عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 18-09-2022, 07:05 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,290
الدولة : Egypt
افتراضي رد: ليلى والمجنون بين الأدبين العربي والفارسي

قصيدة نظامي هذه تعتبر إذًا من عيون الأدب الفارسي، ولكن في الوقت نفسه لا تقل عنها أهمية تلك الرسوم الرائعة التي أعطت فن المنمنمات الفارسية ألَقَه وجماله عبر العصور، ولا تزال محفوظة حتى يومنا هذا كدليل حي على ارتباط فن الرسم بالفنون الأدبية في حضارة إسلامية ليس بالضرورة العربية، التي لطالما اعترض بعض غلاة مفكريها المحافظين على أن تشمل إبداعاتها رسم الأشخاص، ومع هذا لم تخلُ بدورها من رسوم عرفت طريقها إلى العيون والعقول، وحفظت عبر التاريخ حتى من دون أن تصل إلى روعة إبداعات رسوم المنمنمات الفارسية (والمغولية) التي لا شك في أن العدد الأكبر منها يمكن اعتباره دائمًا تحفًا فنية تضاهي أروع ما أنتجته الإنسانية من لوحات غرامية رومنطيقية"، انتهى كلام الكاتب، ولكن لي تعليقًا سريعًا على وصفه للمجنون بأنه شاعر "جاهلي"، وهو وصف غير صحيح؛ إذ المجنون إنما ينتمي، كما رأينا، إلى العصر الأموي لا الجاهلي، ولا حتى إلى عصر صدر الإسلام.

وفي مقال خاص بالشاعر الفارسي نظامي تلقي الموسوعة المشباكية الحرة "ويكيبيديا" بعض الضوء على حياة ذلك الشاعر وإبداعاته، فتذكر أنه ولد عام 570هـ في الكنجه بإيران القديمة، وتقع حاليًّا في أذربيجان، وأمه كردية،وقد عاش شاعرنا خلال فترة حكم السلاجقة، وتزوج ثلاث مرات، وأنجب ولدًا واحدًا اسمه محمد، ثم توفي عام 614هـ/ 1218م،ويعترف النقاد والشعراء وكتاب التراجم من الفرس وغيرهم على السواء بمكانة نظامي الشعرية، ومن بينهم عوفي وحمد الله المستوفي ودولتشاه سمرقندي ولطف علي بيك، وسعدي وحافظ وجامي وعصمت البخاري، ومن أشهر مؤلفاته "بنج غنج"، ومعناها: "الكنوز الخمسة"، و"مخزن الأسرار"، و"خسرو وشيرين"، و"هفت بيكر"؛ أي: "العروش السبعة"، و"إسكندرنامه"، ومعناه: "كتاب الإسكندر المقدوني"، وديوان "فان للنظامي"، وكذلك "ليلى ومجنون"، وهذه القصة لا تحدث وقائعها في إيران، بل تقع في بلاد العرب،وهي لا تمثل شخصية ملكية، بل تمثل شخصين عاديين من عرب الصحراء: البطل وحبيبته، لكن نظامي استطاع أن يصبغها بالصبغة الفارسية،وقد اختار لها وزن الهزج المسدس الأحزب المقبوض المحذوف،وتشتمل على أكثر من 4000 بيت.

