عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 26-09-2022, 01:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,371
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كتاب الأم للإمام الشافعي - الفقه الكامل ---متجدد إن شاء الله



كتاب الأم للشافعي - الفقه الكامل
محمد ابن إدريس بن العباس الشافعي
المجلد الرابع

الحلقة (168)
صــــــــــ 167 الى صـــــــــــ172




أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر محمد بن علي أن عمر لما دون الدواوين قال بمن ترون أبدأ ؟ قيل له ابدأ بالأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا غير واحد من أهل العلم والصدق من أهل المدينة ومكة من قبائل قريش وغيرهم وكان بعضهم أحسن اقتصاصا للحديث من بعض ، وقد زاد بعضهم على بعض في الحديث أن عمر لما دون الديوان قال أبدأ ببني هاشم ثم قال حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيهم وبني المطلب . فإذا كانت السن في الهاشمي قدمه على المطلبي ، وإذا كانت في المطلبي قدمه على الهاشمي فوضع الديوان على ذلك وأعطاهم عطاء القبيلة الواحدة ثم استوت له بنو عبد شمس ونوفل في جذم النسب فقال عبد شمس إخوة النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه وأمه دون نوفل فقدمهم ثم دعا بني نوفل يتلونهم ثم استوت له عبد العزى وعبد الدار فقال في بني أسد بن عبد العزى أصهار النبي صلى الله عليه وسلم وفيهم أنهم من المطيبين وقال بعضهم وهم من حلف الفضول ، وفيهم كان النبي صلى الله عليه وسلم وقد قيل ذكر سابقة فقدمهم على بني عبد الدار ثم دعا بني عبد الدار يتلونهم ثم انفردت له زهرة فدعاها تتلو عبد الدار ثم استوت له بنو تيم ومخزوم فقال [ ص: 167 ] في بني تيم إنهم من حلف الفضول والمطيبين ، وفيهما كان النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : ذكر سابقة وقيل : ذكر صهرا فقدمهم على مخزوم ثم دعا مخزوما يتلونهم ثم استوت له سهم وجمح وعدي بن كعب فقيل له : ابدأ بعدي فقال : بل أقر نفسي حيث كنت ، فإن الإسلام دخل وأمرنا وأمر بني سهم واحد ، ولكن انظروا بني سهم وجمح فقيل : قدم بني جمح ثم دعا بني سهم فقال وكان ديوان عدي وسهم مختلطا كالدعوة الواحدة فلما خلصت إليه دعوته كبر تكبيرة عالية ثم قال الحمد لله الذي أوصل إلي حظي من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم دعا بني عامر بن لؤي فقال بعضهم : إن أبا عبيدة بن الجراح الفهري لما رأى من تقدم عليه قال : أكل هؤلاء تدعو أمامي ؟ فقال يا أبا عبيدة اصبر كما صبرت أو كلم قومك فمن قدمك منهم على نفسه لم أمنعه فأما أنا وبنو عدي فنقدمك إن أحببت على أنفسنا قال فقدم معاوية بعد بني الحارث بن فهر ففصل بهم بين بني عبد مناف وأسد بن عبد العزى

