
18-09-2022, 01:01 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة :
|
|
رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله
تراجم رجال إسناد حديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه ...)
قوله: [أخبرنا قتيبة].وقد مر ذكره.
[عن مالك].
هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث الفقيه، الإمام المشهور، أحد أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة، وهي: مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد، وهم أربعة اشتهروا بالفقه وبالعلم، وكان لهم أتباع عنوا بجمع كلامهم وأقوالهم، فاشتهرت هذه المذاهب وانتشرت، ولم يكن الفقه منحصراً فيهم بل كان في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم أئمة أجلة عندهم علم واسع، مثل: الليث بن سعد في مصر، ومثل: عبد الرحمن الأوزاعي في الشام، ومثل: سفيان الثوري في الكوفة، ومثل: سفيان بن عيينة في مكة، ومثل: إسحاق بن راهويه في مرو، وغيرهم أئمة أجلة وفقهاء معروفون بالفقه، وكذلك سعيد بن المسيب في التابعين، وفي كبار التابعين الفقهاء السبعة المشهورون في المدينة في عصر التابعين.. فقهاء كثيرون، وفي الصحابة قبلهم يعني: منهم مشهورون بالفقه، ومنهم من هو معروف بالفقه، ولكن اشتهر هذا الذكر للأئمة الأربعة الذين هم: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؛ لأن الله هيأ لهم أصحاباً وتلاميذ عنوا بجمع أقوالهم وآرائهم، وتنظيمها وترتيبها، والتأليف فيها، فصار لهم الاشتهار الذي ما كان لغيرهم، ولا يعني هذا حصر المسألة فيهم كما أشرت إليه؛ لأن هناك من هو مثلهم كثير، ولكن ما رزقوا مثل ما رزق هؤلاء أصحاب يعنون بجمع كلامهم، وجمع أقوالهم وترتيبها، وتنظيمها، ونشرها، والتأليف فيها، وما إلى ذلك مما يتعلق بها، ولهذا اشتهروا بهذه الشهرة، وهي من مذاهب أهل السنة.
ولا يصلح أن يقال: إن مذاهب أهل البدع هي من جنس هذه المذاهب، وأن مذهب الجعفرية، أو مذهب سائر الفرق والمذاهب المنحرفة من أهل البدع أنها مثلها، وأنه لا فرق بينها إلا أن هذا كذا وهذا كذا، فيقال: حنفي، وشافعي، ومالكي، وجعفري.. لا، أهل السنة كلامهم مبني على الكتاب والسنة، أما أولئك فأقوالهم مبنية على باطل، فمثال الرافضة الجعفرية الذين يجعلون أو يسندون ما يقولونه من الفقه إلى ما خرج من عند الأئمة، ويقولون: إن كل شيء لم يخرج من عند الأئمة فهو باطل، فهذه مذاهب ابتداع وانحراف وخروج عن الجادة، وليست مثل هذه المذاهب الأربعة المشهورة من مذاهب أهل السنة.
[عن طلحة بن عبد الملك].
هو طلحة بن عبد الملك الأيلي، وهو ثقة، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن القاسم].
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المدني، ثقة، فقيه من فقهاء المدينة السبعة في عصر التابعين، وهم: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير بن العوام، وسليمان بن يسار، هؤلاء ستة متفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع فيه ثلاثة أقوال: قيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وقيل: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
[عن عائشة].
هي عائشة أم المؤمنين، الصديقة بنت الصديق، ذات المناقب الجمة، والفضائل الكثيرة، والتي حفظ الله تعالى بها الكثير من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا سيما ما يكون بين الرجل وأهل بيته، لا سيما ما يكون في بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإنها وعت وحفظت الكثير، وأدت إلى الناس الشيء الكثير من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهي واحدة من سبعة أشخاص عرفوا بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهم ستة رجال وامرأة واحدة، هم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأم المؤمنين عائشة، ستة رجال وامرأة واحدة.
النذر في المعصية
شرح حديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه..) من طريق ثانية
قال المصنف رحمه الله تعالى: [النذر في المعصية.أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا مالك حدثني طلحة بن عبد الملك عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)].
أورد النسائي هذه الترجمة وهي: النذر في المعصية، وهو مثل الترجمة السابقة: النذر في الطاعة. وأورد فيه حديث عائشة رضي الله عنها من طريق أخرى، وهو باللفظ المتقدم: [(من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)]، أورده في الباب السابق من أجل الجملة الأولى، وأورده في هذا الباب من أجل الجملة الثانية.
