عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 26-09-2022, 01:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,391
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (169)
صــــــــــ 173 الى صـــــــــــ179






( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإذا أذن للرجل أبواه في الغزو فغزا ثم أمراه بالرجوع فعليه الرجوع إلا من عذر حادث والعذر ما وصفت من خوف الطريق ، أو جدبه ، أو من مرض يحدث به لا يقدر معه على الرجوع ، أو قلة نفقة لا يقدر على أن يرجع يستقل معها ، أو ذهاب مركب لا يقدر على [ ص: 173 ] الرجوع معه ، أو يكون غزا بجعل مع السلطان ، ولا يقدر على الرجوع معه ، ولا يجوز أن يغزو بجعل من مال رجل فإن غزا به فعليه أن يرجع ويرد الجعل ، وإنما أجزت له هذا من السلطان أنه يغزو بشيء من حقه وليس للسلطان حبسه في حال قلت عليه فيها الرجوع إلا في حال ثانية أن يكون يخاف برجوعه ورجوع من هو في حاله أن يكثروا وأن يصيب المسلمين خلة برجوعهم بخروجهم يعظم الخوف فيها عليهم فيكون له حبسه في هذه الحال ، ولا يكون لهم الرجوع عليها ، فإذا زالت تلك الحال فعليهم أن يرجعوا وعلى السلطان أن يخليهم إلا من غزا منهم بجعل إذا كان رجوعهم من قبل والد ، أو صاحب دين لا من علة بأبدانهم فإن أراد أحد منهم الرجوع لعلة ببدنه تخرجه من فرض الجهاد فعلى السلطان تخليته غزا بجعل ، أو غير جعل وليس له الرجوع في الجعل ; لأنه حق من حقه أخذه ، وهو يستوجبه وحدث له حال عذر وذلك أن يمرض ، أو يزمن بإقعاد ، أو بعرج شديد لا يقدر معه على مشي الصحيح وما أشبه هذا .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإني لأرى العرج إذا نقص مشيه عن مشي الصحيح وعدوه كله عذرا والله تعالى أعلم ، وكذلك إن رجل عن دابته ، أو ذهبت نفقته خرج من هذا كله من أن يكون عليه فرض الجهاد ، ولم يكن للسلطان حبسه عليه إلا في حال واحدة أن يكون خرج إلى فرض الجهاد بقلة الوجود فعليه أن يعطيهم حتى يكون واجدا فإن فعله حبسه وليس للرجل الامتناع من الأخذ منه إلا أن يقيم معه في الجهاد حتى ينقضي فله إذا فعل الامتناع من الأخذ منه .
وإذا غزا الرجل فذهبت نفقته ، أو دابته فقفل ثم وجد نفقة ، أو فاد دابة فإن كان ذلك ببلاد العدو لم يكن له الخروج وكان عليه الرجوع إلا أن يكون يخاف في رجوعه ، وإن كان قد فارق بلاد العدو فالاختيار له العود إلا أن يخاف فلا يجب عليه العود ; لأنه قد خرج ، وهو من أهل العذر فإن كانت تكون خلة برجوعه ، أو كانوا جماعة أصابهم ذلك وكانت تكون بالمسلمين خلة برجوعهم فعليهم وعلى الواحد أن يرجع إذا كانت كما وصفت إلا أن يخاف إذا تخلفوا أن يقتطعوا في الرجوع خوفا بينا فيكون لهم عذر بأن لا يرجعوا .
تحويل حال من لا جهاد عليه .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإذا كان الرجل ممن لا جهاد عليه بما وصفت من العذر ، أو كان ممن عليه جهاد فخرج فيه فحدث له ما يخرج به من فرض الجهاد بالعذر في نفسه وماله ثم زالت الحال عنه عاد إلى أن يكون ممن عليه فرض الجهاد وذلك أن يكون أعمى فذهب العمى وصح بصره ، أو إحدى عينيه فيخرج من حد العمى ، أو يكون أعرج فينطلق العرج ، أو مريضا فيذهب المرض ، أو لا يجد ثم يصير واحدا ، أو صبيا فبلغ أو مملوكا فيعتق ، أو خنثى مشكلا فيبين رجلا لا يشكل ، أو كافرا فيسلم فيدخل فيمن عليه فرض الجهاد فإن كان بلده كان كغيره ممن عليه فرض الجهاد فإن كان قد غزا وله عذر ثم ذهب العذر وكان ممن عليه فرض الجهاد لم يكن له الرجوع عن الغزو دون رجوع من غزا معه أو بعض الغزاة في وقت يجوز فيه الرجوع .
قال وليس للإمام أن يجمر بالغزو فإن جمرهم ، فقد أساء ويجوز لكلهم خلافه والرجوع ، وإن أطاعته منهم طائفة فأقامت فأراد بعضهم الرجوع لم يكن لهم [ ص: 174 ] الرجوع إلا أن يكون من تخلف منهم ممتنعين بموضعهم ليس الخوف بشديد أن يرجع من يريد الرجوع فيكون حينئذ لمن أراد الرجوع أن يرجع وسواء في ذلك الواحد يريد الرجوع والجماعة ; لأن الواحد قد يخل بالقليل والجماعة لا تخل بالكثير ولذي العذر الرجوع في كل حال إذا جمر وجوزته قدر الغزو ، وإن أخل بمن معه وكل منزلة قلت لا ينبغي لأحد أن يرجع فيها فعلى الإمام فيها أن يأذن في الوقت الذي قلت : لبعضهم الرجوع ويمنع في الوقت الذي قلت : ليس لهم فيه الرجوع .
شهود من لا فرض عليه القتال .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى والذين لا يأثمون بترك القتال - والله تعالى أعلم - بحال ضربان ضرب أحرار بالغون معذورون بما وصفت وضرب لا فرض عليهم بحال وهم العبيد ، أو من لم يبلغ من الرجال الأحرار والنساء ، ولا يحرم على الإمام أن يشهد معه القتال الصنفان معا ، ولا على واحد من الصنفين أن يشهد معه القتال .

