عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 17-09-2022, 08:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,140
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تربية الفرد نواة لتغيير الأمة والرقي بها

تربية الفرد نواة لتغيير الأمة والرقي بها (2)
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي



الجانب الأول: المؤسسات التربوية الرسمية، وغير الرسمية المؤثرة في تربية الفرد.

سوف ألقي الضوء بشيء من الاختصار على الجانب الثاني المتعلق بالإنسان نفسه من حيث تعليمه وتثقيفه.

من المؤسف حقاً أنه يشاع، بل يرسخ في الأذهان (أن أمة اقرأ لا تقرأ )، ولعل هذه المقولة، كما قيل: إنها أُخذت من العبارة التي نُسبت إلى موشى دايان رئيس وزراء إسرائيل السابق: (أن العرب أمة لا تقرأ).

ولكن للأسف أيضاً أن هذه المقولة يؤكدها الواقع، كما تؤكدها الدراسات التي تصدر من الجهات المختصة بالعلوم والثقافة، وفي تقرير نُسب لليونسكو عن القراءة في الوطن العربي جاء فيه: إن المواطن العربي يقرأ (6) دقائق في السنة، وفي الوطن العربي يصدر كتاب لكل (350) ألف مواطن؛ بينما يصدر كتاب لكل (15) ألف مواطن في أوروبا، كما أن كل دور النشر العربية تستوعب من الورق ما تستهلكه دار نشر فرنسية واحدة، كما كشفت إحصائيات أن الإنسان الأوربي يقرأ بمعدل (35) كتاباً في السنة, والإسرائيلي يقرأ بمعدل (40) كتاباً في السنة، وأما العربي فإنّ (80) شخصاً يقرؤون كتاباً واحداً في السنة.[1]

إن المقارنة بين وضع القراءة في العالم الإسلامي، وبين الدول الأوربية المتقدمة، وبين أعداد الكتب المطبوعة، والمترجمة من اللغات الأجنبية الأخرى تشير إلى نسب توضح بوناً شاسعاً يؤكد ضرورة معالجة هذا الوضع.

إن ما نشاهده اليوم أن الكثير بل الغالبية لا يهتم بالقراءة، وتعليم نفسه، أو تثقيفها، بل تشاهد، وتسمع العجب العجاب من أناس لا يعرفون أبسط المعلومات الشرعية[2]، أو المعلومات العامة التي تخص مجتمعه، أو أمته.

وهذا يعود بالدرجة الأولى إلى العزوف عن القراءة، وعدم الرغبة في الاطلاع، والاستزادة من العلم، وكأني بأناس لهم سنوات طويلة، وهو لم يشتر كتاباً واحداً، أو يقرأ مجلة نافعة مفيدة، وإذا قرأ فإنه يقرأ كُتباً في مجالات علمها لا ينفع، وجهلها لا يضر.

وهناك دراسات تؤكد أن نحو 70% مما يتعلمه المرء يأتي عن طريق القراءة، والعقل البشري إذا لم يتغذ بالعلم، وبالمعرفة بشكل مستمر، فإنه يتوقف عند حد معين، فكلما تعلم، وقرأ الإنسان نما، وتوسع عقله، وكلما ابتعد، وحجب نفسه عن التعليم، والقراءة بقي العقل متوقفاً، وربما جامداً في مكانه.

وقد تلاحظ ذلك بشكل واضح في الكثير من الناس الذين توقفوا عن طلب العلم، والتزود المعرفي، فإنهم بقوا على معرفتهم السابقة لا تطوير، ولا تجديد على عكس الإنسان الذي يسعى إلى الاطلاع، والمعرفة بشكل يومي، وفي علوم، ومعارف شتى، تجده منفتحاً، وذا رأي، وحكمة، وطرح جميل، ومفيد.