ونذر المعصية لا يجوز كما ذكرت من جهتين: من جهة أن النذر من أصله -ولو كان طاعة- منهي عنه، فإذا كان في معصية فهو نهي على نهي، وشيء إلى شيء آخر، يعني: منعاً إلى منع، ونهياً إلى نهي، وكما ذكرت أن أهل العلم متفقون على أنه لا يجوز الوفاء به، ولكنهم اختلفوا في الكفارة، فمنهم من قال: إن فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: إنه لا كفارة فيه، ولا يوفى به، وقد جاء في بعض الأحاديث أن النذر كفارته كفارة يمين، فيدخل فيه نذر المعصية، والنذر فيما لا يملكه الإنسان، وغير ذلك من النذور.
تراجم رجال إسناد حديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه..) من طريق ثانية
قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].هوعمرو بن علي الفلاس، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.
[عن يحيى].
هو يحيى بن سعيد القطان البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن مالك عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم عن عائشة].
وقد مر ذكر هؤلاء الأربعة.
شرح حديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه..) من طريق ثالثة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس عن عبيد الله عن طلحة بن عبد الملك عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)].أورد النسائي حديث عائشة من طريق أخرى، وهو مثلما تقدم في لفظه.
تراجم رجال إسناد حديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه..) من طريق ثالثة
قوله: [أخبرنا محمد بن العلاء].هو محمد بن العلاء بن كريب، كنيته: أبو كريب، وهو مشهور بها، ويذكر أحياناً باسمه فيقال: محمد بن العلاء، وأحياناً بكنيته فقط فيقال: أبو كريب، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن إدريس].
هو عبد الله بن إدريس الأودي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عبيد الله].
هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المصغر، يعني تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر؛ لأن هذا عبيد الله وذاك عبد الله، وعبيد الله ثقة، وعبد الله ضعيف، فيميزون أحدهما عن الآخر بأن يقولوا: المصغر والمكبر، وعبيد الله ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن طلحة عن القاسم عن عائشة].
وقد مر ذكرهم.
الوفاء بالنذر
شرح حديث: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ...)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [الوفاء بالنذر. أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد حدثنا شعبة عن أبي جمرة عن زهدم سمعت عمران بن حصين رضي الله عنه يذكر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، فلا أدري أذكر مرتين بعده أو ثلاثاً، ثم ذكر قوماً يخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن). قال أبو عبد الرحمن: هذا نصر بن عمران أبو جمرة].
أورد النسائي الترجمة وهي: الوفاء بالنذر، والنذر منهي عنه، ولكنه إذا وجد في طاعة فيجب الوفاء به، وإذا كان في معصية فلا يجوز الوفاء به، والنذر منهي عنه؛ لأنه لا يأتي بخير للناذر، ولا يترتب على نذره حصول شيء يريده، بل الأمر كما قدر الله وقضاه، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولكنه يستخرج به من البخيل، فإذا وجد النذر وكان طاعة، وجب الوفاء به باتفاق، وإذا وجد النذر وكان معصية، فلا يجوز الوفاء به باتفاق.
وهل تجب الكفارة في نذر المعصية أو لا تجب؟ خلاف في ذلك بين أهل العلم بالنسبة للكفارة.
وقد جاء في القرآن مدح الذين يوفون بالنذر في سورة الإنسان: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، فمدحهم وأثنى عليهم بأنهم يوفون بالنذر إذا وجد النذر، فالنذر منهي عنه، ولكنه إذا وجد يجب الوفاء به، ومن أوفى بنذره فهو محمود، ومن لم يوف بنذره فهو مذموم، ويكون جمع بين مصيبتين: كونه نذر وقد نهي عن النذر، وكونه نذر طاعة ولم يوف بها، ولكنه يتعين على كل من نذر طاعة أن يفي إذا كان يقدر على ذلك، وإن لم يقدر فإنه يأتي بكفارة يمين.
أورد النسائي حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، وهو الحديث الذي يتعلق بفضائل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، والذي فيه بيان أوصاف الناس الذين يأتون بعدهم مخالفين لمنهجهم وطريقتهم، فقال: [(خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)].