وفي موقع "Iranxa saga (History persiam and Culture)" نجد مقالًا عنوانه: "The Legent of "Layli" and Nadjnum" جاء فيه أن هذه القصة العاطفية الرومانسية يمكن أن تعود في صورتها الأصلية إلى النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، وأن مضمون القصة، حسبما أمكن استخلاصه من النسخ المختلفة، هو مضمون بسيط نبسيًّا، وإن كانت هناك منذ البداية نسختان مختلفتان: فأما في الأولى فلدينا شاب وفتاة يقضيان وقتهما معًا يرعيان الغنم، وأما في الأخرى فنرى المجنون، واسمه في الحقيقة "قيس" كما تقول الروايات، يقابل ليلى مصادفة في جمع من الفتيات مقابلة كان لها تأثير مدمر عليه...ويسارع إلى نحر ناقته لإطعامهن،وتقع ليلى في غرامه من أول نظرة،ويتقدم لطلب يدها من أبيها، إلا أنها كانت مخطوبة من قبل، مما كان سببًا في فقد قيس عقله، فانطلق هائمًا على وجهه شبه عار يعيش بين الحيوانات البرية رافضًا ما يقدم له من طعام،وعبثًا يحاول أبوه أن ينسيه ليلى؛ إذ أخذه معه للحج، إلا أن جنونه لا ينقص بل يزداد،ومع هذا كانت تمر به لحظات من الصفاء ينظم فيها أشعاره العاطفية، وفي النهاية يموت وحيدًا، ولكن بعد أن يقابل ليلى مرة أخرى،ثم يمضي كاتب المادة قائلًا: إن من الصعب معرفة أصل تلك القصة؛ إذ يظن أنه من الممكن إرجاعها إلى حكاية شاب من قبيلة بني أمية يلقب بـ: "المجنون"، نظم بعض الأشعار التي يتغنى فيها بحبه لابنة عمه، إلا أن القصة بهذا الشكل تبدو منفصلة عن سياقها، كما أن الشاعر يظل مجهولًا،ومع ذلك فكون القصة تشتمل على اسم نوفل بن مساحق والي المدينة (عام 702م) يوحي بأن القصة الأخيرة قد ظهرت على صفحة الوجود في تلك الفترة تقريبًا،أما ناظم تلك الأشعار، أو بالأحرى ناظموها، وكذلك مؤلفو الأخبار المتعلقة بها، فسوف يظلون دائمًا مجهولين، وهو ما يزيد من غموض القصة وحيرة الباحثين فيها.

ومن الواضح أن الكاتب قد وقع في بعض الأخطاء التاريخية الساذجة؛ إذ جعل قيسًا من قبيلة بني أمية، على حين أن ارتباطه بالأمويين إنما يقتصر على أنه كان يعيش في عصرهم ليس إلا، أما هو وحبيبته فكانا من بني عامر،ثم هناك شيء آخر، وهو أن الكاتب يعود بالقصة إلى ما قبل ذلك قائلًا: إن الحلقة الخاصة بقيس هي آخر الحلقات، وهو ما لم يسُقْ أي دليل عليه.

ثم يتتبع كاتب المقال رحلة القصة خارج الأدب العربي قائلًا: إن أشعار المجنون وأخباره قد انتقلت إلى الأدب الفارسي وأضحت جزءًا منه، حيث استعملت تلك الأشعار والأخبار على أنحاء مختلفة،بل إن بعض الأعمال النثرية الفارسية تحتوي على أشعار لقيس،وفي عام 1188م يقوم نظامي الكنجوي بنظم قصة "ليلى والمجنون" في نحو من عشرة آلاف بيت،ويصرح الشاعر الفارسي في مقدمة القصيدة بأنه كان في البداية مترددًا في القيام بهذا العمل؛ إذ كان يشك في أن تكون تلك القصة التي محورها الجنون والهيمان في البرية صالحة للبلاط الملكي،والمقصود أن Aksetean Servansh حاكم أذربيجان كلفه بنظمها، فخشي ألا تسعفه القصة الأصلية في القيام بالمراد ولا ينجح في مهمته، وإن كان المقال نفسه لا يشير إلى ذلك، بل ذكره مقال "Lauli and Nagjnun" في "Encycloekia Iranica"؛ إذ جاء فيه أن "Nezami composed heis romanve at the request of the ruler of Azetbaijan".