( قال الشافعي ) أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأل : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ فقال قد { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ولم يكن يضرب لهن بسهم ، ولكن يحذين من الغنيمة } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ومحفوظ أنه شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال العبيد والصبيان وأحذاهم من الغنيمة .
( قال ) وإذا شهد من ليس عليه فرض الجهاد قويا كان ، أو ضعيفا القتال أحذى من الغنيمة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذي النساء وقياسا عليهن وخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في العبيد والصبيان ، ولا يبلغ بحذية واحد منهم سهم حر ، ولا قريبا منه ويفضل بعضهم على بعض في الحذية إن كان منهم أحد له غناء في القتال ، أو معونة للمسلمين المقاتلين ، ولا يبلغ بأكثرهم حذية سهم مقاتل من الأحرار .

وإن شهد القتال رجل حر بالغ له عذر في عدم شهود القتال من زمن ، أو ضعف بمرض ، أو عرض ، أو فقير معذور ضرب له بسهم رجل تام فإن قال : من أين ضربت لهؤلاء وليس عليهم فرض القتال ، ولا لهم غناء بسهم ، ولم تضرب به للعبيد ولهم غناء ، ولا للنساء والمراهقين ، وإن أغنوا وكل ليس عليه فرض القتال ؟ قيل : له قلنا خبرا وقياسا فأما الخبر ، فإن { النبي صلى الله عليه وسلم أحذى النساء من الغنائم } وكان العبيد والصبيان ممن لا فرض عليهم ، وإن كانوا أهل قوة على القتال ليس بعذر في أبدانهم ، وكذلك العبيد لو أنفق عليهم لم يكن عليهم القتال فكانوا غير أهل جهاد بحال كما يحج الصبي والعبد ، ولا يجزئ عنهما من حجة الإسلام ; لأنهما ليسا من أهل الفرض بحال ويحج الرجل والمرأة الزمنان اللذان لهما العذر بترك الحج والفقيران الزمنان فيجزئ عنهما عن حجة الإسلام ; لأنهما إنما زال الفرض عنهما بعذر في أبدانهما وأموالهما متى فارقهما ذلك كانا من أهله ، ولم يكن هكذا الصبي والعبد في الحج قال ، وكذلك لو لم يكونا كذا والمرأة مثلهما في الجهاد وضربت للزمن والفقير اللذين لا غزو عليهم ; لأن { رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم لمرضى وجرحى وقوم لا غناء لهم على الشهود } وأنهم لم يزل فرض الجهاد عليهم إلا بمعنى العذر الذي إذا زال صاروا من أهله ، فإذا تكلفوا شهوده كان لهم ما لأهله .
[ ص: 175 ] من ليس للإمام أن يغزو به بحال .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزا معه بعض من يعرف نفاقه فانخزل يوم أحد عنه بثلثمائة ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم { وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا } ثم غزا النبي صلى الله عليه وسلم بني المصطلق فشهدها معه عدد فتكلموا بما حكى الله تعالى من قولهم { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } وغير ذلك مما حكى الله عز وجل من نفاقهم ثم غزا غزوة تبوك فشهدها معه قوم منهم نفروا به ليلة العقبة ليقتلوه فوقاه الله عز وجل شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته ثم أنزل الله عز وجل في غزاة تبوك أو منصرفه عنها ، ولم يكن في تبوك