شرح أثر عطاء بن أبي رباح في استئجار الأجير سنة بطعامه
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حاتم أخبرنا حبان أخبرنا عبد الله عن ابن جريج قراءةً قال: قلت لـعطاء: عبد أؤاجره سنة بطعامه وسنةً أخرى بكذا وكذا، قال: لا بأس به، ويجزئه اشتراطك حين تؤاجره أياماً، أو آجرته وقد مضى بعض السنة، قال: إنك لا تحاسبني لما مضى].أورد النسائي أثراً عن عطاء وهو ابن أبي رباح، وقد سأله ابن جريج قلت لـعطاء: عبد أؤاجره سنةً بطعامه وسنةً أخرى بكذا وكذا، قال: لا بأس به.
يعني: سنة يستأجره بطعامه على أنه أجرته، لكن تكون معينة كما عرفنا من قبل، وسنةً بكذا وكذا يعني معيناً، فقال: لا بأس بذلك؛ لأن هذا كله معلوم، المدة معلومة والأجرة معلومة، إلا أنها في سنة تكون كذا، وفي سنة تكون كذا، ولا بأس بذلك.
والعبارات التي تأتي فيها شيء من الخفاء.
ثم قال: ويجزئه اشتراطك حين تؤاجره أياماً، قال المحشي: إن السنة ليست بلازمة، وإنما يجزئ أن يكون ذلك بأيام، وهذا غير واضح؛ لأنه إذا استأجر منه على مدة سنة فالإجارة عقد لازم فليس لواحدٍ منهم أن يفسخ بمفرده، بل لا بد من اتفاق الطرفين على الفسخ، فيترتب على ذلك إشكال ويترتب على ذلك خصومات.
ثم قال: أو آجرته وقد مضى بعض السنة، قال: إنك لا تحاسبني لما مضى.
أنا ما يظهر لي هذا المعنى، وقد ذكر السندي أن هذا الكلام من كلام ابن جريج وأيضاً قال: كأنه افترض أنه صور المسألة مع عطاء، ولهذا قال في آخر الكلام: لا تحاسبني فيما مضى، يعني العبارة غير واضحة.
تراجم رجال إسناد أثر عطاء بن أبي رباح في استئجار الأجير سنة بطعامه
قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم عن حبان عن عبد الله عن ابن جريج].مر ذكرهم إلا ابن جريج فهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، ثقة، فقيه، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن عطاء].
هو عطاء بن أبي رباح المكي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر
شرح حديث: (نهى رسول الله عن كراء الأرض ..)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن إبراهيم أخبرنا خالد -هو ابن الحارث - قال: قرأت على عبد الحميد بن جعفر أخبرني أبي عن رافع بن أسيد بن ظهير عن أبيه أسيد بن ظهير رضي الله عنهما: (أنه خرج إلى قومه إلى بني حارثة فقال: يا بني حارثة! لقد دخلت عليكم مصيبة، قالوا: ما هي؟ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله! إذا نكريها بشيء من الحب، قال: لا، قال: وكنا نكريها بالتبن، فقال: لا، وكنا نكريها بما على الربيع الساقي، قال: لا، ازرعها أو امنحها أخاك) خالفه مجاهد].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: [ذكر الأحاديث المختلفة في النهي عن كراء الأرض بالثلث والربع واختلاف ألفاظ الناقلين للخبر].