وشجر بين بني سهم وعدي شيء في زمان المهدي فافترقوا فأمر المهدي ببني عدي فقدموا على سهم وجمح للسابقة فيهم .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإذا فرغ من قريش قدمت الأنصار على قبائل العرب كلها لمكانهم من الإسلام .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : الناس عباد الله فأولاهم أن يكون مقدما أقربهم بخيرة الله لرسالته ومستودع أمانته وخاتم النبيين وخير خلق رب العالمين محمد عليه الصلاة والسلام .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ومن فرض له الوالي من قبائل العرب رأيت أن يقدم الأقرب فالأقرب منهم برسول الله صلى الله عليه وسلم في النسب ، فإذا استووا قدم أهل السابقة على غير أهل السابقة ممن هم مثلهم في القرابة .
كتاب الجزية أخبرنا الربيع بن سليمان قال أخبرنا الشافعي قال قال الله تبارك وتعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى خلق الله تعالى الخلق لعبادته ثم أبان جل وعلا أن خيرته من خلقه أنبياؤه فقال تبارك اسمه { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين } فجعل النبيين صلى الله عليهم وسلم من أصفيائه دون عباده بالأمانة على وحيه والقيام بحجته فيهم ثم ذكر من خاصته صفوته فقال جل وعز { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين } فخص آدم ونوحا بإعادة ذكر اصطفائهما وذكر إبراهيم فقال جل ثناؤه { واتخذ الله إبراهيم خليلا } وذكر إسماعيل بن إبراهيم فقال عز ذكره { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا } ثم أنعم الله عز وجل على آل إبراهيم وعمران في الأمم فقال تبارك وتعالى { إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ثم اصطفى الله عز وجل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم من خير آل إبراهيم وأنزل كتبه قبل إنزاله الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم بصفة فضيلته وفضيلة من اتبعه به فقال عز وجل { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا } الآية وقال لأمته { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ففضيلتهم بكينونتهم من أمته دون أمم الأنبياء ثم أخبر جل وعز أنه جعله فاتح رحمته عند فترة رسله فقال { يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ، ولا نذير ، فقد جاءكم بشير ونذير } وقال { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته [ ص: 168 ] ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } وكان في ذلك ما دل على أنه بعث إلى خلقه ; لأنهم كانوا أهل كتاب ، أو أميين وأنه فتح به رحمته وختم به نبوته فقال عز وجل { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ، ولكن رسول الله وخاتم النبيين } وقضى أن أظهر دينه على الأديان فقال عز وجل { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون } ، وقد وصفنا بيان كيف يظهره على الدين في غير هذا الموضع .
مبتدأ التنزيل والفرض على النبي صلى الله عليه وسلم ثم على الناس .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ويقال والله تعالى أعلم إن أول ما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم { اقرأ باسم ربك الذي خلق } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل عليه فرائضه كما شاء لا معقب لحكمه ثم أتبع كل واحد منها فرضا بعد فرض في حين غير حين الفرض قبله .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ويقال والله تعالى أعلم إن أول ما أنزل الله عليه { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ثم أنزل عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه المشركين فمرت لذلك مدة .

ثم يقال أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان به فكبر ذلك عليه وخاف التكذيب وأن يتناول فنزل عليه { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } فقال يعصمك من قتلهم أن يقتلوك حين تبلغ ما أنزل إليك فلما أمر به فاستهزأ به قوم فنزل عليه { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين } .

( قال الشافعي ) وأعلمه من علمه منهم أنه لا يؤمن به فقال { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا } قرأ الربيع إلى { بشرا رسولا } .

( قال الشافعي ) وأنزل الله عز وجل فيما يثبته به إذا ضاق من أذاهم { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك } إلى آخر السورة . ففرض عليه إبلاغهم وعبادته ، ولم يفرض عليه قتالهم وأبان ذلك في غير آية من كتابه ، ولم يأمره بعزلتهم وأنزل عليه { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون } وقوله { فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } قرأ الربيع الآية : وقوله { ما على الرسول إلا البلاغ } مع أشياء ذكرت في القرآن في غير موضع في مثل هذا المعنى وأمرهم الله عز وجل بأن لا يسبوا أندادهم فقال عز وجل { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } الآية مع ما يشبهها .

( قال الشافعي ) ثم أنزل الله تبارك وتعالى بعد هذا في الحال التي فرض فيها عزلة المشركين فقال { ، وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم } مما فرض عليه فقال { ، وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها } قرأ الربيع إلى { إنكم إذا مثلهم } .
الإذن بالهجرة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ، وكان المسلمون مستضعفين بمكة زمانا لم يؤذن لهم فيه بالهجرة [ ص: 169 ] منها ثم أذن الله عز وجل لهم بالهجرة وجعل لهم مخرجا فيقال نزلت { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قد جعل الله تبارك وتعالى لهم بالهجرة مخرجا وقال { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة } الآية . وأمرهم ببلاد الحبشة فهاجرت إليها منهم طائفة ثم دخل أهل المدينة في الإسلام فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم طائفة فهاجرت إليهم غير محرم على من بقي ترك الهجرة إليهم وذكر الله جل ذكره للفقراء المهاجرين وقال { ، ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة } قرأ الربيع إلى { في سبيل الله } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ثم أذن الله تبارك وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة ، ولم يحرم في هذا على من بقي بمكة المقام بها وهي دار شرك ، وإن قلوا بأن يفتنوا ، ولم يأذن لهم بجهاد . ثم أذن الله عز وجل لهم بالجهاد ، ثم فرض بعد هذا عليهم أن يهاجروا من دار الشرك ، وهذا موضوع في غير هذا الموضع .
مبتدأ الإذن بالقتال .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : فأذن لهم بأحد الجهادين بالهجرة قبل أن يؤذن لهم بأن يبتدئوا مشركا بقتال ، ثم أذن لهم بأن يبتدئوا المشركين بقتال قال الله تعالى { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } الآية ، وأباح لهم القتال بمعنى أبانه في كتابه فقال عز وجل { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم } قرأ الربيع إلى { كذلك جزاء الكافرين } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى يقال : نزل هذا في أهل مكة وهم كانوا أشد العدو على المسلمين وفرض عليهم في قتالهم ما ذكر الله عز وجل ثم يقال : نسخ هذا كله والنهي عن القتال حتى يقاتلوا والنهي عن القتال في الشهر الحرام بقول الله عز وجل { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } الآية ونزول هذه الآية بعد فرض الجهاد وهي موضوعة في موضعها .
فرض الهجرة