قتال من أخبارهم فقال { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فأظهر الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم أسرارهم وخبر السماعين لهم وابتغاءهم أن يفتنوا من معه بالكذب والإرجاف والتخذيل لهم فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم إذ كانوا على هذه النية كان فيها ما دل على أن الله عز وجل أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من أن يغزو مع المسلمين ; لأنه ضرر عليهم ثم زاد في تأكيد بيان ذلك بقوله { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } قرأ الربيع إلى الخالفين .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فمن شهر بمثل ما وصف الله تعالى المنافقين لم يحل للإمام أن يدعه يغزو معه ، ولم يكن لو غزا معه أن يسهم له ، ولا يرضخ ; لأنه ممن منع الله عز وجل أن يغزو مع المسلمين لطلبته فتنتهم وتخذيله إياهم وأن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة وأن هذا قد يكون أضر عليهم من كثير من عدوهم .

( قال ) ولما نزل هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن ليخرج بهم أبدا ، وإذا حرم الله عز وجل أن يخرج بهم فلا سهم لهم لو شهدوا القتال ، ولا رضخ ، ولا شيء ; لأنه لم يحرم أن يخرج بأحد غيرهم فأما من كان على غير ما وصف الله عز وجل من هؤلاء أو بعضه ، ولم يكن يحمد حاله أو ظن ذلك به ، وهو ممن لا يطاع ولا يضر ما وصف الله تعالى عن هؤلاء الذين وصف الله عز وجل بشيء من أحكام الإسلام إلا ما منعه الله عز وجل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرهم على أحكام الإسلام بعد الآية ، وإنما منعوا الغزو مع المسلمين للمعنى الذي وصف الله عز وجل من ضررهم وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا أن يصلي عليهم بخلاف صلاته صلاة غيره .
( قال الشافعي ) وإن كان مشرك يغزو مع المسلمين وكان معه في الغزو من يطيعه من مسلم ، أو مشرك وكانت عليه دلائل الهزيمة والحرص على غلبة المسلمين وتفريق جماعتهم لم يجز أن يغزو به ، وإن غزا به لم يرضخ له ; لأن هذا إذا كان في المنافقين مع استتارهم بالإسلام كان في المكتشفين في الشرك مثله فيهم ، أو أكثر إذا كانت أفعالهم كأفعالهم ، أو أكثر ، ومن كان من المشركين على خلاف هذه الصفة فكانت فيه منفعة للمسلمين بدلالة على عورة عدو ، أو طريق ، أو ضيعة ، أو نصيحة للمسلمين فلا بأس أن يغزى به وأحب إلي أن لا يعطى من الفيء شيئا ويستأجر إجارة من مال لا مالك له بعينه ، وهو [ ص: 176 ] غير سهم النبي صلى الله عليه وسلم فإن أغفل ذلك أعطي من سهم النبي صلى الله عليه وسلم { ورد النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر مشركا } قيل نعيم فأسلم ولعله رده رجاء إسلامه وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك فيمنعه الغزو ويأذن له ، وكذلك الضعيف من المسلمين .

ويأذن له ورد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة إباحة الرد والدليل على ذلك والله أعلم أنه قد غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر وشهد صفوان بن أمية معه حنينا بعد الفتح وصفوان مشرك .