محصل ما تدل عليه الأحاديث أنه إذا كانت المزارعة بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها وهي ثلث أو ربع أو نصف أو ما إلى ذلك فهي سائغة، وكذلك إذا كانت بشيء معلوم كأجرة يدفعها المستأجر للمؤجر، وهي معلومة، ثم يأخذ الأرض في مقابل هذه الأجرة فذلك سائغ، فإذا كانت في شيء معلوم إما معلوم المقدار يدفعه المستأجر للمؤجر في مقابل استئجاره الأرض، أو المستأجر لا يدفع شيئاً، ولكن يتفق مع مؤجر الأرض على أن له النصف مما يخرج من الزرع، أو الثلث، أو الربع، أو أقل أو أكثر، المهم أن يكون معلوم النسبة، ولا يكون شيئاً معيناً من الخارج، أو يكون نصفاً أو سدساً ومعه شيء آخر معين من الخارج، كأن يقول: الذي تنتج البقعة الفلانية، أو الذي يكون على السواقي، أو الذي يكون على المكان الذي يجتمع فيه الماء وقريب من الماء، هذا هو الذي لا يجوز، فيجوز استئجار الأرض بشيء معلوم يدفعه المستأجر للمؤجر ويكون حاصل الأرض كلها له أي: للمستأجر أو لا يدفع شيئاً، ولكن يتفق مع مالكها على أن يزرعها بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، ليس بشيء معلوم مما يخرج منها، هذا سائغ، وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث: حديث قصة خيبر أنه عاملهم على النصف من الثمر، والمساقاة مثل المزارعة؛ لأنها كلها تأجير بنصف ما يخرج أو ثلث ما يخرج أو ربع ما يخرج، أو ما إلى ذلك، فإذا كانت الأجرة شيئاً معلوماً مما يخرج بأن يقول مثلاً: لي من الزرع ألف صاع والباقي لك، لا يجوز هذا؛ لأنه يمكن ألا يخرج إلا ألف صاع، يعني يمكن الزرع كله يصير هذا المقدار ثم يحوزه أحدهما والثاني يتعب ولا يحصل شيئاً، أو يقول: ما تنتجه البقعة الفلانية، يعني هذه البقعة الذي يخرج منها يكون لي والباقي لك، هذا أيضاً لا يجوز؛ لأنه يمكن ألا يخرج إلا في هذه البقعة، فيحوز الزرع أو يحوز الفائدة واحد منهما، ويكون ذاك ذهب عمله بدون مقابل، أو يقول: الذي على السواقي يعني مجرى الماء الذي كان نابتاً عليه هذا يكون لي، أيضاً كذلك لا يجوز؛ لأن تعيين شيء معين سواءً كان المقدار مكيلاً أو بقعة يعني نتاجها على أن يكون له، هذا غير جائز وغير سائغ، أما إذا كان معلوماً وكان خارج الزرع بأن دفع المستأجر شيئاً أو بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، فهذا هو الذي يسوغ ولا بأس به، والأحاديث التي وردت في هذا الباب في كراء الأرض كثيرة، وفيها اختلاف كثير، وبعضها يدل على أن النهي كان لغرض من الأغراض وهو الإشارة إلى أنه ما كان ينبغي لهم إذا استغنوا عن الأرض أن يؤجروها بل يعطوها لمن يحتاجها، ولا شك أن هذا خير لمن فعل ذلك، كونه يعطي ويمنح بالمجان هذا خير، لكن يجوز له أن يؤجر أرضه بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها، وبعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم قال: إن الذي أرشد الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (لأن يمنح أحدكم أخاه يكون خيراً له) ولا شك أنه إذا منح يكون خيراً له من أن يؤجر، والصلاة خيرٌ من النوم بلا شك، يعني التمثيل بأن هناك يعني شيئين بعضهما أفضل من بعض كالصلاة فلا شك أنها خيرٌ من النوم، وكون الإنسان يمنح خيراً من كونه يؤجر، كون الإنسان يعطي عطية خير من أن يؤجر، مثل الصلاة خير من النوم، النوم يستفيد منه الإنسان ولكن الصلاة أحسن منه، والتأجير يستفيد منه الإنسان والمنح أحسن منه، فهو مجرد تمثيل للشيء المتشابه.
لكن إذا استأجر أو أجر وكان الإيجار سائغاً ولا محظور فيه فإنه لا بأس بذلك، والأحاديث التي ستأتي كلها تدور حول كراء الأرض والنهي عن كراء الأرض، وأنه إذا كان كذا يجوز، وإذا كان كذا لا يجوز، وسنأتي عليها واحداً واحداً.
