عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 19-09-2022, 10:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,570
الدولة : Egypt
افتراضي رد: آهات الاغتراب في ديوان "حسرة تركمانية" للشاعر الشريف الدكتور منير قوشجوزادة

آهات الاغتراب في ديوان "حسرة تركمانية" للشاعر الشريف الدكتور منير قوشجوزادة
د. محمود قدوم





(2)



ثنائيّة الآن/ المستقبل



إذا كانت أعظم غربة على المستوى الفرديِّ حينما يقع الإنسان أسيرا في أيدي الأعداء، يُحيطون به من كلِّ جانب، فيحمل هَمَّيْن: همَّ الغربة في المكان، وهم الغربة في الزَّمان، كما حدث عندما وقع أبو فراسٍ الحمدانيّ أسيرا في أيدي الأعداء، فكتب قصيدته التي يُخاطب فيها سيفَ الدولة راجيًا إيَّاه العملَ على فَكِّ قيدِه وفدائه من الأَسْر[10]:





يا حَسرَةً ما أَكادُ أَحمِلُها

آخِرُها مُزعِجٌ وَأَوَّلُها



عَليلَةٌ بِالشَآمِ مُفرَدَةٌ

باتَ بِأَيدي العِدى مُعَلِّلُها



تُمسِكُ أَحشاءَها عَلى حُرَقٍ

تُطفِئُها وَالهُمومُ تُشعِلُها



إِذا اِطمَأَنَّت وَأَينَ أَو هَدَأَت

عَنَّت لَها ذُكرَةٌ تُقَلقِلُها



تَسأَلُ عَنّا الرُكبانَ جاهِدَةً

بِأَدمُعٍ ماتَكادُ تُمهِلُها










فإنّ شاعرنا تنبّأ بهذا الأسْر فأعدّ العدّة، يقول في قصيدته "لست أدري"[11]:



أنا علّمني الزمان أن أستمر في الطغيان



كي لا أُحْصَر بين الجدران



أو أُحجم بين القضبان



أنا علّمني الزمان



أن لا أُهزم



أن لا أُقهر



أن لا أركع







ولهذا حرص شاعرنا على لملمة عواطفه وأشواقه وأشيائه، استعدادا للرحيل، يقول في قصيدته "تداعيات":



سأحزم أمتعتي



وسأجمع أوراقي



لأبدأ الرحيل







وتنبّأ شاعرنا بالتحولات التي تحيط بالوطن العربي بما يُعرف "الربيع العربي" الذي لمّا تُعرف نهايته؛ إذ شكلت صرخة محمد البوعزيزي دفقة وَلوداً في اللاوعي الجمعي العربي؛ من حيث التماهي معها أو التبصّر بنتائجها أو الاستضاءة ببريقها، يقول في قصيدة "الموت للشعب"[12]:



عاش القائد



عاش المجاهد



عاش البطل المقدام







هتافات ردّدناها سنين



وسنين



وذات يوم



عصيْنا



وأبَيْنا



وارتأينا



فما هي إلا لحظة



حتى ارتفع صوت الرصاص الحانق



صارخا في وجوهنا



"الموت للشعب



و... عاش القائد"







فالشعر، نبوءة فنية ووجدانية عميقة، ويوم قال الشاعر التونسي:"إذا الشعب يوما أراد الحياة..."، لم يكن يدرك في حياته، أن قصيدته هاته، ستكسر صخرة الواقع العربي الصلبة، قصيدة تغنى بها العرب، ليسقطوا بها العديد من أوجه الاستعمار، وليعيدوا نفحة الحياة من جديد في ظل هذه التحولات العربية الجديدة، وقد عبّر أحمد مطر عن هذا بقوله:



فمصرٌ لم تعٌد مصراَ



وتونس لم تعد خضرا



وبغدادٌ هي الأٌخرى



تذوق خيانة العسكر



وإن تسأل عن الأقصى



فإن جراحهم اقسى



بني صهيون تقتلهم



ومصرٌ تغلق المعبر



وحتى الشام يا ولدي



تموت بحسرةٍ أكبر



هنالك لوترى حلبا



فحق الطفل قد سٌلِبا



وعرِض فتاة يغتصبا



ونصف الشعب في المهجر



صغيري إنني أرجوك لا تكبر



فأُمتنا مٌمزّقةٌ



وأٌمتنا مقسّمةٌ



وكل دقيقةً تخسر



وحول الجيد مشنقةٌ



وفي أحشائها خنجر







(3)



ومضات فنيّة في الديوان



يظهر من الديوان أن الدكتور منير وظّف التناص القرآني والشعري توظيفا واعيا، فهو في شعره يسترفد النظر بالقرآن الكريم بوصفه مصدرا من مصادر الصورة الشعرية عنده؛ فأثرى شعره بمادة فنية مستوحاة من آيات القرآن الكريم والقصص الديني فيه، يقول في قصيدته "عهد الانتظار"[13]:



ملائكة الرحمن لا يعرفون السكون



ينزلون صفا صفا








فهو يتناصّ مع قوله تعالى في سورة الفجر ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾.








