عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 26-09-2022, 02:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,807
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (173)
صــــــــــ 201 الى صـــــــــــ207





( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : ومن قلت ينبذ إليه [ ص: 201 ] أبلغه مأمنه وإبلاغه مأمنه أن يمنعه من المسلمين والمعاهدين ما كان في بلاد الإسلام ، أو حيث يتصل ببلاد الإسلام وسواء قرب ذلك أم بعد .

( قال الشافعي ) ثم أبلغه مأمنه : يعني والله تعالى أعلم منك أو ممن يقتله على دينك ممن يطيعك لا أمانه من غيرك من عدوك وعدوه الذي لا يأمنه ، ولا يطيعك ، فإذا أبلغه الإمام أدنى بلاد المشركين شيئا ، فقد أبلغه مأمنه الذي كلف إذا أخرجه سالما من أهل الإسلام ومن يجري عليه حكم الإسلام من أهل عهدهم فإن قطع به بلادنا ، وهو أهل الجزية كلف المشي ورد إلا أن يقيم على إعطاء الجزية قبل منه ، وإن كان ممن لا يجوز فيه الجزية يكلف المشي ، أو حمل ، ولم يقر ببلاد الإسلام وألحق بمأمنه ، وإن كانت عشيرته التي يأمن فيها بعيدة فأراد أن يبلغ أبعد منها لم يكن ذلك على الإمام ، وإن كان له مأمنان فعلى الإمام إلحاقه بحيث كان يسكن منهما ، وإن كان له بلدا شرك كان يسكنهما معا ألحقه الإمام بأيهما شاء الإمام ، ومتى سأل أن يجيره حتى يسمع كلام الله ثم يبلغه مأمنه وغيره من المشركين كان ذلك فرضا على الإمام ، ولو لم يجاوز به موضعه الذي استأمنه منه رجوت أن يسعه .
مهادنة من يقوى على قتاله .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا سأل قوم من المشركين مهادنة فللإمام مهادنتهم على النظر للمسلمين رجاء أن يسلموا أو يعطوا الجزية بلا مؤنة وليس له مهادنتهم إذا لم يكن في ذلك نظر وليس له مهادنتهم على النظر على غير الجزية أكثر من أربعة أشهر لقول الله عز وجل { براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين } إلى قوله { أن الله بريء من المشركين ورسوله } الآية وما بعدها .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى { لما قوي أهل الإسلام أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك { براءة من الله ورسوله } فأرسل بهذه الآيات مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقرأها على الناس في الموسم وكان فرضا أن لا يعطي لأحد مدة بعد هذه الآيات إلا أربعة أشهر } ; لأنها الغاية التي فرضها الله عز وجل قال : { وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بن أمية بعد فتح مكة بسنين أربعة أشهر } لم أعلمه زاد أحدا بعد أن قوي المسلمون على أربعة أشهر .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فقيل : كان الذين عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم قوما موادعين إلى غير مدة معلومة فجعلها الله عز وجل أربعة أشهر ثم جعلها رسوله كذلك وأمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في قوم عاهدهم إلى مدة قبل نزول الآية أن يتم إليهم عهدهم إلى مدتهم ما استقاموا له ومن خاف منه خيانة نبذ إليه فلم يجز أن يستأنف مدة بعد نزول الآية وبالمسلمين قوة إلى أكثر من أربعة أشهر لما وصفت من فرض الله عز وجل فيهم وما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ولا أعرف كم كانت مدة النبي صلى الله عليه وسلم ومدة من أمر أن يتم إليه عهده إلى مدته قال ويجعل الإمام المدة إلى أقل من أربعة أشهر إن رأى ذلك وليس بلازم له أن يهادن بحال إلا على النظر للمسلمين ويبين لمن هادن ويجوز له في النظر لمن رجا إسلامه ، وإن تكن له شوكة أن يعطيه مدة أربعة أشهر إذا خاف إن لم يفعل أن يلحق بالمشركين ، وإن ظهر على بلاده ، فقد صنع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بصفوان حين خرج هاربا إلى اليمن من الإسلام ثم [ ص: 202 ] أنعم الله عز وجل عليه بالإسلام من قبل أن تأتي مدته ومدته أشهر .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فإن جعل الإمام لمن قلت ليس له أن يجعل له مدة أكثر من أربعة أشهر فعليه أن ينبذ إليه لما وصفت من أن ذلك لا يجوز له ويوفيه المدة إلى أربعة أشهر لا يزيده عليها ، وليس له إذا كانت مدة أكثر من أربعة أشهر أن يقول لا أفي لك بأربعة أشهر ; لأن الفساد إنما هو فيما جاوز الأربعة الأشهر .
