عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-09-2022, 09:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: بيني وبين جبران خليل جبران

بيني وبين جبران خليل جبران


ربيع بن المدني السملالي



ويقول:



كان مُغرِقًا في الخيال، مُغاليًا في التمرد، شديدًا في مُناوَأة التقليد والمقلِّدين، حريصًا على الظهور بمظهر الحكيم الزاهد الذي يأخذ باللُّباب وينبذ القشور، فلا يهتم بالبيان المتأنِّق، أو بقواعد اللغة التي وضَعها سيبويه، وغيره من النحاة، فالشاعر في نظَره: "ذلك المتعبِّد الذي يَدخل هيكلَ نفسه، فيجثو باكيًا فرِحًا، نادِبًا مهلِّلًا، مُصغيًا مُناجيًا، ثم يَخرج وبين شفتَيه ولسانه أسماءٌ وأفعال وحروف واشتقاقات جديدةٌ لأشكال عبادته التي تتجدَّد في كل يوم"!



ومن الجليِّ أن هذا المزيج العجيب مما يَصعُب فَهمُه على الناس، ولا سيما حين يَدعو إلى التجديد، ويتَراءى بهذا الزيِّ الذي لا يألفه أحد.



وكان (عباس محمود العقاد) قد عرَض في فصلٍ نقدي لشِعر جبران، حتى إذا وصَل إلى قوله:

هل تحمَّمتَ بعِطرٍ ♦♦♦ وتنَشَّفتَ بنورِ



أشار إلى أن (تحمَّم) خطأٌ لغوي، والصواب (استَحمَّ).



وسرَت على الأثر (شائعةٌ) لم يكن في الإمكان تدارُكُ سرَيانها، وخلاصتها أنَّ جبران لا يأبَهُ باللغة ولا يحترمُ قواعدها.



ثم زاد في انتشار هذه الإشاعةِ مقالةٌ كتبها (أمين نخلة) - أديب العرب - أجاب فيها عن سؤالٍ طرَحه عليه (قارئٌ كويتي) حول رأيه في جبران، حيث قال: "إنَّ رأيي في جبران لا يُرضي خاطرك ولا خاطرَ المتأدبين الناشئين"، وتابع: "وبحَسْبِك مني الآن أن أذكُر لك أن الرجل في الجملةِ كاتبٌ لطيف التفكير، لطيف الخيال، لطيف الحاشية، إلا أنه لا يمتُّ إلى بَيان العرب وقواعدِ لسانهم بسببٍ متين"[3].



يقول (حنا الفاخوري) - وهو مسيحي؛ حتى لا يتَّهِمنا أحدٌ أننا لا ننقل إلا عن الكتَّاب والنقَّاد المسلمين -: وهكذا تَرى جبران في كتبه (الأجنحة المتكسرة) و(الأرواح المتمردة) و(المواكب) و(العواصف) - يَحمِل مِعوَل الهدم في ثورةٍ انفعالية شديدة!



قال ربيع: لذلك نجده يقول في كتابه العواصف: أنا متطرفٌ حتَّى الجنون، أَميل إلى الهدم مَيلي إلى البناء، وفي قلبي كرهٌ لما يقدِّسه الناس، وحبٌّ لما يأبَوْنه، ولو كان بإمكاني استئصالُ عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم، لَمَا تردَّدتُ دقيقة[4]!



وقال (حنا الفاخوري) في موضع آخر:

رأى جبرانُ في المجتمع عيوبًا، ورأى خرافات كثيرةً تعمي بصائرَ كثير من الناس، ورأى في الشعب تقاليدَ ضيقة، ولم يَرُقْه استئثار الكثيرين من أغنياء الأرض بالخيرات، واتخاذُ الكثيرين من رؤسائها وأربابها السلطةَ والزعامة ذريعةً للظلم والاستبداد! وكان رجلًا شهوانيًّا، وكان - على حد قول الأستاذ مارون عبود - "الحبُّ الإنساني المادِّي أنشودةَ جبران، وحبُّ اللحم والعظم هو القطب الجبرانيَّ، وعليه تَدور رَحاه الطاحنة"!



فاصطدمَت شهوته ونزعاته المادية بالسلطة وبالآداب العامة، فثار فيه ثائرُ السخط وأراد التحرُّر، وامتزج حبه لذاته بحبه لبلاده التي أراد لها الحرية، ورأى حريتها مِن خلال ثورته وثورةِ شهواته.