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ولما فرض الله عز وجل الجهاد على رسوله صلى الله عليه وسلم وجاهد المشركين بعد إذ كان أباحه وأثخن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل مكة ورأوا كثرة من دخل في دين الله عز وجل اشتدوا على من أسلم منهم ففتنوهم عن دينهم ، أو من فتنوا منهم فعذر الله من لم يقدر على الهجرة من المفتونين فقال { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } وبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله عز وجل جعل لكم مخرجا وفرض على من قدر على الهجرة الخروج إذا كان ممن يفتن عن دينه ، ولا يمتنع } فقال في رجل منهم توفي تخلف عن الهجرة فلم يهاجر { الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيما كنتم } الآية . وأبان الله عز وجل عذر المستضعفين فقال { إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة } إلى " رحيما " .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ويقال " عسى " من الله واجبة .

( قال الشافعي ) ودلت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن فرض الهجرة على من أطاقها إنما هو على من فتن عن دينه بالبلد الذي يسلم بها ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن [ ص: 170 ] لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد إسلامهم منهم العباس بن عبد المطلب وغيره إذ لم يخافوا الفتنة { وكان يأمر جيوشه أن يقولوا لمن أسلم إن هاجرتم فلكم ما للمهاجرين ، وإن أقمتم فأنتم كأعراب وليس يخيرهم إلا فيما يحل لهم } .
أصل فرض الجهاد .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى ولما مضت لرسول الله صلى الله عليه وسلم مدة من هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعة باتباعه حدثت لهم بها مع عون الله قوة بالعدد لم تكن قبلها ففرض الله تعالى عليهم الجهاد بعد إذ كان إباحة لا فرضا فقال تبارك وتعالى { كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } وقال عز وجل { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } الآية . وقال تبارك وتعالى { وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم } وقال عز وجل { وجاهدوا في الله حق جهاده } وقال { ، فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق } وقال عز وجل { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم } إلى قدير وقال { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } الآية ، ثم ذكر قوما تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان يظهر الإسلام فقال { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } الآية ، فأبان في هذه الآية أن عليهم الجهاد فيما قرب وبعد بعد إبانته ذلك في غير مكان في قوله { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب } قرأ الربيع إلى { أحسن ما كانوا يعملون } وسنبين من ذلك ما حضرنا على وجهه إن شاء الله تعالى قال الله عز وجل { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله } قرأ الربيع الآية وقال { إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص } وقال { وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله } مع ما ذكر به فرض الجهاد وأوجب على المتخلف عنه .
من لا يجب عليه الجهاد .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى فلما فرض الله تعالى الجهاد دل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرض الخروج إلى الجهاد على مملوك ، أو أنثى بالغ ، ولا حر لم يبلغ لقول الله عز وجل { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا } وقرأ الربيع الآية فكأن الله عز وجل حكم أن لا مال للمملوك ، ولم يكن مجاهد إلا ويكون عليه للجهاد مؤنة من المال ، ولم يكن للمملوك مال ، وقد قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { حرض المؤمنين على القتال } فدل على أنه أراد بذلك الذكور دون الإناث ; لأن الإناث المؤمنات .