كما يوضح الكاتب الأول ما قام به نظامي من جهد كي يجعل من أخبار المجنون المتناثرة بناءً متماسكًا لقصة عاطفية فارسية تختلف بعض الشيء عن القصة الأصلية، حيث تتحول البيئة البدوية إلى أخرى حضرية تلائم الشاعر وجمهوره: فمثلًا نرى الحبيبين يتعارفان في كتاب،كما أن نوفلًا المذكور يظهر في قصيدة نظامي وكأنه أمير فارسي لا والٍ عربي، فضلًا عن أنه لا يقتصر على التدخل السلمي لإتمام الخطبة المرفوضة من قِبل والد الفتاة، بل يعلن الحرب على قبيلتها كلها معلنًا أنه لا بد من زواج الحبيبين،ورغم هزيمة القبيلة يصر والد ليلى على الرفض قائلًا: إنه يؤثِر أن يقتلها على أن يزوجها للشاب الذي فضحها في العالمين،وهنا يتبين للأمير أنه لا يمكن عمل أي شيء آخر، فيكُف عن محاولاته،وتنتهي القصة عند نظامي بأن تموت ليلى كمدًا على حرمانها من حبيب قلبها.

وفوق هذا تتميز قصيدة نظامي بما تحويه من مناظر طبيعية توائم المواقف العاطفية المختلفة: ففي الربيع نرى ليلى في عز شبابها جالسة تحت ظلال النخيل، على حين يتمهل الشاعر في وصف سواد الليل عند حديثه عما حاق بالمجنون من يأس...وهكذا،كذلك فإن قصيدة نظامي ليست قصة فقط، بل تضيف إلى الحكاية غاية تعليمية؛ إذ فيها كلام عن الزهد وتفاهة الدنيا والموت والحب والتصوف،وينهي الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن ما صنعه نظامي إنما يمثل الحلقة الأولى في سلسلة طويلة من الأعمال التي تقلدها، لا في الفارسية فحسب، بل في لغات المنطقة كلها، وإن كانت الأعمال ذات القيمة منها قليلة، ومن هذه الأعمال "ليلى والمجنون" لأمير خسرو دهلوي (عام 1299م)، وقصيدة جامي (1484م)، إلى جانب قصيدتي هاتفي ومكتبي.

ويضيف كاتب مادة "Leyli O Majunn" في "Encyclopedia Iraniva" أن شخصيات القصة الفارسية التي أبدعها نظامي كلها شخصيات أرستقراطية، مثلها في ذلك مثل شخصيات القصص العاطفية المشابهة لها في الأدب الفارسي، بالإضافة إلى بعض العناصر الفارسية الأخرى: كالملك الذي كان يرغب في أن يكون له وريث، وكشعر الطبيعة الذي يتغنى بالشروق والغروب والبساتين، وكالزاهد الذي كان يعيش في كهف، وكملك مرو وكلابه، وكابتهالات المجنون إلى الله والأجرام السماوية، وأحاديثه التعليمية مع عدد من شخصيات القصة...إلخ،كذلك يذكر كاتب المقال أن المجنون لدى نظامي، مثلما هو في الأصل العربي، شاعر عُذْريٌّ بارع،بل لقد نظم على لسانه الأشعار الغزلية، وإن كان قد وشَّى تلك الأشعار بلمسة صوفية واضحة، فلم يعد الحب عند قيس حبًّا أرضيًّا صافيًا، بل حبًّا روحيًّا أرضيًّا، مع ميل كفة الميزان ناحية الضرب الأول، وبالمثل يشير الكاتب إلى التأثير الذي أضافته قصة نظامي إلى حكايات المجنون؛ إذ اندفع عدد من الشعراء الفُرس والكرد والترك والباشتو إلى تقليد نظامي في نظم القصائد التي تروي حكايته هو وليلى، حتى وصلت القصائد الفارسية وحدها التي تنسج على منوال قصيدة نظامي نحو ستين، وكلها على نفس البحر الذي نظم عليه نظامي قصيدته، إلى جانب تأثرها بها في عدد من العناصر الأخرى؛ كالحديث عن حِلِّية الخمر في دين الحب،ومما تناوله الكاتب أيضًا ترجمة قصيدة نظامي إلى عدد غير قليل من اللغات الأخرى.