( قال ) ونساء المشركين في هذا وصبيانهم كرجالهم لا يحرم أن يشهدوا القتال وأحب إلي لو لم يعطوا ، وإن شهدوا القتال فلا يبين أن يرضخ لهم إلا أن تكون منهم منفعة للمسلمين فيرضخ لهم بشيء ليس كما يرضخ لعبد مسلم أو لامرأة ، ولا صبي مسلمين وأحب إلي لو لم يشهدوا الحرب إن لم تكن بهم منفعة ; لأنا إنما أجزنا شهود النساء مع المسلمين والصبيان في الحرب رجاء النصرة بهم لما أوجب الله تعالى لأهل الإيمان وليس ذلك في المشركين .
كيف تفضل فرض الجهاد .

( أخبرنا الربيع ) قال ( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى قال الله تبارك وتعالى { كتب عليكم القتال ، وهو كره لكم } مع ما أوجب من القتال في غير آية من كتابه ، وقد وصفنا أن ذلك على الأحرار المسلمين البالغين غير ذوي العذر بدلائل الكتاب والسنة ، فإذا كان فرض الجهاد على من فرض عليه محتملا لأن يكون كفرض الصلاة وغيرها عاما ومحتملا لأن يكون على غير العموم فدل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم على أن فرض الجهاد إنما هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به حتى يجتمع أمران أحدهما أن يكون بإزاء العدو المخوف على المسلمين من يمنعه ، والآخر أن يجاهد من المسلمين من في جهاده كفاية حتى يسلم أهل الأوثان ، أو يعطي أهل الكتاب الجزية قل ، فإذا قام بهذا من المسلمين من فيه الكفاية به خرج المتخلف منهم من المأثم في ترك الجهاد وكان الفضل للذين ولوا الجهاد على المتخلفين عنه قال الله عز وجل { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة } الآية .

( قال الشافعي ) وبين إذ وعد الله عز وجل القاعدين غير أولي الضرر الحسنى أنهم لا يأثمون بالتخلف ويوعدون الحسنى بالتخلف بل وعدهم لما وسع عليهم من التخلف الحسنى إن كانوا مؤمنين لم يتخلفوا شكا ، ولا سوء نية ، وإن تركوا الفضل في الغزو وأبان الله عز وجل في قوله في النفير حين أمرنا بالنفير { انفروا خفافا وثقالا } وقال عز وجل { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } وقال تبارك وتعالى { وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين } الآية ، فأعلمهم أن فرض الجهاد على الكفاية من المجاهدين .

( قال الشافعي ) ولم يغز رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة علمتها إلا تخلف عنه فيها بشر فغزا بدرا وتخلف عنه رجال معروفون ، وكذلك تخلف عنه عام الفتح وغيره من غزواته صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وفي تجهزه للجمع للروم { ليخرج من كل رجلين رجل فيخلف الباقي الغازي في أهله وماله } .

( قال الشافعي ) وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيوشا وسرايا تخلف عنها بنفسه مع حرصه على الجهاد على ما ذكرت .

( قال الشافعي ) وأبان أن لو تخلفوا معا أثموا معا بالتخلف بقوله عز وجل { إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما } يعني والله تعالى أعلم ، إلا إن تركتم النفير كلكم عذبتكم قال ففرض الجهاد على ما وصفت يخرج المتخلفين من المأثم بالكفاية فيه ، ويأثمون معا إذا تخلفوا معا .
[ ص: 177 ] تفريع فرض الجهاد .