وقال عز وجل { وما كان المؤمنون لينفروا كافة } وقال { كتب عليكم القتال } وكل هذا يدل على أنه أراد به الذكور دون الإناث . وقال عز وجل - إذ أمر بالاستئذان - : { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم } فأعلم أن فرض الاستئذان إنما هو على البالغين وقال : { وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا } فلم يجعل لرشدهم حكما تصير به أموالهم إليهم إلا بعد البلوغ فدل على أن الفرض في العمل إنما هو على البالغين ، ودلت السنة ثم ما لم أعلم فيه مخالفا من أهل العلم على مثل ما وصفت .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى أخبرنا سفيان بن عيينة عن عبد الله ، أو عبيد الله عن نافع عن { ابن عمر شك الربيع قال عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد [ ص: 171 ] وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني } .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم القتال عبيد ونساء وغير بالغين فرضخ لهم ، ولم يسهم وأسهم لضعفاء أحرار بالغين شهدوا معه فدل ذلك على أن السهمان إنما تكون فيمن شهد القتال من الرجال الأحرار ، ودل ذلك على أن لا فرض في الجهاد على غيرهم ، وهذا موضوع في موضعه .
من له عذر بالضعف والمرض والزمانة في ترك الجهاد .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : قال الله عز وجل في الجهاد : { ليس على الضعفاء ، ولا على المرضى ، ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } الآية وقال { ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ، ولا على المريض حرج } .

( وقال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وقيل الأعرج المقعد والأغلب أنه الأعرج في الرجل الواحدة ، وقيل نزلت في أن لا حرج أن لا يجاهدوا ، وهو أشبه ما قالوا وغير محتمل غيره وهم داخلون في حد الضعفاء وغير خارجين من فرض الحج ، ولا الصلاة ، ولا الصوم ، ولا الحدود ، ولا يحتمل والله تعالى أعلم أن يكون أريد بهذه الآية إلا وضع الحرج في الجهاد دون غيره من الفرائض .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى الغزو غزوان : غزو يبعد عن المغازي ، وهو ما بلغ مسيرة ليلتين قاصدتين حيث تقصر الصلاة وتقدم مواقيت الحج من مكة وغزو يقرب ، وهو ما كان دون ليلتين مما لا تقصر فيه الصلاة وما هو أقرب من المواقيت إلى مكة .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا كان الغزو البعيد لم يلزم القوي السالم البدن كله إذا لم يجد مركبا وسلاحا ونفقة ويدع لمن تلزمه نفقته قوته إذن قدر ما يرى أنه يلبث ، وإن وجد بعض هذا دون بعض فهو ممن لا يجد ما ينفق .

( قال الشافعي ) رحمه الله : نزلت { ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا } ، الآية .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وإذا وجد هذا كله دخل في جملة من يلزمه فرض الجهاد فإن تهيأ للغزو ، ولم يخرج ، أو خرج ، ولم يبلغ موضع الغزو ، أو بلغه ثم أصابه مرض ، أو صار ممن لا يجد في أي هذه المواضع كان فله أن يرجع ، وقد صار من أهل العذر ، فإن ثبت كان أحب إلي ووسعه الثبوت ، وإذا كان ممن لم يكن لهم قوتهم لم يحل له أن يغزو على الابتداء ، ولا يثبت في الغزو إن غزا ، ولا يكون له أن يضيع فرضا ويتطوع ; لأنه إذا لم يجد فهو متطوع بالغزو ، ومن قلت له أن لا يغزو فله أن يرجع إذا غزا بالعذر وكان ذلك له ما لم يلتق الزحفان ، فإذا التقيا لم يكن له ذلك حتى يتفرقا .
العذر بغير العارض في البدن .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى إذا كان سالم البدن قويه واجدا لما يكفيه ومن خلف يكون داخلا فيمن عليه فرض الجهاد لو لم يكن عليه دين ، ولم يكن له أبوان ، ولا واحد من أبوين يمنعه ، فلو كان عليه دين لم يكن له أن يغزو بحال إلا بإذن أهل الدين .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإذا كان يحجبه مع الشهادة عن الجنة الدين فبين أن لا يجوز له الجهاد وعليه دين إلا بإذن أهل الدين وسواء كان الدين لمسلم ، أو كافر ، وإذا كان يؤمر بأن يطيع أبويه أو أحدهما في ترك الغزو فبين أن لا يؤمر بطاعة أحدهما إلا والمطاع منهما مؤمن ، فإن قال قائل : كيف تقول لا تجب عليه طاعة أبويه ، ولا واحد منهما حتى يكون [ ص: 172 ] المطاع مسلما في الجهاد ، ولم تقله في الدين ؟ قيل : الدين مال لزمه لمن هو له لا يختلف فيه من وجب له من مؤمن ، ولا كافر ; لأنه يجب عليه أداؤه إلى الكافر كما يجب عليه إلى المؤمن وليس يطيع في التخلف عن الغزو صاحب الدين بحق يجب لصاحب الدين عليه إلا بماله ، فإذا برئ من ماله فأمر صاحب الدين ونهيه سواء ، ولا طاعة له عليه ; لأنه لا حق له عليه بغير المال فلما كان الخروج بغرض إهلاك ماله لديه لم يخرج إلا بإذنه ، أو بعد الخروج من دينه وللوالدين حق في أنفسهما لا يزول بحال للشفقة على الولد والرقة عليه وما يلزمه من مشاهدتهما لبرهما ، فإذا كانا على دينه فحقهما لا يزول بحال ، ولا يبرأ منه بوجه وعليه أن لا يجاهد إلا بإذنهما ، وإذا كانا على غير دينه فإنما يجاهد أهل دينهما فلا طاعة لهما عليه في ترك الجهاد وله الجهاد ، وإن خالفهما والأغلب أن منعهما سخط لدينه ورضا لدينهما لا شفقة عليه فقط ، وقد انقطعت الولاية بينه وبينهما في الدين .