هذا، وقد رأينا أن أثر قصة ليلى والمجنون لا يقتصر على الأدب الفارسي، وهو ما يزيده إيضاحًا ما كتبه خالد محمد أبو الحسن في دراسة له على المشباك بعنوان "التناص السردي في "ليلى والمجنون" لفضولي البغدادي، و"ممو زين" لأحمدي خاني" يقول فيها: لا شك أن قصة "ليلى والمجنون" نالت اهتمامًا بالغًا من شعراء الإسلام على اختلاف لغاتهم،ولئن كان تناول موضوعها قد اختلف من شاعر لآخر فإن ذلك يجعل موضوعها أكثر إثارة، والجدير بالذكر أن هذا الموضوع لاقى اهتمامًا كبيرًا أيضًا من الكتاب والباحثين، وتنبع أهميته من كونه موضوعًا يربط بين جل الآداب الإسلامية،ولعل القواسم المشتركة بين الآداب الإسلامية التي انبثقت من التمازج المشترك بين هذه الشعوب منذ العصور التاريخية القديمة، ثم ازدادت إحكامًا وارتقاء حضاريًّا بعد الإسلام، أوجدت لنا أرضًا خصبة من الحوار الأدبي المتضامن لإثارة قضية صوفية كبرى، هي "قضية العشق الإلهي"، وتعتبر قصة عشق قيس بن الملوح، مجنون بني عامر، لليلى العامرية، التي بدأت عند العرب في شكل الحب العذري أعظم قصص الحب في الآداب الإسلامية، وإن اختلف مضمونها من أدب لآخر،وإذا كانت قصة المجنون عند العرب تجسد أخبارًا مثيرة تناقلها الناس، فإنها لقيت لدى أدباء إيران على سبيل المثال رواجًا لا نظير له، ثم اتخذت شكل العمل الأدبي المتكامل بعد أن كانت مجرد أخبار متفرقة تعبر عن الحرمان والعذاب والمعاناة والعشق، ومن ثم كان الحب العذري منطلقًا إلى الحب الصوفي في الأدب الفارسي، وهذا ما ظهر في صنيع نظامي، هكذا أدى العشق العذري والحرمان فيه إلى إثارة خيال المتصوفة وأوقد ذاكرتهم، فأبدعت أفكارًا شتى دخلت العرفان الصوفي الفارسي من الباب الواسع، ومن ثم أخذت تنتقل إلى الأدب العربي، فنتج عنها قواسم مشتركة فنًّا وفكرًا".

ثم يمضي موضحًا أن الأمر لم يقتصر على الأدب الفارسي، بل تجاوزه إلى سواه من الآداب الإسلامية الأخرى فيقول: "أما الآداب الإسلامية الأخرى (الأدب التركي الإسلامي على سبيل المثال) فقد حاولت في بداية الأمر أن تقلد الفُرس في نظم كبار شعرائهم لهذه القصة، إلا أن هذا التقليد لم يحجب روح الإبداع عن هؤلاء؛ فلقد حاول بعض الأتراك أن يجدد في القصة من حيث الشكل والمضمون،كما أن ما نظموه في "ليلى والمجنون" لا يعد قليلًا،أضف إلى ذلك أنه كان يتسم بالمقدرة على نسج تلك القصة وتصويرها في شكل أدبي متقن،ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه الآن هو: هل وقفت قصة ليلى والمجنون عند حدود المبدعين من العرب والفرس والترك؟ لعل الإجابة على هذا السؤال تنطلق من عمق الثقافة الإسلامية واتساع آدابها...وأعتقد أنه إذا ما خرجنا عن دائرة الآداب الإسلامية الثلاث (العربية، الفارسية، التركية) سوف نتعرض لآداب إسلامية أخرى تزيد من الثقافة الإسلامية عمقًا، وتعطينا القدرة على فهم المجتمعات الإسلامية المتعددة،ولعل الأدب الكردي الإسلامي، من الآداب الإسلامية الكثيرة.... لا بد أنه يكتنه بداخله قصة "ليلى والمجنون" وغيرها من القصص المنسية نظرًا للظروف السياسية، أو ربما لعدم معرفة بعض الدارسين لمثل هذه الثقافات المهمة التي ما يلبث أن يتركها الباحثون المسلمون حتى ينقض عليها باحثو الغرب ليظهروا لأصحاب هذه الثقافات والآداب الإسلامية المنسية تناسي ذويهم من المسلمين لهم، أو ربما يظهرون لهم احتقار ذويهم لهم ولثقافاتهم"، وقد ذكر الباحث في أحد هوامشه بعض الأسماء الإسلامية التي اهتمت بتلك الحكاية، فقال: "من الذين نظموا ليلى والمجنون من الفرس والترك نظامي الكنجوي (ت1204هـ) وجامي (1414 - 1493م) وخسرو دهلوي (ت 1325م) وعلي شير نوائي وأحمدي، وغيرهم من كبار شعراء الفرس والترك".