جماع الهدنة على أن يرد الإمام من جاء بلده مسلما ، أو مشركا .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : ذكر عدد من أهل العلم بالمغازي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هادن قريشا عام الحديبية على أن يأمن بعضهم بعضا وأن من جاء قريشا من المسلمين مرتدا لم يردوه عليه ومن جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة منهم رده عليهم ، ولم يعطهم أن يرد عليهم من خرج منهم مسلما إلى غير المدينة في بلاد الإسلام والشرك ، وإن كان قادرا عليه } ، ولم يذكر أحد منهم أنه أعطاهم في مسلم غير أهل مكة شيئا من هذا الشرط وذكروا أنه أنزل عليه في مهادنتهم { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } فقال بعض المفسرين : قضينا لك قضاء مبينا فتم الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة على هذا حتى جاءته أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة فنسخ الله عز وجل الصلح في النساء وأنزل الله تبارك وتعالى { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } الآية كلها وما بعدها .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : ويجوز للإمام من هذا ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل في الرجال دون النساء ; لأن الله عز وجل نسخ رد النساء إن كن في الصلح ومنع أن يرددن بكل حال ، فإذا صالح الإمام على مثل ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية صالح على أن لا يمنع الرجال دون النساء للرجال من أهل دار الحرب إذا جاء أحد من رجال أهل دار الحرب إلى منزل الإمام نفسه وجاء من يطلبه من أوليائه خلى بينه وبينهم بأن لا يمنعه من الذهاب به وأشار على من أسلم أن لا يأتي منزله وأن يذهب في الأرض ، فإن أرض الله عز وجل واسعة فيها مراغم كثيرة ، وقد { كان أبو بصير لحق بالعيص مسلما ولحقت به جماعة من المسلمين فطلبوهم من النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما أعطيناكم أن لا نؤيهم ثم لا نمنعكم منهم إذا جئتم ونتركهم ينالون من المشركين ما شاءوا } .

( قال الشافعي ) رحمه الله وإذا صالح الإمام على أن يبعث إليهم بمن كان يقدر على بعثه منهم ممن لم يأته لم يجز الصلح ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث إليهم منهم بأحد ، ولم يأمر أبا بصير ، ولا أصحابه بإتيانهم ، وهو يقدر على ذلك ، وإنما معنى رددناه إليكم لم نمنعه كما نمنع غيره ، وإذا صالحهم على أن لا يمنعهم من نساء مسلمات جئنه لم يجز الصلح وعليه منعهم منهن ; لأنهن إن لم يكن دخلن في الصلح بالحديبية فليس له أن يصالح على هذا فيهن ، وإن كن دخلن فيه ، فقد حكم الله عز وجل أن لا ترجعوهن إلى الكفار ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاءه من النساء وهكذا من جاءه من معتوه ، أو صبي هاربا منهم لم تكن له التخلية بينه وبينهم ; لأنهما يجامعان النساء في أن لا يمنعا معا ويزيدان على النساء أن لا يعرفا ثوابا في أن ينال منهما المشركون شيئا ، ولا يرد إليهم في صبي ، ولا في معتوه شيئا كما لا يرد إليهم في النساء غير المتزوجات شيئا ; لأن الرد إنما هو في المتزوجات .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ومن جاءه من عبيدهم مسلما لم يرده إليهم وأعتقه [ ص: 203 ] بخروجه إليه ، وفي إعطائهم القيمة قولان أحدهما أن يعطوها ذكرا ، أو أنثى ; لأن رقيقهم ليس منهم ولهم حرمة الإسلام . فإن قال : قائل فكيف لا يكون منهم ؟ قيل : فإن الله عز وجل يقول { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فلم يختلف المسلمون أنها على الأحرار دون المماليك ذوي العدل ، ولا يقال : لرقيق الرجل هم منك إنما يقال هم مالك ، وإنما يرد عليهم القيمة بأنهم إذا صولحوا أمنوا على أموالهم ولهم أمان فلما حكم الله عز وجل بأن يرد نفقة الزوجة ; لأنها فائتة حكم بأن يرد قيمة المملوك ; لأنه فائت . وما رددنا عليهم فيه من النفقة . قلنا أن نأخذ منهم إذا فات المسلمين إليهم مثله وما لم نعطهم فيه شيئا من الأحرار الرجال ، أو غير ذوات الأزواج لم نأخذ منهم شيئا إذا فات المسلمين إليهم مثله ; لأن الله عز وجل إنما حكم بأن يرد إليهم العوض في الموضع الذي حكم للمسلمين بأن يأخذوا منهم مثله .