ومما ورد عن سعيد بن جبير - يرحمه الله - قوله: " لا يزال الرجل عالمًا ما تعلم، فإذا ترك التعلم، وظن أنه قد استغنى، واكتفى بما عنده، فهو أجهل ما يكون ".[3]

فالعلم بحر لا ساحل له، والاستمرار في طلب العلم لا حدَّ له، وروى ابن عبد البر - يرحمه الله - أنه قِيل لابن المبارك - يرحمه الله -: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله تعالى، وقال: لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد.[4]

إن القراءة دليل على تحضر الأمم، وتطورها الفكري، والثقافي، والاجتماعي، والفردي، ومما يميز الدول المتقدمة اليوم أن الفرد يحرص على الاستزادة من العلم، والمعرفة بشكل مستمر من خلال الالتحاق بصروح العلم، والثقافة المنتشرة في شتى مناحي البلاد، فضلاً عن حرصه الكبير على القراءة النافعة بشكل مستمر، وهذا ملاحظ، فتشاهد الكثير منهم لا تخلوا يديه من كتاب، أو مجلة نافعة، في الطائرة، أو في القطار، أو في الحافلات، أو في أماكن الانتظار.

إن الفرد المسلم العاقل عليه مسؤولية كبيرة تفرضها عليه النصوص الشرعية الكثيرة جداً التي تُعلي من شأن العلم، وطلابه، ومن حق مجتمعه، وأمته، أن يسعى في تهذيب، وإصلاح نفسه بكل الوسائل الممكنة، من العناية باستقامته، وبتعليمه، وتثقيفه، وزيادة فعاليته، وإيجابيته، وحسن علاقاته بالآخرين.

منطلقات وأسس مهمة للجانب الثاني:
هناك جملة من المنطلقات التي يمكن أن تساعد على تطوير الفرد، وزيادة فاعليته، ومن أهمها:
1- استشعار النصوص الشرعية التي تؤكد على أهمية العلم، وطالب العلم، والأجور العظيمة، والفضائل العميمة، التي سيحصل عليها من اهتمامه بأي علم يفيد به الإسلام، والمسلمين.

2- الحرص والاهتمام على القراءة النافعة المفيدة، وأن يسعى بشكل مستمر على ذلك، ويجتهد في قراءة كتاب كل شهر على الأقل.

3- الحرص على الالتحاق بالدورات العلمية، وبمجالس العلم، ودروس العلماء في العلوم الشرعية، وغيرها، والعناية بسماع المحاضرات، والدروس في مختلف العلوم عن طريق وسائل التقنية الحديثة، وهي كثيرة، ومتنوعة، وسهلة الوصول إليها، ولا عذر لأحد في ذلك.

4- الحرص على الالتحاق بالدورات التي تُعنى بالتنمية البشرية، وتطوير القدرات، وزيادة التفاعل الإيجابي مع الآخرين.

5- العناية التامة بإنشاء المكتبات العامة في كافة الأحياء، والأماكن العامة، وتسهيل كل السبل المعينة للتشجيع على القراءة.

6- على الأسرة مسؤولية كبيرة في تحبيب النشء منذ نعومة أظفارهم في القراءة النافعة على أن يكون الوالدان قدوة حسنة في ذلك.

7- ابتكار وسائل جديدة للترغيب في القراءة، ومن ذلك: عمل ملخصات لبعض الكتب المفيدة، التوزيع المجاني، إعداد مسابقات في بعض الكتب المفيدة، عقد ندوات شهرية، أو أسبوعية لعرض ملخصات لبعض الكتب النافعة... إلخ.


[1] ( انظر: منتديات الحوار، جامعة الملك سعود ).


[2] ( وهذا من الدوافع التي جعلتني أعد هذه الدراسة وهو: ضعف وضوح الرؤية لحقائق وأحكام الدين، والذي سبق الإشارة إليه في الفصل التمهيدي، ص 4).

[3] (الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه، ج 2 ، ص 17).

[4] (القرطبي، جامع بيان العلم وفضله، باب الحض على استدامة الطلب والصبر على اللأواء والنصب، ص: 192).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.26%)]