عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 22-09-2022, 04:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,556
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (176)
صـ21 إلى صـ 30





وقد قسمه الغزالي إلى أقسام ذكرها في " شفاء الغليل " ، وهو مبسوط [ ص: 21 ] في كتب الأصول ، قالوا : وهو خارج عن باب القياس ، ولذلك قال به أبو حنيفة مع إنكاره القياس في الكفارات ، وإنما هو راجع إلى نوع من تأويل الظواهر .

والثاني : المسمى بتخريج المناط ، وهو راجع إلى أن النص الدال على [ ص: 22 ] الحكم لم يتعرض للمناط; فكأنه أخرج بالبحث ، وهو الاجتهاد القياسي ، وهو معلوم .

والثالث : هو نوع من تحقيق المناط المتقدم الذكر; لأنه ضربان :

[ ص: 23 ] أحدهما : ما يرجع إلى الأنواع لا إلى الأشخاص; كتعيين نوع المثل في جزاء الصيد ، ونوع الرقبة في العتق في الكفارات ، وما أشبه ذلك ، وقد تقدم التنبيه عليه .

والضرب الثاني : ما يرجع إلى تحقيق مناط فيما تحقق مناط حكمه; فكأن تحقيق المناط على قسمين :

- تحقيق عام ، وهو ما ذكر .

- وتحقيق خاص من ذلك العام .

وذلك أن الأول نظر في تعيين المناط من حيث هو لمكلف ما ، فإذا نظر المجتهد في العدالة مثلا ووجد هذا الشخص متصفا بها على حسب ما ظهر له أوقع عليه ما يقتضيه النص من التكاليف المنوطة بالعدول ، من الشهادات والانتصاب للولايات العامة أو الخاصة ، وهكذا إذا نظر في الأوامر والنواهي الندبية ، والأمور الإباحية ووجد المكلفين والمخاطبين على الجملة ، أوقع عليهم أحكام تلك النصوص ، كما يوقع عليهم نصوص الواجبات والمحرمات من غير التفات إلى شيء غير القبول المشروط بالتهيئة الظاهرة; فالمكلفون كلهم في أحكام تلك النصوص على سواء في هذا النظر .

أما الثاني - وهو النظر الخاص - فأعلى من هذا وأدق ، وهو في الحقيقة [ ص: 24 ] ناشئ عن نتيجة التقوى المذكورة في قوله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [ الأنفال : 29 ] وقد يعبر عنه بالحكمة ، ويشير إليها قوله تعالى يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا [ البقرة : 269 ] قال مالك : من شأن ابن آدم ألا يعلم ثم يعلم ، أما سمعت قول الله تعالى إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا [ الأنفال : 29 ] ، وقال أيضا : إن الحكمة مسحة ملك على قلب العبد ، وقال : الحكمة نور يقذفه الله في قلب العبد ، وقال أيضا : يقع بقلبي أن الحكمة الفقه في دين الله ، وأمر يدخله الله القلوب من رحمته وفضله .

وقد كره مالك كتابة العلم - يريد ما كان نحو الفتاوى - فسئل ما الذي نصنع ؟ فقال : تحفظون وتفهمون حتى تستنير قلوبكم ، ثم لا تحتاجون إلى الكتاب .

وعلى الجملة; فتحقيق المناط الخاص نظر في كل مكلف بالنسبة إلى ما وقع عليه من الدلائل التكليفية بحيث يتعرف منه مداخل الشيطان ، ومداخل [ ص: 25 ] الهوى والحظوظ العاجلة حتى يلقيها هذا المجتهد على ذلك المكلف مقيدة بقيود التحرز من تلك المداخل ، هذا بالنسبة إلى التكليف المنحتم وغيره .

ويختص غير المنحتم بوجه آخر ، وهو النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت ، وحال دون حال ، وشخص دون شخص; إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد ، كما أنها في العلوم والصنائع كذلك; فرب عمل صالح يدخل بسببه على رجل ضرر أو فترة ، ولا يكون كذلك بالنسبة إلى آخر ، ورب عمل يكون حظ النفس والشيطان فيه بالنسبة إلى العامل أقوى منه في عمل آخر ، ويكون بريئا من ذلك في بعض الأعمال دون بعض; فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها ، وتفاوت إدراكها ، وقوة تحملها للتكاليف ، وصبرها على حمل أعبائها أو ضعفها ، ويعرف التفاتها إلى الحظوظ العاجلة أو عدم التفاتها; فهو يحمل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها ، بناء على أن ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف; فكأنه يخص عموم المكلفين والتكاليف بهذا التحقيق ، لكن مما ثبت عمومه في التحقيق الأول العام ، ويقيد به ما ثبت إطلاقه في الأولي ، أو يضم قيدا أو قيودا لما ثبت له في الأول بعض القيود .

[ ص: 26 ] هذا معنى تحقيق المناط هنا .

وبقي الدليل على صحة هذا الاجتهاد; فإن ما سواه قد تكفل الأصوليون ببيان الدلالة عليه ، وهو داخل تحت عموم تحقيق المناط; فيكون مندرجا تحت مطلق الدلالة عليه ، ولكن إن تشوف أحد إلى خصوص الدلالة عليه فالأدلة عليه كثيرة نذكر منها ما تيسر بحول الله :

فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في أوقات مختلفة عن أفضل الأعمال ، وخير الأعمال ، وعرف بذلك في بعض الأوقات من غير سؤال; فأجاب بأجوبة مختلفة ، كل واحد منها لو حمل على إطلاقه أو عمومه لاقتضى مع غيره التضاد في التفصيل; ففي الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام سئل : أي الأعمال أفضل ؟ قال : " إيمان بالله " قال : ثم ماذا ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " قال : ثم ماذا ؟ قال : " حج مبرور " .

وسئل عليه الصلاة والسلام : أي الأعمال أفضل ؟ قال : " الصلاة لوقتها " قال : ثم أي ؟ قال : " بر الوالدين " قال : ثم أي ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله " .

[ ص: 27 ] وفي النسائي عن أبي أمامة قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : مرني بأمر آخذه عنك ، قال : عليك بالصوم فإنه لا مثل له .

وفي الترمذي : سئل أي الأعمال أفضل درجة عند الله يوم القيامة ؟ قال : " الذاكرون الله كثيرا والذاكرات " .

وفي الصحيح في قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له . . إلخ ، قال : ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به ، الحديث .

[ ص: 28 ] وفي النسائي : " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " .

وفي البزار : أي العبادة أفضل ؟ قال : " دعاء المرء لنفسه " [ ص: 29 ] وفي الترمذي : " ما من شيء أفضل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خلق حسن " .

وفي البزار : " يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما خفيفتان على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما ؟ عليك بحسن الخلق ، وطول الصمت; فوالذي نفسي بيده ما عمل الخلائق بمثلهما " .

[ ص: 30 ] وفي مسلم : " أي المسلمين خير ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده .

وفيه : سئل أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف .

وفي الصحيح : " وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر " .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.53 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 21.90 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.79%)]