(خيركم قرني)، أي: القرن الذي بعث فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والذين تشرفوا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله عز وجل لما بعث رسوله الكريم، اختار له أصحاباً هم خير أمته، وهم أفضل أمته على الإطلاق؛ لأنهم هم الذين أكرمهم الله بصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجاهدوا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذبوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتلقوا الكتاب والسنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وتشرفوا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة الدنيا يقظة لا مناماً، وتشرفوا بسماع صوته وكلامه من فمه الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وتحملوا الكتاب والسنة وأدوها إلى الناس، فهم الواسطة بين الناس وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما عرف الناس كتاباً ولا سنة، ولا عرف الناس حقاً ولا هدى إلا عن طريق الصحابة، فإذا قدح في هذه الطريق، فإنه قدح في الكتاب والسنة، ولهذا جاء عن أبي زرعة الرازي كلام في غاية الحسن، يستحق أن يقال فيه الكلمة المشهورة عند الناس: يكتب بماء الذهب، أو يستحق أن يكتب بماء الذهب، الكلام الذي يعبرون به عن الشيء النفيس، والشيء الجميل، يقولون فيه هذا الكلام.
أبو زرعة الرازي قال كلمة عظيمة من أحسن الكلام، ومن أوضح الكلام، ومن أجمل الكلام، وقد ذكر هذا عنه الخطيب البغدادي في كتاب الكفاية بإسناده إليه، قال: إذا رأيتم أحداً ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلموا أنه زنديق. ثم بين السبب، فقال: وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: نحن ما عرفنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولا عرفنا ما جاء عن الرسول إلا عن طريق الصحابة، الأسانيد التي جاءت عن طريق الصحابة، وفيها أن الرسول قال كذا، وأنه جاء بكذا وبكذا، فالناس ما عرفوا الحق والهدى الذي جاء به الرسول إلا عن طريق الصحابة، الكتاب جاء عن طريق الصحابة، والسنة جاءت عن طريق الصحابة.
وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة -أي: قول الرسول صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره- أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهم الواسطة بيننا وبين الرسول عليه الصلاة والسلام، لم نصل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إلا عن طريق الصحابة، ولم يصل إلينا الحق والهدى إلا عن طريق الصحابة، عن طريق أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وسعد، وغيرهم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين دونت أحاديثهم وروايتهم في كتب السنة: في الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمعاجم، وغيرها، فكلها تنتهي إلى الصحابة، والصحابة يقولون: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن الرسول حق، والكتاب حق، وإنما أدى إلينا الكتاب والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. الذين يقدحون في الصحابة يريدون أن يجرحوا شهودنا، وما هي النتيجة من جرح الشهود؟
النتيجة إبطال الكتاب والسنة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقة؛ لأن من يقطع صلته بالرسول صلى الله عليه وسلم، وهم الصحابة، فلا صلة له بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولهذا فإن الرافضة من كلامهم الموجود في كتاب الكافي، باب تحته أحاديث: باب ليس شيء من الحق إلا ما خرج من عند الأئمة، وأن كل شيء لم يخرج من عندهم فهو باطل، يعني: جاء عن طريق أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وأبي هريرة هذا كله باطل، القرآن جمعه أبو بكر، وعثمان، والسنة جاءت عن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فمن يجرح الواسطة إنما يقدح في الكتاب والسنة؛ لأن القدح في الناقل قدح في المنقول، ولهذا عند ورود الأسانيد يقولون: فلان ضعيف لا يحتج بحديثه، معناه: أن المنقول ما له قيمة، وإذا كان ثقة قالوا: يحتج به، ويعمل به، ويعول عليه، وإذا كان غير معول عليه وغير حجة، فهو قدح، وإذا كان الصحابة مقدوح فيهم، فمعناه إلغاء الكتاب والسنة، وإبطالها، وهذا هو الخذلان بعينه، وهذا هو الخذلان الذي ليس وراءه خذلان.
قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم قرني)، أي: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل لهم شرف ما حصل لغيرهم، أبصارهم تشرفت بالنظر إلى طلعته صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا يقظة لا مناماً، وأسماعهم سمعت صوته صلى الله عليه وآله وسلم، ثم نقلوا الحق والهدى إلى الناس، فلهم أجور أعمالهم، ولهم أجور كل من استفاد خيراً بسببهم بهذه السنن التي نقلوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من دل على خير فله مثل أجر فاعله.