( قال الشافعي ) قال الله عز وجل { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } قال : ففرض الله جهاد المشركين ثم أبان من الذين نبدأ بجهادهم من المشركين فأعلمهم أنهم الذين يلون المسلمين وكان معقولا في فرض الله جهادهم أن أولاهم بأن يجاهد أقربهم بالمسلمين دارا ; لأنهم إذا قووا على جهادهم وجهاد غيرهم كانوا على جهاد من قرب منهم أقوى وكان من قرب أولى أن يجاهد من قربه من عورات المسلمين وأن نكاية من قرب أكثر من نكاية من بعد قال : فيجب على الخليفة إذا استوت حال العدو ، أو كانت بالمسلمين عليهم قوة أن يبدأ بأقرب العدو من ديار المسلمين ; لأنهم الذين يلونهم ، ولا يتناول من خلفهم من طريق المسلمين على عدو دونه حتى يحكم أمر العدو دونه بأن يسلموا ، أو يعطوا الجزية إن كانوا أهل كتاب وأحب له إن لم يرد تناول عدو وراءهم ، ولم يطل على المسلمين عدو أن يبدأ بأقربهم من المسلمين ; لأنهم أولى باسم الذين يلون المسلمين ، وإن كان كل يلي طائفة من المسلمين فلا أحب أن يبدأ بقتال طائفة تلي قوما من المسلمين دون آخرين ، وإن كانت أقرب منهم من الأخرى إلى قوم غيرهم .

فإن اختلف حال العدو فكان بعضهم أنكى من بعض ، أو أخوف من بعض فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف ، أو الأنكى ولا بأس أن يفعل ، وإن كانت داره أبعد إن شاء الله تعالى حتى ما يخاف ممن بدأ به مما لا يخاف من غيره مثله وتكون هذه بمنزلة ضرورة ; لأنه يجوز في الضرورة ما لا يجوز في غيرها ، وقد { بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحارث بن أبي ضرار أنه يجمع له فأغار النبي صلى الله عليه وسلم وقربه عدو أقرب منه وبلغه أن خالد بن أبي سفيان بن شح يجمع له فأرسل ابن أنيس فقتله وقربه عدو أقرب } .
( قال الشافعي ) وهذه منزلة لا يتباين فيها حال العدو كما وصفت والواجب أن يكون أول ما يبدأ به سد أطراف المسلمين بالرجال ، وإن قدر على الحصون والخنادق وكل أمر دفع العدو قبل انتياب العدو في ديارهم حتى لا يبقى للمسلمين طرف إلا ، وفيه من يقوم بحرب من يليه من المشركين ، وإن قدر على أن يكون فيه أكثر فعل ويكون القائم بولايتهم أهل الأمانة والعقل والنصيحة للمسلمين والعلم بالحرب والنجدة والأناة والرفق والإقدام في موضعه وقلة البطش والعجلة .
( قال الشافعي ) فإذا أحكم هذا في المسلمين وجب عليه أن يدخل المسلمين بلاد المشركين في الأوقات التي لا يغرر بالمسلمين فيها ويرجو أن ينال الظفر من العدو فإن كانت بالمسلمين قوة لم أر أن يأتي عليه عام إلا وله جيش أو غارة في بلاد المشركين الذين يلون المسلمين من كل ناحية عامة ، وإن كان يمكنه في السنة بلا تغرير بالمسلمين أحببت له أن لا يدع ذلك كلما أمكنه وأقل ما يجب عليه أن لا يأتي عليه عام إلا وله فيه غزو حتى لا يكون الجهاد معطلا في عام إلا من عذر ، ، وإذا غزا عاما قابلا غزا بلدا غيره ، ولا يتأتى الغزو على بلد ويعطل من بلاد المشركين غيره إلا أن يختلف حال أهل البلدان فيتابع الغزو على من يخاف نكايته ، أو من يرجو غلبة المسلمين على بلاده فيكون تتابعه على ذلك وعطل غيره بمعنى ليس في غيره مثله .

قال : وإنما قلت بما وصفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخل من حين فرض عليه الجهاد من أن غزا بنفسه ، أو غيره في عام من غزوة ، أو غزوتين ، أو سرايا ، وقد كان يأتي عليه الوقت لا يغزو فيه ، ولا يسري سرية ، وقد يمكنه ، ولكنه يستجم ويجم له ويدعو ويظاهر الحجج على من دعاه .
ويجب على أهل الإمام أن يغزوا [ ص: 178 ] أهل الفيء يغزوا كل قوم إلى من يليهم من المشركين ، ولا يكلف الرجل البلاد البعيدة وله مجاهد أقرب منها إلا أن يختلف حال المجاهدين فيزيد عن القريب عن أن يكفيهم فإن عجز القريب عن كفايتهم كلفهم أقرب أهل الفيء بهم .
قال : ولا يجوز أن يغزو أهل دار من المسلمين كافة حتى يخلف في ديارهم من يمنع دارهم منه .