أولها: حديث أسيد بن ظهير رضي الله تعالى عنه أنه خرج إلى قومه إلى بني حارثة فقال: يا بني حارثة! لقد دخلت عليكم مصيبة، قالوا: ما هي؟ قال: (نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله!).
يعني: كانوا قبل يكرون أراضيهم ويأخذون عليها الأجرة.
(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض، قلنا: يا رسول الله! إذاً نكريها بشيء).
يعني قوله: مصيبة يعني أنهم كانوا يستفيدون من أراضيهم بالكراء، وقد بلغه النهي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذاً هذه مصيبة لهم أنه يضيع عليهم هذه الفوائد التي كانوا يستفيدونها من قبل.
(قلنا: يا رسول الله، إذاً نكريها بشيءٍ من الحب؟ قال: لا).
إذاً نكريها بشيء من الحب يعني: مقدار من الحب يعني، إذا كان المقصود به مما يخرج منها، فهذا لا يجوز وأمره واضح؛ لأنه كما قلت: يمكن ما يخرج إلا هذا المقدار المعين، أما لو كانت الأجرة من الخارج يعني أجرة يدفعها المستأجر كأن يكون عنده حب أو عنده دراهم أو دنانير أو عنده سيارة أو عنده أي شيء من أنواع الأموال فيدفعها أجرةً في مقابل استخدامه الأرض فلا بأس بذلك.
(قال: لا، قال: وكنا نكريها بالتبن، فقال: لا).
وهو نتيجة للحصيدة، يعني عندما تداس ويميز الحب من غيره الذي يكون علفاً للبهائم الذي هو التبن، فقال: لا.
(وكنا نكريها بما على الربيع الساقي، قال: لا).
يعني: الربيع الذي يسعد بالماء، والذي يعني يمشي معه في الماء، يعني: كأن يقول المؤجر: لي ما ينبت على السواقي، وما ينبت على مجرى المياه، وحول مجرى المياه فالرسول منع من ذلك، وهذا طبعاً لا يسوغ؛ لأنه قد لا ينبت إلا هذه البقعة فيكون الإنسان عمل بدون مقابل.
(قال: لا، ازرعها، أو امنحها أخاك) وهذا إرشاد إلى ما هو الأكمل والأفضل، وهو كون الإنسان يزرع أو يمنح، وأما كونه يؤجر فهو خلاف الأولى، لكنه لو أجر وكان على وجه سائغ بأن يكون بشيء معلوم يدفعه المستأجر أو كان بجزء معلوم النسبة مما يخرج منها فإنه لا بأس بذلك؛ لأن هذا يتيح للكل أن يستفيد؛ لأنه لو خرج صاع واحد يكون بينهم، ولو خرج ألف صاع يكون بينهم، لأنهم كلهم يستفيدون إذا كان بشيءٍ معلوم النسبة.
تراجم رجال إسناد حديث: (نهى رسول الله عن كراء الأرض)
قوله: [أخبرنا محمد بن إبراهيم].هو محمد بن إبراهيم بن صدران، وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود والترمذي والنسائي.
[عن خالد قال: قرأت على عبد الحميد بن جعفر].
خالد بن الحارث مر ذكره وعبد الحميد بن جعفر صدوق ربما وهم، أخرج له البخاري تعليقاً ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
وهو ثقة، أخرج له البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
[عن رافع بن أسيد بن ظهير].
وهو مقبول، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن أبيه أسيد بن ظهير].
وهو صحابي، أخرج حديثه أصحاب السنن الأربعة.
قال في آخره: [خالفه مجاهد].
ثم قال: خالفه مجاهد وذكر الأثر الذي بعده وفيه مخالفة مجاهد.
شرح حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا يحيى -وهو ابن آدم - حدثنا مفضل -وهو ابن مهلهل - عن منصور عن مجاهد عن أسيد بن ظهير رضي الله عنهما قال: جاءنا رافع بن خديج رضي الله عنه فقال: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهاكم عن الحقل، والحقل: الثلث والربع، وعن المزابنة، والمزابنة: شراء ما في رءوس النخل بكذا وكذا وسقاً من تمر)].أورد النسائي الحديث من طريق مجاهد عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الحقل).