فضل التابعين وأتباعهم
[(خيركم قرني، ثم الذين يلونهم)]، الذين هم التابعون الذين رأوا الصحابة.(ثم الذين يلونهم)، أتباع التابعين الذين رأوا التابعين، ولهذا جاء في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام منهم فيقال: هل فيكم من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)، يعني هل فيهم صحابة وإلا لا؟ (فيقولون: نعم فينا فلان وفلان، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام)، يعني: جماعات، (فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟)، مَن هو مِن التابعين، (فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام منهم فيقال: هل فيكم من صحب من صاحب أصحاب رسول الله؟)، يعني: هل فيكم من رأى من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لأن الصحابة رأوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والتابعون رأوا العيون التي رأت الرسول صلى الله عليه وسلم، وأتباع التابعين رأوا الأشخاص الذين رأوا من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء هم خير القرون، (خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، يعني: أصحاب رسول الله، ثم التابعين، ثم أتباع التابعين.
قوله: [(فلا أدري أذكر مرتين بعده أو ثلاثاً)]، يعني: الشك في أنه مرتين بعده أو ثلاثاً، لكن جاء في بعض الأحاديث التنصيص على الثلاثة بعد قرنه، وقد جاء في كثير من الأحاديث ذكر القرنين بعد قرنه، أي: القرون الثلاثة المفضلة جاءت في كثير من الأحاديث، عن عمران، وعن غيره، والحديث الذي أشرت إليه، والذي ليس فيه التنصيص على القرون، ولكن فيه التنصيص على الفئام التي تغزوا، ويفتح لهم إذا كان فيهم أحد من هؤلاء، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين.
قوله: [(ثم ذكر قوماً يخونون ولا يؤتمنون)].
أي: تظهر فيهم الخيانة، ولا تكون فيهم الأمانة، أي: يخونون ولا يؤتمنون.
قوله: [(ويشهدون ولا يستشهدون)]، يعني: لا يطمع الناس بشهادتهم، ولا يرغب الناس بشهادتهم، وهم يدلون ويأتون بالشهادة، والناس لا يريدونهم أن يشهدوا؛ لأنهم يشهدون زوراً، فهم ليسوا أهلاً للشهادة، فهم يشهدون ولا يستشهدون.
قوله: [(وينذرون ولا يوفون)]، وهذا محل الشاهد: الوفاء بالنذر، يعني: ذم الذين ينذرون ولا يوفون، وعليه: فالذين يوفون بالنذر بعد أن يقعوا فيه محمودون، محمودون ومثنى عليهم، وضدهم مذموم؛ لأنه نذر وقد نهي، ثم لم يوف، فجمع بين مصيبتين، وجمع بين خصلتين ذميمتين: النذر وهو ابتداء مذموم، وعدم الوفاء به ثانياً وهو مذموم، فجمع الذم من جهتين، فكان كما يقولون في المثل: حشفاً وسوء كيلة.
قوله: [(ويظهر فيهم السمن)]، يعني: همهم الدنيا، والافتتان في المطاعم والمشارب والمآكل، ونتيجة ذلك أن يظهر فيهم السمن.
قال أبو عبد الرحمن: هذا...، يعني: الذي ذكر بلقبه هو: أبو جمرة، وهو نصر بن عمران الضبعي، يعني: سماه لأنه ذكر في الإسناد بكنيته أبو جمرة، وأبو عبد الرحمن النسائي أراد أن يبين من هو فقال: هذا نصر بن عمران الضبعي.
فإذا كانوا موجودين في ذلك الوقت، مع قرب العهد بالنبوة، فوجودهم ذلك من باب أولى؛ لأنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه كما جاء ذلك في الحديث، ولكن ينبغي أن يفهم أن الحديث ليس على إطلاقه دائماً وأبداً، فقد يأتي في بعض الأزمان زمن يكون خيراً من الذي قبله، كما جاء في أحاديث المهدي: (يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً)، معناه: الزمان الذي هو فيه خير من الزمان الذي قبله، ولهذا ذكر الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: (لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه)، قال: قال ابن حبان: هو مخصوص في بعض الأوقات، وفي بعض الأزمان، ويدل على ذلك أحاديث المهدي، وأنه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، فإن قوله: (يملؤها عدلاً)، معناه: أن الزمن الذي فيه المهدي خير من الذي قبله، فليس هذا الحديث على إطلاقه: أنه لا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه دائماً وأبداً، ولكن هذا غالب وكثير، ولكنه ليس على إطلاقه دائماً وأبداً كما قال ذلك أهل العلم.