وبالنسبة إلى الدوافع التي حدت به إلى وضع هذه الدراسة يقول: "من هذا المنطلق كان اختياري لهذا الموضوع؛ لأظهر أمام الباحثين طريقًا نسيه بعض الباحثين أو تناسَوه، وهو طريق البحث في الأدب الكردي الإسلامي، ومن خلال قصة كبرى يعرفها جل الباحثين، فقد آثرت أن أبين مدى التقارب الشديد بين الترك والكرد على الرغم من وجود فجوات كثيرة بينهم، وذلك على الصعيد السياسي"، ثم يبين المنهج الذي سيتبعه في هذه الدراسة قائلًا: "وقد آثرت كذلك أن أجعل هذه الدراسة بين أميرين كبيرين، هما أمير الشعر التركي فضولي البغدادي في منظومته: "ليلى والمجنون"، وأمير الشعر الكردي أحمدي خاني في منظومته: "ممو زين"،إلا أنني فضلت تناول الموضوع من وجهة نظر نقدية حداثية، فعمدت إلى اختيار نظرية التناص السردي كأسلوب جديد لنقد العمل الأدبي، ولأن تطبيق هذه النظرية على ذلك العمل يمنح الدراسة نوعًا من الجِدَة والتنوع؛ لأن موضوع ليلى والمجنون درس كثيرًا من قبل الباحثين، وأحسب أنه إذا ما تم التعرض له فأجدر بنا أن نجدد في دراسته".

وهكذا يتبين لنا من خلال هذه العجالة الانتشار الواسع لقصة المجنون في الآداب الإسلامية، والصور والمعاني الغنية المختلفة التي اكتسبتها في تلك الآداب، وكذلك المناهج النقدية التي تمت دراستها من خلالها،وإن الإنسان ليستغرب من تلك المفارقة العجيبة التي تحيط بهذه الحكاية؛ إذ بينما يشكك في حقيقتها التاريخية نفر من الباحثين العرب نراها وقد تمردت على هذا الإنكار والتشكيك، وانطلقت بكل عنفوان تكتسح الحدود بين الآداب الإسلامية (وغير الإسلامية أيضًا) غير مبالية بشيء، مما يجعلنا نتساءل: وماذا لو لم تكن تلك الحكاية محل تشكيك وإنكار؟ أتراها كانت تكون أقوى اكتساحًا، وأوسع انتشارًا واندياحًا؟ أم تراها لم تكن لتحظى بكل هذا الشيوع الذي لاقته والعشق الذي احتازته؟ ألا إن هذا لمن عجائب الأقدار.

ومن عجائب الأقدار أيضًا: أن أحدًا من العرب قبل العصر الحديث لم يحاول أن يستلهمها في عمل أدبي، إلى أن جاء عصرنا الحالي فوجدنا الأمر يأخذ منحى جديدًا، فهناك كتاب مسرحيون اتخذوا من حياة المجنون وشخصيته وأخباره موضوعًا لأعمالهم، مثل إبراهيم الأحدب وسليم البستاني وأبو خليل القباني، وإن لم يكن هناك ما يدل على أن تلك الأعمال قد طبعت ووضعت بين أيدي القراء، وكذلك محمد منذر خير الله، الذي وضع مسرحية اسمها: "رواية مجنون ليلى" مثلت على خشبة المسرح وطبعت عام 1898م.