وهكذا كانت الأثَرةُ والشهوة أساسَ اجتماعيات جبران؛ ولهذا امتزجَت آراؤه الصائبةُ بأضاليلَ كثيرة، ولم يَلزم حدَّ الرصانة في أقواله، ولم يَنحُ منحى التعمق العلميِّ الهادئ! وقد صبغ أقواله بأصباغٍ زاهية مِن صنع الخيال والعاطفة، فاستمال بهذه الألوان البراقة القلوبَ الضعيفة، وغذى أميالها.



لقد أنكر جبرانُ جميعَ الديانات، وإن كتَب أحيانًا عن المسيح صفحاتٍ رائعة! ويسوعُ جبرانَ يختلف تمامًا عن يسوعِ الإنجيل؛ فمسيحُ جبران هو رجلٌ كسائر الرجال، هو شاعرٌ على مِثال جبران، رجلُ عاطفة وأحلام، لا فرق عنده بين الخير والشرِّ، والكفرِ والإيمان؛ وكانت آلهته كثيرة، إلا أنه لم يجعَل بينَها لله الحقيقيِّ محلًّا، بل كان هو ربَّ نفسه؛ فقال: (أنا رب نفسي)! فعبَد ذاته وأهواءه، وتعبَّد لحبِّ المرأة.



أما الحياة الأخرى فقد قال فيها أقوالًا غامضة متناقضة، واتبع مذهبَ التقمُّص! وهو مع كل ذلك يُظهر أحيانًا دينًا، ويُرسل الأقوال الصوفيَّة؛ "وما إغراقه في الصوفية - على ما قال الأستاذ مارون عبود - إلا رجاءَ الخلود في حِضْن المادَّة، والتنقل من حال إلى حال؛ ليظلَّ يتمتع بمباهج الحياة وملذَّاتها".




وفي سنة 1931م قَضى عليه داءُ السل بعد حياة مليئة بالكفر والإلحاد، واندفاعٍ وراء الشهوات الجسدية، وقد قال مخاطبًا نفسه: "لقد نحَرتَ حبَّك على مذبح شهوتك يا جُبران! أنت مصاب بداء الكلام يا جبران! ولأنك تخجل من كل ما فيك من ضعف بشريٍّ تَعكف عليه فتستره بحُلَّة الكلام الجميل والألوان البهجة، والكلام الجميل لا يَرفع الشَّناعة إلى مستوى الجمال، والألوان البهجة لا تَصبغ الضعفَ قوة، وقولك: إن الحب هو الله لا يجعل الشهوةَ الجسدية إلهًا، ولا اللذة الحيوانية ناموسَ الحياة"[5].



قال ربيع: هذا هو جبران باختصار، الذي كنت أعيش في أحضان كتبه بإعجابٍ وحب، هذا الذي كان عقلي الصغيرُ يقف حائرًا أمام عباراته الكفرية والإلحادية والشِّركية؛ كتمثال لا يجد لسانًا يعبِّر به عما يضطرب في دواخله إزاء هذا الضَّياع، هذا الذي أنفقتُ عليه أيامًا من عمر صَبْوتي التي ما إخالُها إلا ضاعت في بِرْكة أفكاره المتَّسخة سبَهْللًا.



وإني أحمدُ الله الذي أنقذني وأحسَن إليَّ الإحسانَ كلَّه، ولم يتركني فريسةً لأدبه الإلحاديِّ أسبِّح بحمده بكرةً وأصيلًا! وإني لأَكتب هذه الكلمات حتَّى لا يُدرك القارئَ المبتدئَ من الشقاء والحيرة والشك والاضطراب ما أدركني وأنا في بداية إقبالي على الكتب، والقراءةِ والعلم، والأدبِ والفكر.



ودامت لكم المَسرَّات..





[1] النظرات، ص 143، 144 - ط العلمية.



[2] كتاب إعادة النظر في كتابات العصريين في ضوء الإسلام، 166 - 168، بواسطة كتاب نظرات شرعية في فكر منحرف؛ للخراشي، (1/ 28) - ط روافد.



[3] معارك أدبية قديمة ومعاصرة ص 171، 172 - ط دار العلم للملايين.



[4] نقلًا عن: نظرات شرعية في فكر منحرف، ج 1، ص 31.



[5] تاريخ الأدب العربي، ص 1095؛ لحنا فاخوري - طبعة منشورات المكتبة البولسية.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.17 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]