عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 20-09-2022, 01:59 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1621 الى صـ 1628
الحلقة (264)







روى الشيخان، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [ ص: 1621 ] مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة (العائرة المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع).
القول في تأويل قوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا [144]

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا هذا نهي عن موالاة الكفرة، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم، وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه [آل عمران: 28]أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه، ولهذا قال ههنا: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا أي: حجة عليكم في عقابكم بموالاتكم إياهم، وقد دلت الآية على تحريم موالاة المؤمنين للكافرين.

قال الحاكم : وهي الموالاة في الدين والنصرة فيه، لا المخالفة والإحسان.

قال الزمخشري : وعن صعصعة بن صوحان أنه قال لابن أخ له: خالص المؤمن وخالق الكافر والفاجر، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن، وأنه يحق عليك أن تخالص المؤمن.

قال أبو السعود : وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال: (أتجعلون.... إلخ) للمبالغة في إنكار ذلك، وتهويل أمره ببيان أنه مما لا يصدر على العاقل إرادته، فضلا عن صدور نفسه، كما في قوله عز وجل: أم تريدون أن تسألوا رسولكم [البقرة: 108].

[ ص: 1622 ] لطيفة:

روى ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن حجة ، وكذا قال غيره من أئمة التابعين.

قال محمد بن يزيد : هو من (السليط) وهو دهن الزيت لإضاءته، أي: فإن الحجة من شأنها أن تكون نيرة، وفي "البصائر" إنما سمى الحجة سلطانا لما يلحق من الهجوم على القلوب، لكن أكثر تسلطه على أهل العلم والحكمة.
القول في تأويل قوله تعالى:

إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا [145]

إن المنافقين في الدرك قرئ بسكون الراء وفتحها: الأسفل من النار أي: الطبق الذي في قعر جهنم، والدرك كالدرج إلا أنه يقال باعتبار الهبوط، والدرج باعتبار الصعود، وإنما عوقبوا بذلك؛ لأنهم أخبث الكفرة، إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين.

قال الرازي : وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين، ثم يخبرون الكفار بذلك، فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين - فلهذه الأسباب عوقبوا بذلك.

ونقل عن ابن الأنباري أنه قال: إنه تعالى أخبر عن آل فرعون بقوله: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب [غافر: 46] وعن المنافقين بما في هذه الآية، فأيهما أشد عذابا؟

فأجاب: بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل، وقد اجتمع فيه الفريقان، والله أعلم.

روى الترمذي ، عن الحسن قال: قال عتبة بن غزوان - على منبر البصرة - إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما وما تفضي [ ص: 1623 ] إلى قرارها .

وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد.

وروى الترمذي ، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره .

ولن تجد لهم نصيرا أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
القول في تأويل قوله تعالى:

إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [146]

إلا الذين تابوا أي: عن النفاق وأصلحوا أي: أعمالهم واعتصموا بالله أي: وثقوا به بترك موالاة الكفار وأخلصوا دينهم لله فلم يبق لهم فيه تردد، ولم يريدوا بطاعتهم إلا وجهه سبحانه، لا رياء الناس كما كانوا قبل.

فأولئك مع المؤمنين إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة، أي: لعلو رتبتهم بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الأسفل، بل مع المؤمنين المستمرين على الإيمان بلا نفاق، أي: معهم في درجات الجنان، وقد بين ذلك بقوله سبحانه: وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ثوابا وافرا في الجنة، فيشاركونهم فيه ويساهمونهم، وحذفت (الياء) في الخط هنا اتباعا لللفظ؛ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله: يوم يدع الداع [القمر: 6] و سندع الزبانية [العلق: 18]، و يوم يناد المناد [ق: 41] [ ص: 1624 ] ونحوها، فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين، فجاء الرسم تابعا لللفظ، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعا للخط الكريم، إلا يعقوب والكسائي وحمزة فإنهم يقفون بالياء نظرا إلى الأصل، كذا في "الفتح".

تنبيه:

قال الزمخشري : فإن قلت: من المنافق؟ قلت: هو في الشريعة من أظهر الإيمان وأبطن الكفر، وأما تسميته من ارتكب ما يفسق به بـ(المنافق) فللتغليظ، كقوله: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا.

ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وإن صلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان .

وقيل لحذيفة - رضي الله عنه -: من المنافق؟ فقال: الذي يصف الإسلام ولا يعمل به.

وقيل لابن عمر : ندخل على السلطان ونتكلم بكلام فإذا خرجنا تكلمنا بخلافه، فقال: كنا نعده من النفاق. انتهى كلامه.

أقول: قول الزمخشري (فللتغليظ) يوجد مثله لثلة من شراح الحديث وغيرهم، وقد بحث فيه بعض محققي مشايخنا بقوله: هذا الجواب لا يرتضيه من عرف قدر النبي - صلى الله [ ص: 1625 ] عليه وسلم - وكأنهم غفلوا عما يستلزمه هذا الجواب مما لا يرتضيه أدنى عالم أن ينسب إليه، وهو الإخبار بخلاف الواقع لأجل الزجر. انتهى.