والقول الثاني : لا يرد إليهم قيمة ، ولا يأخذ منهم فيمن فات إليهم من رقيق عينا ، ولا قيمة ; لأن رقيقهم ليسوا منهم ، ولا يجوز للإمام إذا لم يصالح القوم إلا على ما وصفت أن يمكنهم من مسلم كان أسيرا في أيديهم فانفلت منهم ، ولا يقضي لهم عليه بشيء ، ولو أقر عبدهم أنهم أرسلوه على أن يؤدي إليهم شيئا لم يجز له أن يأخذه لهم ، ولم يخرج المسلم بحسبه ; لأنه أعطاهموه على ضرورة هي أكثر الإكراه وكل ما أعطى المرء على الإكراه لم يلزمه .
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ولو أن أسيرا في بلاد الحرب أخذ منهم مالا على أن يعطيهم منه عوضا كان بالخيار بين أن يعطيهم مثل مالهم إن كان له مثل أو مثل قيمته إن لم يكن له مثل أو العوض الذي رضوا به ، وإن كان في يده رده إليهم بعينه إن لم يكن تغير ، وإن كان تغير رده ورد ما نقصه ; لأنه أخذه على أمان ، وإنما أبطلت عنه الشرط بالإكراه والضرورة فيما لم يأخذ به عرضا . وهكذا لو صالحنا قوما من المشركين على مثل ما وصفت فكان في أيديهم أسير من غيرهم فانفلت فأتانا لم يكن لنا رده عليهم من قبل أنه ليس منهم وأنهم قد يمسكون عن قتل وتعذيب من كان منهم إمساكا لا يمسكونه عن غيره .
أصل نقض الصلح فيما لا يجوز .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى حفظنا أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح أهل الحديبية الصلح الذي وصفت فخلى بين من قدم عليه من الرجال ووليه وقدمت عليهم أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما } وأخبر أن الله عز وجل نقض الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال ، وإنما ذهبت إلى أن النساء كن في صلح الحديبية بأنه لو لم يدخل ردهن في الصلح لم يعط أزواجهن فيهن عوضا والله تعالى أعلم .

( قال الشافعي ) وذكر بعض أهل التفسير أن هذه الآية نزلت فيها { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } قرأ الربيع الآية ، ومن قال : إن النساء كن في الصلح قال بهذه الآية مع الآية التي في براءة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وبهذه الآية مع الآية في براءة قلنا إذا صالح الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء ، وقد أعطى المشركين فيما حفظنا فيهن ما أعطاهم في الرجال بأن لم يستثنين وأنهن منهم وبالآية في براءة
وبهذا قلنا : إذا ظفر المشركون برجل من المسلمين فأخذوا عليه عهودا وأيمانا بأن يأتيهم ، أو يبعث إليهم بكذا ، أو بعدد أسرى أو مال فحلال له أن لا يعطيهم قليلا ولا كثيرا ; لأنها أيمان مكره ، وكذلك لو أعطى الإمام عليه أن يرده عليهم إن جاءه . فإن قال : قائل ما دل على ذلك قيل [ ص: 204 ] له : { لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير من وليه حين جاءاه فذهبا به فقتل أحدهما وهرب الآخر منه فلم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم } بل قال : قولا يشبه التحسين له ، ولا حرج عليه في الأيمان ; لأنها أيمان مكره وحرام على الإمام أن يرده إليهم .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : ولو أراد هو الرجوع حبسه ، وكذلك حرام على الإمام أن يأخذ منه شيئا لهم مما صالحهم عليه ، وكذلك إن أعطاهم هذا في عبد له ، أو متاع غلبوا عليه لم يكن للإمام أن يأخذ منه الشيء يعطونه إياه فيأخذه الإمام برد السلف ، أو مثله ، أو قيمته إن لم يكن له مثل ، ولو أعطوه إياه بيعا فهو بالخيار بين أن يرده إليهم إن لم يكن تغير أو يعطيهم قيمته ، أو الثمن ; لأنه مكره حين اشتراه ، وهو أسير فلا يلزمه ما اشترى وللإمام أن يعطيهم منه ما وجب لهم عليه بما اشتراه .
( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وبهذا قلنا : لو أعطى الإمام قوما من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه من أيديهم بلا عوض لما وصفت من خلاف حال الأسير وأموال المسلمين في أيدي المشركين ما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية من رد رجالهم الذين هم أبناؤهم وإخوانهم وعشائرهم الممنوعين منهم ومن غيرهم أن ينالوا بتلف فإن ذهب ذاهب إلى رد أبي جندل بن سهيل إلى أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلى أهله بما أعطاهم قيل : له آباؤهم وأهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرص على سلامتهم وأهلهم كانوا سيقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوهم بتلف ، أو أمر لا يحملونه من عذاب ، وإنما نقموا منهم خلافهم دينهم ودين آبائهم فكانوا يتشددون عليهم ليتركوا دين الإسلام ، وقد وضع الله عز وجل عنهم المأثم في الإكراه فقال : { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } ومن أسر مسلما من غير قبيلته وقرابته ، فقد يقتله بألوان القتل ويبلوه بالجوع والجهد ، وليس حالهم واحدة ، ويقال له أيضا : ألا ترى أن الله عز وجل نقض الصلح في النساء إذا كن إذا أريد بهن الفتنة ضعفن عند عرضها عليهن ، ولم يفهمن فهم الرجال أن التقية تسعهن في إظهار ما أراد المشركون من القول وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام فأسرى المسلمين في أكثر من هذا الحال إلا أن الرجال ليس ممن ينكح وربما كان في المشركين من يفعل فيما بلغنا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
جماع الصلح في المؤمنات .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله عز وجل { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } قرأ الربيع الآية .

( قال الشافعي ) وكان بينا في الآية منع المؤمنات المهاجرات من أن يرددن إلى دار الكفر وقطع العصمة بالإسلام بينهن وبين أزواجهن ، ودلت السنة على أن قطع العصمة إذا انقضت عددهن ، ولم يسلم أزواجهن من المشركين وكان بينا فيها أن يرد على الأزواج نفقاتهم ومعقول فيها أن نفقاتهم التي ترد نفقات اللائي ملكوا عقدهن وهي المهور إذا كانوا قد أعطوهن إياها ، وبين أن الأزواج الذين يعطون النفقات ; لأنهم الممنوعون من نسائهم وأن نساءهم المأذون للمسلمين بأن ينكحوهن إذا آتوهن أجورهن ; لأنه لا إشكال عليهم في أن ينكحوا غير ذوات الأزواج إنما كان الإشكال في نكاح ذوات [ ص: 205 ] الأزواج حتى قطع الله عز وجل عصمة الأزواج بإسلام النساء وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك بمضي العدة قبل إسلام الأزواج فلا يؤتى أحد نفقته من امرأة فاتت إلا ذوات الأزواج ، وقد قال الله عز وجل للمسلمين { ، ولا تمسكوا بعصم الكوافر } فأبانهن من المسلمين وأبان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك بمضي العدة فكان الحكم في إسلام الزوج الحكم في إسلام المرأة لا يختلفان . قال : { واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا } يعني والله تعالى أعلم أن أزواج المشركات من المؤمنين إذا منعهم المشركون إتيان أزواجهم بالإسلام أوتوا ما دفع إليهن الأزواج من المهور كما يؤدي المسلمون ما دفع أزواج المسلمات من المهور وجعله الله عز وجل حكما بينهم ثم حكم لهم في مثل هذا المعنى حكما ثانيا ، فقال عز وعلا { ، وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم } والله تعالى أعلم يريد فلم تعفوا عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } كأنه يعني من مهورهن إذا فاتت امرأة مشرك أتتنا مسلمة قد أعطاها مائة في مهرها وفاتت امرأة مشركة