ويستذكر في قصيدته "حسرة تركمانيّة" قصة سليمان عليه السلام، مع بلقيس، يقول[14]:



يحلمون بملك سليمان



وعرش بلقيس








فهو يتناصّ مع قوله تعالى في سورة النمل ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [النمل: 38 - 44].







ويروي بعض الأحداث السياسيّة المؤلمة في قصيدته "عِشق.. وحرب" مشبّها أهوالها بخروج الناس للمحشر يوم القيامة، يقول[15]:



فما هي إلا ساعات



والناس كأنّهم إلى محشرهم



يهرعون



إذ يتقاطع مع قوله تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾[يس: 51 - 54].







يقول في قصيدته "اضرب "[16]:



اضرب فإنّ جبريل معك



والملائكة أجمعين



وكذلك صالح المؤمنين








الذي يتناص مع قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ.








فالتَّمسك بالحياة وعدم فقدان الأمل هو نوع من أنواع التحدّي؛ لأن فيه إشارة إلى إصرار الشاعر على الحياة، وإشارة إلى زوال الأسباب التي دفعته للغربة. وقد بشَّرَ شاعرُنا في كثير من قصائده بالفرج بعد الشدة، وبانجلاء الظلمة، وذهاب العتمة، يقول[17]:



اضرب..



ولا تيأس،



هو ذا النصر لاحت بشائره



والظلم قد أسدلت ستائره








ويتناصّ في القصيدة عينها مع الحديث النبوي الذي رواه الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُف).








يقول[18]:



اضرب



فإنّ النصر هو من عند الله



إن يأتكم



ليس بنافعكم من حشد باسمكم الملايين



أو بضارّكم لا شارون ولا رابين








أما التناص الشعري فلعل أبرز ما ورد عنده، قوله في قصيدة "رسالة"[19]:



قدر أن أعيش بين



تلال الجماجم



وأنهار الدم



قدر أن أجد على مائدة فطوري



أطباقا من الشظايا والرصاص



تُزيّنها آنية زهور



تفوح منها رائحة البارود







قدر أن أسمع كل يوم



سمفونيّة البنادق



وأن أرقص طربا على أهزوجة



الرشّاشات



قدري أن أعيش قدرا



ولكن



ليت قدري أن أعيش حرا!







إذ يذكرني بقصيدة ابن زُرَيق البغداديِّ الَّتي تحدَّث فيها عن غُربته في بلاد الأندلُس بعد أن تركَ بغداد طلبا للرِّزق ومات غريبا بالأندلس بعد أن ترك قصيدة هي من عيون الشِّعر العربي، يقول[20]:





أستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً

بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ



وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي

صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ










ومن ذلك قوله في قصيدة "إني راحل"[21]:



إني راحل



لا تسألوني إلى أين؟



لأنّي لا أدري!!



لا أبالي بالشتاء والصيف



ولا بالجبال والوديان



سوى أني..



راحل..







وهذا يُذكرني بقول أبي تمام[22]:





ما اليوم أول تَوْديعي ولا الثاني

البينُ أكثر من شوقي وأحزاني



دَعِ الفراق فإنّ الدهرَ ساعده

فصار أملكَ من رُوحي بجثماني










وإذا كانت الغربةُ على المستوى الفرديِّ تشكِّل كلَّ هذا الهمِّ والحزن؛ فإنَّها على المستوى الجماعيِّ تكون أشدَّ وقْعًا على النَّفْس، وقد عرف في تاريخ الأدب العرب ما سُمِّي بـ"رثاء المدُن"، وهو نوعٌ من الشِّعر عبَّرَ أصحابُه من الشُّعراء عن النكبات التي أصابَت الأُمَّة الإسلامية والمِحَن التي حاقَتْ بها، فأصبح أبناؤها المُخْلِصون يعيشون عيشَ الغُرباء، وينكل بهم وتراق دماؤهم، وتُهتَك أعراض نسائهم، وتُدمَّر البيوت، وتهدم المساجد، وتتكالب النكبات القاسية والشدائد العظيمة على الأُمَّة، وقد استشعر الدكتور منير ذلك في قصيدته "أسفي على وطني" إذ يقول[23]:



ألم يحزّ قلبي



كلّما وجدت بلدي يُناديني



بينما أنا مكتوف اليدين



دموعي لا تكاد تجف



وأنا أرى أعشاش البلابل



تعبث بها الأفاعي



أكاد أموت غيظا







فلولا تلك "الحفنة"



ما امتلأت سماؤنا



بأسراب الغربان



ولا طافت على أرضنا



قطيع الضباع



وا أسفا على وطني



أن يكون مرتعا للغربان والضباع



وا أسفا على شعبي



أن يبقى في سكرته



بينما أرضه في ضياع








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.50 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.87 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]