ثم عندنا أحمد شوقي، الذي ألف مسرحية "مجنون ليلى"، وتقيد فيها إلى حد بعيد بالروايات القديمة عن قيس وليلى، واقتبس كثيرًا من عبارات تلك الروايات ومن عبارات شعر المجنون مع شيء من التحوير الشفاف، ولدينا كذلك مسرحية لصلاح عبدالصبور اسمها: "ليلى والمجنون" تجري في بيئة عصرية؛ إذ تقع حوادثها في مبنى صحيفة من الصحف القاهرية تشتغل فيها ليلى كاتبة لا علاقة لها بليلى الراعية البدوية النجدية في عصر بني أمية،وفي المسرحية تقوم ليلى وبعض زملائها بتمثيل مسرحية "ليلى والمجنون" لأحمد شوقي كنوع من دفع الملل من خلال القيام بشيء يختلف عما يفعلونه كل يوم، وإن لم ينشدوا في المسرحية من شعر أمير الشعراء إلا بعض الأبيات القليلة.

وتنتهي المسرحية برسالة من سعيد حبيب من خلف القبضان عبارة عن ترنيمة للعام الجديد، يأمل فيها أن يختفي جيله الذي يكتفي بالكلام والنضال الشفوي ضد الفساد، ويأتي بدلًا منه جيل جديد يعمل ويحمل السيف:
"يا سيدنا القادم من بعدي
أنا أصغر من ينتظرونك في شوق محموم
لا مهنة لي؛ إذ إني الآن نزيل السجن
متهمًّا بالنظر إلى المستقبل
لكني أكتب لك
باسم الفلاحين، وباسم الملاحين
باسم الحدادين، وباسم الحلاقين
والحمارة، والبحارة، والعمال، وأصحاب الأعمال
والأعيان، وكتاب الديوان
والبوابين، وصبيان البقالين
وباسم الشعراء، وباسم الخفراء
والأهرام، وباب النصر، والقناطر الخيرية
وعبدالله النديم، وتوفيق الحكيم، وألمظ
وشجرة الدر، وكتاب الموتى، ونشيد بلادي بلادي
نرجو أن تأتي وبأقصى سرعة
فالصبر تبدد
واليأس تمدد
إما أن تدركنا الآن
أو لن تدركنا بعد
حاشية: لا تنسَ أن تحمل سيفك"

بل إنه ليمكن النظر إلى ليلى في المسرحية على أنها رمز لمصر، طبقًا لما قاله د. حسين علي محمد، الذي كتب أن المسرح الشعري العربي قد تبدى منذ أواخر الخمسينيات في ثوب جديد هو شكل الشعر التفعيلي، كما هو الحال في المسرحيات الشعرية التي ظهرت لعبدالرحمن الشرقاوي وصلاح عبدالصبور وأنس داود ومحمد مهران السيد وأحمد سويلم ومحمد سعد بيومي وفاروق جويدة وغيرهم، وأصبحت المرأة في هذا المسرح تقوم بدور رمزي،ثم مضى زميلنا الكريم - رحمه الله - مُوردًا أسماء بعض بطلات المسرحيات التي من هذا النوع؛ كشخصية ليلى في مسرحية عبدالصبور: "ليلى والمجنون"، قائلًا: إن الشاعر قد جعل منها رمزًا لمصر، أما مفاجأة حبيبها سعيد لها في بيت الجاسوس فتأويلها، حسبما يقول ناقدنا، سقوط مصر فريسة للحكم البوليسي.

ثم يختم الناقد كلامه في هذه النقطة قائلًا: إن ميزة مسرح صلاح عبدالصبور تتمثل في أنه لا يضحي بصورة المرأة الحقيقية (التي هي من لحم ودم ومشاعر) من أجل الرمز، بل يمكننا أن نقرأ مسرحياته فنلاحظ دائمًا العناية الكاملة بصورة المرأة، يقصد أن يقول: إن مسرحية عبدالصبور يمكن أن تقرأ على الوجهين؛ إذ يمكن قراءتها على أنها مسرحية حقيقية، كما يمكن في ذات الوقت قراءتها بوصفها مسرحية رمزية تمثل فيها ليلى دور الوطن، ولا يجد القارئ في الحالتين أي خلل في بنائها، ولا في تصوير شخصية بطلتها.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 22-09-2022 الساعة 02:39 AM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.68 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (2.17%)]