وقال بعض المحققين: عليك أن تقر الأحاديث كما وردت؛ لتنجو من معرة الخطر.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما [147]

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم قال أبو السعود : هو استئناف مسوق لبيان أن مدار تعذيبهم وجودا وعدما إنما هو كفرهم، لا شيء آخر، فيكون مقررا لما قبله من إثابتهم عند توبتهم.

و(ما) استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده، أي: أي شيء يفعل الله سبحانه بتعذيبكم؟ أيتشفى به من الغيظ؟ أم يدرك به الثأر؟ أم يستجلب به نفعا؟ أم يستدفع به ضررا؟ كما هو شأن الملوك، وهو الغني المتعالي عن أمثال ذلك، وإنما هو أمر يقتضيه كفركم، فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر انتفى التعذيب لا محالة.

وتقديم (الشكر) على (الإيمان) لما أنه طريق موصل إليه، فإن الناظر يدرك أولا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما، ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به، وجواب الشرط محذوف؛ لدلالة ما قبله عليه.

وكان الله شاكرا عليما الشكر منه تعالى المجازاة والثناء الجميل، كما في "القاموس" ويرحم الله ابن القيم حيث يقول في "الكافية الشافية":


وهو الشكور فلن يضيع سعيهم لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب
هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه ضائع
إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذبوا فبعدله أو نعموا
فبفضله والحمد للرحمن

[ ص: 1626 ] القول في تأويل قوله تعالى:

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما [148]

لا يحب الله الجهر بالسوء من القول أي: لا يحب الله تعالى أن يجهر أحد بالقبيح من القول إلا من ظلم إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه، أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء، فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه، حتى إنه يجيب دعاءه، ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة.

فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه فليس المراد حصر معنى الآية فيه، بل القصد تنبيه المستمع على النوع.

فمن ذلك ما رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس في الآية يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما؛ فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: إلا من ظلم وإن صبر فهو خير له.

ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق ، وابن إسحاق ، وهناد بن السري، عن مجاهد قال: هي في رجل أضاف رجلا فأساء قراه، فتحول عنه، فجعل يثني عليه بما أولاه، فرخص له أن يثني عليه بما أولاه.

وفي رواية عنه: وهو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن.

وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.

قال ابن كثير : وقد روى الجماعة (سوى النسائي والترمذي ) عن عقبة بن عامر قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا فما ترى؟ فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف [ ص: 1627 ] الذي ينبغي لهم .

وروى الإمام أحمد ، عن المقدام بن أبي كريمة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أيما مسلم ضاف قوما فأصبح الضيف محروما، فإن حقا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله .

وروى هو وأبو داود عنه أيضا سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا عليه، فإن شاء اقتضاه وإن شاء تركه .

ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار عن أبي هريرة ، أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن لي جارا يؤذيني، فقال له: أخرج متاعك فضعه على الطريق فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فكل من مر به قال: ما لك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه. قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبدا. ورواه أبو داود في كتاب الأدب.

وقال عبد الكريم بن مالك الجزري - في هذه الآية -: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، لقوله تعالى: ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [الشورى: 41].

وقال قطرب: معنى الآية: إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول، من كفر أو نحوه، فهو مباح له.

وسئل المرتضى عنها فقال: لا يحب الله ذلك ولا يجيزه لفاعله إلا من ظلم، وذلك مثل ما كان من مردة قريش وفعلهم بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العقاب والضرب ليشتموا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتبرءوا منه، ففعل ذلك عمار ، فخلوه وصلبوا صاحبه، فأطلق لمن فعل به هكذا أن يتكلم بما ليس في قلبه، وفي عمار [ ص: 1628 ] وصاحبه نزل قول الله في سورة النحل: من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم [النحل: 106] فكانت هذه الآية مبينة لما في قلب عمار من شحنة بالإيمان. انتهى.

وكل هذا مما تشمله الآية بعمومها، وما نقله السمرقندي وغيره، عن الفراء في قوله تعالى: إلا من ظلم أن: " إلا " بمعنى (لا) يعني: ولا من ظلم - فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه؛ فإن الآية صريحة في أنه يجوز للمظلوم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم ، عن الشريد بن سويد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « لي الواجد يحل عرضه وعقوبته » وأما من لم يظلم فجهره بالسوء داخل في الغيبة المحظورة.

فوائد:

قال بعض مفسري الزيدية: أفادت الآية جواز الجهر بالدعاء على الظالم والجهر بمساويه، ودلت على أن من جهر بكلمة الكفر مكرها لم يكفر ؛ لأنه مظلوم، وإذا ثبت بطلان حكم لفظ (الكفر) مع الظلم - فكذا يلزم في سائر الأحكام من البيع والعتاق والطلاق والإقرار، ثم قال: والمحبة ههنا بمعنى الإباحة، لا أن ذلك يريده الله تعالى.

أقول: هذه نزعة اعتزالية.

ثم قال: وتسميته سوءا؛ لكونه يسوء المقول فيه، وإلا فليس بقبيح في هذه الحال.

ثم قال: وقول من قال (إلا) هنا بمعنى (الواو) أي: ومن ظلم، مثل:


وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان


فخلاف الظاهر. انتهى.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 53.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 53.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.16%)]