الصَّدارة العظمى نشانجي علي باشا؛ إذ سمع أثناء تجواله بما يرتكبه وزيرُه من أنواع المظالم والمغارم، فأمَر بقتله - كما سبق.
كما تميَّز بخبرته السياسيَّة وحِنكته، وكان ممَّا زاده خبرة في أمور السِّياسة الأوروبية، وزاده اطلاعًا على دقائقها، أنه كان مباشرًا لتحرير (معاهدة بلغراد) بصفة (مكتوبجي أمين سر ولاية)، وأيضًا اطلاعه على المخابرات التي دارت بين الدولة والدول ذات الشأن كافة، للوصول إلى إبرامها.
ويظهر من إهداء زيني زاده نسخة من كتابه "الفوائد الشافية" للسلطان عثمان خان، وثنائه عليه، أنَّه كان من المهتمِّين بالعلم وأهله.
تُوفِّي السلطان عثمان الثالث في 16 صفر سنة 1171 هـ 30 أكتوبر سنة 1757م، وكانت مدة حكمه 3 سنين و 11 شهرًا، وعُمره سِتُّون سَنة.
[1] ينظر: "تاريخ الدولة العلية العثمانية" لمحمد فريد بك المحامي، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1401 هـ - 1981م، (ص: 308 - 328)، و"تاريخ الدولة العثمانية" تحقيق: محمود الأنصاري، مؤسسة فيصل للتمويل – تركيا، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م، (1/ 541).
[2] ذكر العلامة الطناحي في كتابه "مدخل إلى تاريخ نشر التراث" (ص: 28): (أما في الشرق فكانت الآستانة عاصمةُ الخلافة الإسلامية، أسبقَ مدن الشرق إلى الطباعة، ... وتعددت المطابع في الآستانة، فكان أشهرها مطبعة الجوائب، لأحمد فارس الشدياق، وقد نشر في هذه المطبعة إلى جانب صحيفة الجوائب طائفة صالحة من الكتب العربية)، ثم ذكر في الهامش ترجمة أحمد فارس الشدياق، وذكر أنه أنشأ مطبعة الجوائب وأصدر صحيفتها سنة 1277هـ، وطبع فيها كثيرًا من كتبه وكتب غيره، ومن أشهر كتبه: الجاسوس على القاموس. وتاريخ هذه المطبعة متأخر جدًّا عن عصر الخليفة أحمد خان، يبلغ حوالي قرن من الزمن.
[3] انظر قسم التحقيق (ص: 34) حيث وضحت أن زيني زاده كتب كتابه هذا أكثر من مرة، وأهداه إلى خليفتين، ووضحت أن النسخة التي تعد الإبرازة الأخيرة للكتاب هي النسخة التي أهداها للخليفة عثمان خان، وهو أخو السلطان محمود الأول، ولد 1110هـ، وجلس على كرسي الخلافة سنة 1168هـ؛ ولذلك اعتمدتها الأصل من بين النسخ.
[4] ينظر: مبحث مصادر زيني زاده في إعراب الكافية: (ص: 72) من قسم التحقيق.
[5] ينظر: (ص: 133) من قسم التحقيق.