والحقل قيل: هو الإيجار بالثلث والربع، هذا تفسير، وفسر الحقل أو المحاقلة بأن الإنسان عندما يأتي ليشتري يدفع أوساقاً من الحب بأوساق مما يزرع، وهذا لا يجوز؛ لأن فيه ربى النسيئة، وأيضاً يكون نسيئة؛ لأنه يدفع أوساقا معلومة على أن يحصل مكانها أوسقا معلومة مما يخرج من الزرع، فيكون باع براً ببر، وهو نسيئة، هذا لا يجوز، لكن أن يكون على الثلث والربع فهذا سائغ وجائز، وهو من جنس المساقاة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر على النصف مما يخرج، لكن لعل المقصود من ذلك هو ما جاء في بعض الأحاديث: أن عدم الاستئجار بأي طريقة من الطرق أولى من التأجير، وأن المنح خير من التأجير، ويكون هذا فيه إرشادٍ إلى الأكمل وإلى الأفضل، لكن لا شك أنه محرم، وهو مثل المزابنة التي قال: إنه أوسق من التمر، يعني: في مقابل أوسق من شيء مما على رءوس النخل، وهذا لا يجوز؛ لأنه بيع ربوي بربوي، وأما مسألة المؤاجرة يعني بالثلث والربع فإنها سائغةً وجائزة ولا إشكال فيها، وأما ما جاء في بعض الأحاديث أنهم كانوا يؤجرون على الثلث والربع فقال: لا، امنحوها، فهو إرشادٌ إلى ما هو الأكمل والأفضل.
تراجم رجال إسناد حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك].هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي ثقة، أخرج حديثه البخاري وأبو داود والنسائي.
[عن يحيى هو ابن آدم].
هو يحيى بن آدم الكوفي ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مفضل هو ابن مهلهل].
مفضل بن مهلهل وهو ثقة، أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه .
[عن منصور].
هو منصور بن المعتمر ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مجاهد].
هو مجاهد بن جبر وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن أسيد بن ظهير عن رافع بن خديج].
أسيد بن ظهير وقد مر ذكره، ورافع بن خديج صحابي، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
شرح حديث رافع بن خديج في النهي عن الحقل والمزابنة من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا محمد حدثنا شعبة عن منصور قال: سمعت مجاهداً يحدث عن أسيد بن ظهير قال: أتانا رافع بن خديج رضي الله عنهم فقال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أمرٍ كان لنا نافعاً، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرٌ لكم، نهاكم عن الحقل، وقال: من كانت له أرض فليمنحها أو ليدعها، ونهى عن المزابنة، والمزابنة: الرجل يكون له المال العظيم من النخل فيجيء الرجل فيأخذها بكذا وكذا وسقاً من تمر)].أورد النسائي حديث رافع بن خديج من طريق أخرى وهو مثل ما تقدم، (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحقل)وقال: (من كانت له أرض فليمنحها).
يعني: يزرعها أو يمنحها ولا يؤجرها، ولا شك أن هذا خير وأفضل، لكن التأجير في أمر لا محذور فيه لا بأس به، وإنما يكون فيه بأس إذا كان فيه محذور وفيه مخالفة لما جاءت به السنة عن سول الله صلى الله عليه وسلم، وأما هذا فهو إرشاد إلى الأولى والأفضل والأكمل.
(ونهى عن المزابنة، والمزابنة: الرجل يكون له المال العظيم من النخل فيجيء الرجل فيأخذها بكذا وكذا وسقاً من تمر).
يعني إما يأخذ الذي على رءوس النخل بأوساق يأتي بها، وهذا يكون فيه الربا من حيث النسيئة، وإن كان أخذ منه الثمر كله بأوساق معلومة، أيضاً يكون فيه الربا في الفضل؛ لأنه قد جهل ذلك المقدار الذي على رءوس النخل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.