( قال الشافعي ) : فإذا كان أهل دار المسلمين قليلا إن غزا بعضهم خيف العدو على الباقين منهم لم يغز منهم أحد وكان هؤلاء في رباط الجهاد ونزلهم .

( قال الشافعي ) وإن كانت ممتنعة غير مخوف عليها ممن يقاربها فأكثر ما يجوز أن يغزى من كل رجلين رجلا فيخلف المقيم الظاعن عن أهله وماله ، فإن { رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تجهز إلى تبوك فأراد الروم وكثرت جموعهم ، قال : ليخرج من كل رجلين رجل } ومن في المدينة ممتنع بأقل ممن تخلف فيها ، وإذا كان القوم في ساحل من السواحل كسواحل الشام وكانوا على قتال الروم والعدو الذي يليهم أقوى ممن يأتيهم من غير أهل بلدهم وكان جهادهم عليه أقرب منه على غيرهم فلا بأس أن يغزوا إليهم من يقيم في ثغورهم مع من تخلف منهم ، وإن لم يكن من خلفوا منهم يمنعون دارهم لو انفردوا إذا صاروا يمنعون دارهم بمن تخلف من المسلمين معهم ويدخلون بلاد العدو فيكون عدوهم أقرب ودوابهم أجم وهم ببلادهم أعلم وتكون دارهم غير ضائعة بمن تخلف منهم وخلف معهم من غيرهم .
قال : ولا ينبغي أن يولي الإمام الغزو إلا ثقة في دينه شجاعا في بدنه حسن الأناة عاقلا للحرب بصيرا بها غير عجل ، ولا نزق وأن يقدم إليه وإلى من ولاه أن لا يحمل المسلمين على مهلكة بحال ، ولا يأمرهم بنقب حصن يخاف أن يشدخوا تحته ، ولا دخول مطمورة يخاف أن يقتلوا ، ولا يدفعوا عن أنفسهم فيها ، ولا غير ذلك من أسباب المهالك فإن فعل ذلك الإمام ، فقد أساء ويستغفر الله تعالى ، ولا عقل ، ولا قود عليه ، ولا كفارة إن أصيب أحد من المسلمين بطاعته .

قال : وكذلك لا يأمر القليل منهم بانتياب الكثير حيث لا غوث لهم ، ولا يحمل منهم أحدا على غير فرض القتال عليه وذلك أن يقاتل الرجل الرجلين لا يجاوز ذلك ، وإذا حملهم على ما ليس له حملهم عليه فلهم أن لا يفعلوه قال : وإنما قلت لا عقل ، ولا قود ، ولا كفارة عليه أنه جهاد ويحل لهم بأنفسهم أن يقدموا فيه على ما ليس عليهم بغرض القتل لرجاء إحدى الحسنيين ، ألا ترى أني لا أرى ضيقا على الرجل أن يحمل على الجماعة حاسرا ، أو يبادر الرجل ، وإن كان الأغلب أنه مقتول ; لأنه قد بودر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل رجل من الأنصار حاسرا على جماعة من المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بما في ذلك من الخير فقتل .
تحريم الفرار من الزحف .

قال : الله تبارك وتعالى { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } وقال عز وجل { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } الآية أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } فكتب عليهم أن لا يفر العشرون من المائتين فأنزل الله عز وجل { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين } فخفف عنهم وكتب عليهم أن لا يفر مائة من المائتين .