إلى الكفار قد أعطاها مائة حسبت مائة المسلم بمائة المشرك فقيل : تلك العقوبة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ويكتب بذلك إلى أصحاب عهود المشركين حتى يعطي المشرك ما قاصصناه به من مهر امرأته للمسلم الذي فاتت امرأته إليهم ليس له غير ذلك ، ولو كان للمسلمة التي تحت مشرك أكثر من مائة رد الإمام الفضل عن المائة إلى الزوج المشرك ، ولو كان مهر المسلمة ذات الزوج المشرك مائتين ومهر امرأة المسلم الفائتة إلى الكفار مائة ففاتت امرأة مشركة أخرى قص من مهرها مائة وليس على الإمام أن يعطي ممن فاتته زوجته من المسلمين إلى المشركين إلا قصاصا من مشرك فاتت زوجته إلينا ، وإن فاتت زوجة المسلم مسلمة ، أو مرتدة فمنعوها فذلك له ، وإن فاتت على أي الحالين كان فردوها لم يؤخذ لزوجها منهم مهر وتقتل إن لم تسلم إذا ارتدت وتقر مع زوجها مسلمة .
تفريع أمر نساء المهادنين .

( أخبرنا الربيع ) قال : ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى إذا جاءت المرأة الحرة من نساء أهل الهدنة مسلمة مهاجرة من دار الحرب إلى موضع الإمام من دار الإسلام أو دار الحرب فمن طلبها من ولي سوى زوجها منع منها بلا عوض ، وإذا طلبها زوجها بنفسه أو طلبها غيره بوكالته منعها ، وفيها قولان أحدهما يعطى العوض والعوض ما قال الله عز وجل { فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ومثل ما أنفقوا يحتمل والله تعالى أعلم ما دفعوا بالصداق لا النفقة غيره ، ولا الصداق كله إن كانوا لم يدفعوه .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فإذا جاءت امرأة رجل قد نكحها بمائتين فأعطاها مائة ردت إليه مائة ، وإن نكحها بمائة فأعطاها خمسين ردت إليه خمسون ; لأنها لم تأخذ منه من الصداق إلا خمسين ، وإن نكحها بمائة ، ولم يعطها شيئا من الصداق لم ترد إليه شيئا ; لأنه لم ينفق بالصداق شيئا ، ولو أنفق من عرس وهدية وكرامة لم يعط من ذلك شيئا لأنه تطوع به ، ولا ينظر في ذلك إلى مهر مثلها إن كان زادها عليه ، أو نقصها منه ; لأن الله عز وجل أمر بأن يعطوا مثل ما أنفقوا ويعطي الزوج هذا الصداق من سهم النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء والغنيمة دون ما سواه من المال ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود [ ص: 206 ] فيكم } يعني والله تعالى أعلم في مصلحتكم وبأن الأنفال كانت تكون عنه ، وأن عمر روى أن { النبي صلى الله عليه وسلم كان يجعل فضل ماله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فإن ادعى الزوج صداقا وأنكره الإمام ، أو جهله ، فإن جاء الزوج بشاهدين من المسلمين أو شاهد حلف معه أعطاه ، وإن لم يجد شاهدا إلا مشركا لم يعطه بشهادة مشرك وينبغي للإمام أن يسأل المرأة فإن أخبرته شيئا وأنكر الزوج ، أو صدقته لم يقبله الإمام وكان على الإمام أن يسأل عن مهر مثلها في ناحيتها ويحلفه بأنه دفعه ثم يدفعه إليه وقل قوم إلا ومهورهم معروفة ممن معهم من المسلمين الأسرى والمستأمنين ، أو الحاضرين لهم ، أو المصالح عليهم لم يكن معهم مسلمون منها .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإن أعطاه المهر على واحد من هذه المعاني بلا بينة ثم أقام عنده شاهدا أنه أكثر مما أعطاه رجع عليه بالفضل الذي شهدت له به البينة ، ولو أعطاه بهذه المعاني ، أو ببينة ثم أقر عنده أنه أقل مما أعطاه رجع عليه بالفضل وحبسه فيه ولم يكن هذا نقضا لعهده ، وإن لم يقدم زوجها ، ولا رسوله بطلبها حتى مات فليس لورثته فيما أنفق من صداقها شيء ; لأنه لو كان حيا فلم يطلبه إياه ، وإنما جعل له ما أنفق إذا منع ردها إليه ، وهو لا يقال له ممنوع ردها إليه حتى يطلبها فيمنع ردها إليه .