تراجم رجال إسناد حديث: (خيركم قرني ثم الذين يلونهم ...)
قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].هو محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.
[عن خالد].
هو خالد بن الحارث البصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن شعبة].
هو شعبة بن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
[عن أبي جمرة].
هو أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زهدم].
هو زهدم بن مضرب، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[عن عمران بن حصين].
هو عمران بن حصين أبي نجيد، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.
الأسئلة
حكم الوفاء بالنذر المكروه
السؤال: إذا نذر الإنسان نذراً مكروهاً، أي: نذر على أمر مكروه، فما حكم الوفاء به؟
الجواب: الشيء المكروه لا يفعله الإنسان، أقول: لا يفعله؛ لأنه ما دام منهياً عنه فإنه لا يفعله.
تعريف الزنديق
السؤال: ما معنى كلمة زنديق؟ كما نقلتم ذلك عن أبي زرعة؟
الجواب: الزنديق: هو الملحد الذي ليس أمامه إلا السيف، على خلاف بين أهل العلم: هل يستتاب أو لا؟ كثير من أهل العلم يقولون: الزنديق لا يستتاب، بل يقتل ويستراح منه، ومنهم من يقول: إنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
المراد بالقرن
السؤال: قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (خيركم قرني)، ما المراد بالقرن؟
الجواب: القرن قيل: إنهم الجماعة الذين اشتركوا في عصر من العصور، أو في وقت من الأوقات، مثل قرن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ لأنهم كلهم اشتركوا في أمر، وهو لقي النبي صلى الله عليه وسلم، هذا قدر مشترك بينهم وإن كانوا متفاوتين، منهم من رآه كثيراً، ومنهم من رآه قليلاً، ومنهم من رآه صغيراً، ومنهم من رآه كبيراً، وهكذا.. فهم أشخاص متقاربون.
ومن العلماء من يقول: إن القرن هو مائة سنة؛ لأن الغالب على أهل القرن أنهم ينقضون عن آخرهم عند مائة سنة إلا ما خرج من النوادر بأن زاد عمره على المائة، ولهذا يقولون في القرون الثلاثة؛ القرن الأول: المائة الأولى، والقرن الثاني: المائة الثانية، والقرن الثالث: المائة الثالثة.
كفارة النذر
السؤال: ما المراد بقول الشارح: ولتركب إذا عجزت، قال: وعليها الهدي؟
الجواب: قوله: عليها الهدي؛ لأنه جاء في بعض الروايات: (أنها تهدي)، أي: عليها هدي، فيحتمل أن يكون المراد بالهدي أنه شيء يلزمها كما جاء في بعض الروايات: أنها بدنة، ويحتمل أن تكون المقصود بها الشاة التي هي الكفارة، والمقصود بذلك هدي، أو ما يقوم مقامه من الصيام الذي جاء في الرواية التي بعد هذا، وهي صيام ثلاثة أيام.
أما كفارة النذر فكما هو معلوم أن الصيام ثلاثة أيام لا يأتي إلا بعد العجز عن العتق، وعن الإطعام وعن الكسوة، يعني إذا لم يستطع أياً من ذلك، فإنه يصوم ثلاثة أيام، ولا يجوز له أن يصوم مع القدرة، لكن يمكن أن يكون الذي جاء في الحديث: أنه تهدي بدنة، أو أنه كما جاء في بعض الأحاديث المطلقة التي هي: (كفارة النذر كفارة يمين)، فيما إذا كان معصية أو لا يقدر عليه، أو يكون مثلاً كما جاء في بعض الروايات: هدي بدنة، أنه يهدي بدنة، لكن الأحاديث المطلقة التي جاءت في ذكر الكفارة، وأن كفارة النذر كفارة يمين، سواء كان معصية، أو في شيء لا يقدر على الوفاء به، فإن عليه كفارة يمين، والحديث الذي سيأتي تكلم في ثبوته، وأما من حيث اليمين فإن الصيام لا يأتي ابتداءً، وإنما يأتي عند العجز عن الأمور الثلاثة: العتق، والكسوة، والإطعام لعشرة مساكين، ولم يطق أحدها، عند ذلك يصوم ثلاثة أيام.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|