( قال الشافعي ) : وهذا كما قال ابن عباس إن شاء الله تعالى مستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل وقال : الله تعالى : { إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار } الآية ، فإذا غزا المسلمون [ ص: 179 ] أو غزوا فتهيئوا للقتال فلقوا ضعفهم من العدو حرم عليهم أن يولوا عنهم إلا متحرفين إلى فئة فإن كان المشركون أكثر من ضعفهم لم أحب لهم أن يولوا عنهم ، ولا يستوجب السخط عندي من الله عز وعلا لو ولوا عنهم إلى غير التحرف للقتال والتحيز إلى فئة ; لأنا بينا أن الله عز وجل إنما يوجب سخطه على من ترك فرضه وأن فرض الله عز وجل في الجهاد إنما هو على أن يجاهد المسلمون ضعفهم من العدو ، ويأثم المسلمون لو أطل عدو على أحد من المسلمين وهم يقدرون على الخروج إليه بلا تضييع لما خلفهم من ثغرهم إذا كان العدو ضعفهم وأقل .
قال : وإذا لقي المسلمون العدو فكثرهم العدو أو قووا عليهم ، وإن لم يكثروهم بمكيدة ، أو غيرها فولى المسلمون غير متحرفين لقتال ، أو متحيزين إلى فئة رجوت أن لا يأثموا ، ولا يخرجون والله تعالى أعلم من المأثم إلا بأن لا يولوا العدو دبرا إلا وهم ينوون أحد الأمرين من التحرف إلى القتال أو التحيز إلى فئة فإن ولوا على غير نية واحد من الأمرين خشيت أن يأثموا وأن يحدثوا بعد نية خير لهم ومن فعل هذا منهم تقرب إلى الله عز وجل بما استطاع من خير بلا كفارة معلومة فيه .

قال : ولو ولوا يريدون التحرف للقتال أو التحيز إلى الفئة ثم أحدثوا بعد نية في المقام على الفرار بلا واحدة من النيتين كانوا غير آثمين بالتولية مع النية لأحد الأمرين وخفت أن يأثموا بالنية الحادثة أن يثبتوا على الفرار لا لواحد من المعنيين ، وإن بعض أهل الفيء نوى أن يجاهد عدوا بلا عذر خفت عليه المأثم ، ولو نوى المجاهد أن يفر عنه لا لواحد من المعنيين كان خوفي عليه من المأثم أعظم ، ولو شهد القتال من له عذر في ترك القتال من الضعفاء والمرضى الأحرار خفت أن يضيق على أهل القتال ; لأنهم إنما عذروا بتركه ، فإذا تكلفوه فهم من أهله كما يعذر الفقير الزمن بترك الحج ، فإذا حج لزمه فيه ما لزم من لا يعذر بتركه من عمل ومأثم وفدية .

قال : وإن شهد القتال عبد أذن له سيده كان كالأحرار ما كان في إذن سيده يضيق عليه التولية ; لأن كل من سميت من أهل الفرائض الذين يجري عليهم المأثم ويصلحون للقتال قال : ولو شهد القتال عبد بغير إذن سيده لم يأثم بالفرار على غير نية واحد من الأمرين ; لأنه لم يكن القتال ، ولو شهد القتال مغلوب على عقله بلا سكر لم يأثم بأن يولي ، ولو شهده مغلوب على عقله بسكر من خمر فولى كان كتولية الصحيح المطيق للقتال ، ولو شهد القتال من لم يبلغ لم يأثم بالتولية ; لأنه ممن لا حد عليه ، ولم تكمل الفرائض عليه ، ولو شهد النساء القتال فولين رجوت أن لا يأثمن بالتولية ; لأنهن لسن ممن عليه الجهاد كيف كانت حالهن .

قال : وإذا حضر العدو القتال فأصاب المسلمون غنيمة ، ولم تقسم حتى ولت منهم طائفة ، فإن قالوا ولينا متحرفين لقتال ، أو متحيزين إلى فئة كانت لهم سهمانهم فيما غنم بعد ، وإن لم يكونوا مقاتلين ، ولا ردءا ، ولو غنم المسلمون غنيمة ثم لم تقسم خمست ، أو لم تخمس حتى ولوا وأقروا أنهم ولوا بغير نية واحد من الأمرين وادعوا أنهم بعد التولية أحدثوا نية أحد الأمرين والرجعة ورجعوا لم يكن لهم غنيمة ; لأنها لم تصر إليهم حتى صاروا ممن عصى بالفرار وترك الدفع عنها وكانوا آثمين بالترك .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإذا ولى القوم غير متحرفين إلى فئة ثم غزوا غزاة أخرى وعادوا إلى ترك الغزاة فما كان فيها من غنيمة شهدوها ، ولم يولوا بعدها فلهم حقهم منها ، وإذا رجع القوم القهقرى بلا نية لأحد الأمرين كانوا كالمولين ; لأنه إنما أريد بالتحريم الهزيمة عن المشركين .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 45.33 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.70 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.39%)]