وإن قدم في طلبها فلم يطلبها إلى الإمام حتى مات كان هكذا ، وكذلك لو لم يطلبها إلى الإمام حتى طلقها ثلاثا ، أو ملكها أن تطلق نفسها ثلاثا فطلقت نفسها ثلاثا ، أو تطليقة لم يبق له عليها من الطلاق غيرها لم يكن له عوض ; لأنه قد قطع حقه فيها حتى لو أسلم وهي في عدة لم تكن له زوجة فلا يرد إليه المهر من امرأة قد قطع حقه فيها بكل حال ، وكذلك لو خالعها قبل أن يرتفع إلى الإمام ; لأنه لو أسلم ثبت الخلع وكانت بائنا منه لا يعطى من نفقته شيء من امرأة قطع أن تكون زوجة له بحال ، ولو طلقها واحدة يملك الرجعة ثم طلب العوض لم نعطه حتى يراجعها فإن راجعها في العدة من يوم طلقها ثم طلبها أعطي العوض ; لأنه لم يقطع حقه في العوض لا يكون قطعه حقه في العوض إلا بأن يحدث طلاقا لو كانت ساعتها تلك أسلمت وأسلم لم يكن له عليها رجعة ، ولو كانت المرأة قدمت غير مسلمة كان هذا هكذا .

قال : ولو قدمت مسلمة وجاء زوجها فلم يطلبها حتى ماتت لم يكن له عوض ; لأنه إنما يعاوض بأن يمنعها وهي بحضرة الإمام ، ولو كانت المسألة بحالها فلم تمت ، ولكن غلبت على عقلها كان لزوجها العوض ، ولو قدم الزوج مسلما وهي في العدة كان أحق بها ، ولو قدم يطلبها مشركا ثم أسلم قبل أن تنقضي عدتها كانت زوجته ورجع عليه بالعوض فأخذ منه إن كان أخذه ، ولو طلب العوض فأعطيه ثم لم يسلم حتى تنقضي عدتها ثم أسلم فله العوض ; لأنها قد بانت منه بالإسلام في ملك النكاح ، ولو نكحها بعد لم نرجع عليه بالعوض ; لأنه إنما ملكها بعقد غيره ; وإن قدمت امرأة من بلاد الإسلام ، أو غيرها حيث ينفذ أمر الإمام ثم جاء زوجها يطلبها إلى الإمام لم يعط عوضا ; لأنها لم تقدم عليه وواجب على كل من كانت بين ظهرانيه من المسلمين أن يمنعها زوجها ومتى ما صارت إلى دار الإمام فمنعها منه فله العوض ومتى طلبها زوجها وهي في دار الإمام فجاء زوجها فلم يرفعها إلى الإمام حتى تنحت عن دار الإمام لم يكن له عوض ; لأنه يكون له العوض بأن تقيم في دار الإمام ، ومتى طلبها بعد مدتها ، أو مغيبها عن دار الإمام فلا عوض له .