فإن قال قائل : فهل من دليل على ما وصفت ؟ قيل جاهد ابن عتبة بن ربيعة مع النبي صلى الله عليه وسلم وأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد وأبوه مجاهد النبي صلى الله عليه وسلم فلست أشك في كراهية أبيه لجهاده مع النبي صلى الله عليه وسلم وجاهد عبد الله بن عبد الله بن أبي مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبوه متخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد ويخذل عنه من أطاعه مع غيرهم ممن لا أشك إن شاء الله تعالى في كراهتهم لجهاد أبنائهم مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانوا مخالفين مجاهدين له ، أو مخذلين .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى : وأي الأبوين أسلم كان حقا على الولد أن لا يغزو إلا بإذنه إلا أن يكون الولد يعلم من الوالد نفاقا فلا يكون له عليه طاعة في الغزو ، وإن غزا رجل وأحد أبويه ، أو هما مشركان ثم أسلما ، أو أحدهما فأمره بالرجوع فعليه الرجوع عن وجهه ما لم يصر إلى موضع لا طاقة له بالرجوع منه إلا بخوف أن يتلف وذلك أن يصير إلى بلاد العدو ، فلو فارق المسلمين لم يأمن أن يأخذه العدو ، فإذا كان هذا هكذا لم يكن له أن يرجع للتعذر في الرجوع ، وكذلك إن لم يكن صار إلى بلاد مخوفة إن فارق الجماعة فيها خاف التلف وهكذا إذا غزا ، ولا دين عليه ثم ادان فسأله صاحب الدين الرجوع .

( قال الشافعي ) رحمه الله تعالى وإن سأله أبواه ، أو أحدهما الرجوع وليس عليه خوف في الطريق ، ولا له عذر فعليه أن يرجع للعذر ، وإذا قلت ليس له أن يرجع فلا أحب أن يبادر ، ولا يسرع في أوائل الخيل ، ولا الرجل ، ولا يقف الموقف الذي يقفه من يتعرض للقتل ; لأنه إذا نهيته عن الغزو لطاعة والديه ، أو لذي الدين نهيته إذا كان له العذر عن تعرض القتل وهكذا أنهاه عن تعرض القتل لو خرج وليس له أن يخرج بخلاف صاحب دينه وأحد أبويه ، أو خلاف الذي غزا وأحد أبويه وصاحب دينه كاره
وليس على الخنثى المشكل الغزو فإن غزا وقاتل لم يعط سهما ويرضخ له ما يرضخ للمرأة .
والعبد يقاتل فإن بان لنا أنه رجل فعليه من حين يبين الغزو وله فيه سهم رجل .
العذر الحادث .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]