ولو قدمت مسلمة ثم ارتدت استتيبت فإن تابت وإلا قتلت فإن قدم زوجها بعد القتل ، فقد فاتت ، ولا عوض ، وإن قدم قبل أن ترتد فارتدت وطلبها لم يعطها وأعطي العوض واستتيبت فإن تابت وإلا قتلت ، وإن قدم وهي مرتدة قبل أن تقتل فطلبها أعطي العوض وقتلت مكانها ، ومتى طلبها ، فقد استوجب العوض ; لأن على الإمام منعه منها ، وإن قدمت وطلبها الزوج ثم قتلها رجل فعليه القصاص [ ص: 207 ] أو العقل ولزوجها العوض ، وكذلك لو قدم ، وفيها الحياة لم تمت ، وإن كان يرى أنها في آخر رمق ; لأنه يمنعها في هذه الأحوال إلا أن تكون جنى عليها جناية فصارت في حال لا تعيش فيها إلا كما تعيش الذبيحة فهي في حال الميتة فلا يعطى فيها عوضا ، وإذا كان على الإمام منعه إياها في هذه الأحوال بأن تكون في حكم الحياة كان له العوض ، ولا يستوجب العوض بحال إلا أن يطلبها إلى الإمام ، أو وال يخلفه ببلده فإن طلبها إلى من دون الإمام من عامة ، أو خاصة الإمام ، أو وال ممن لم يوله الإمام هذا فهذا لا يكون له به العوض ، ومتى وصل إلى الإمام طلبه بها ، وإن لم يصل إليه فله العوض ، وإن ماتت قبل أن تصل إلى الإمام ثم طلبها إليه فلا عوض له ، وإن كانت القادمة مملوكة متزوجة رجلا حرا أو مملوكا أمر الإمام باختيار فراق الزوج إن كان مملوكا ، وإن كان حرا فطلبها ، أو مملوكا فلم تختر فراقه حتى قدم مسلما فهي على النكاح ، وإن قدم كافرا فطلبها فمن قال : تعتق ، ولا عوض لمولاها ; لأنها ليست منهم فلا عوض لمولاها ، ولا لزوجها كما لا يكون لزوج المرأة المأسورة فيهم من غيرهم عوض ، ومن قال تعتق ويرد الإمام على سيدها قيمتها فلزوجها العوض إذا كان حرا ، وإن كان مملوكا فلا عوض له إلا أن يجتمع طلبه وطلب السيد فيطلب هو امرأته بعقد النكاح والسيد المال مع طلبه ، فإن انفرد أحدهما دون الآخر فلا عوض له .

وإن كان هذا بيننا وبين أحد من أهل الكتاب فجاءتنا امرأة رجل منهم مشركة ، أو امرأة غير كتابي ، وهذا العقد بيننا وبينه فطلبها زوجها لم يكن لنا منعه منها إذا كان الزوج القادم أو محرما لها بوكالته إذا سألت ذلك ، وإن كان الزوج القادم فطلبها زوجها وأسلمت أعطيناه العوض ، وإن لم تسلم دفعناها إليه ، ولو خرجت امرأة رجل منهم معتوهة منعنا زوجها منها حتى يذهب عنها ، فإذا ذهب فإن قالت خرجت مسلمة وأنا أعقل ثم عرض لي ، فقد وجب له العوض ، وإن قالت خرجت معتوهة ثم ذهب هذا عني فأنا أسلم منعناها منه ، وإن طلبها يومئذ أعطيناه العوض ، وإن لم يطلبها فلا عوض له .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإن خرجت إلينا منهم زوجة رجل لم تبلغ ، وإن عقلت فوصفت الإسلام منعناها منه بصفة الإسلام ، ولا يعطى حتى تبلغ ، فإذا بلغت وثبتت على الإسلام أعطيناه العوض إذا طلبها بعد بلوغها وثبوتها على الإسلام فإن لم يطلبها بعد ذلك لم يكن له عوض من قبل أنه لا يكمل إسلامها حتى تقتل على الردة إلا بعد البلوغ ، ولو جاءتنا جارية لم تبلغ فوصفت الإسلام وجاء زوجها وطلبها فمنعناه منها فبلغت ، ولم تصف الإسلام بعد البلوغ فتكون من الذين أمرنا إذا علمنا إيمانهن أن لا ندفعهن إلى أزواجهن فمتى وصفت الإسلام بعد وصفها الإسلام والبلوغ لم يكن له عوض ، وكذلك إن بلغت معتوهة لم يكن له عوض .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.60 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.97 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.41%)]