عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 14-09-2022, 05:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: القصة الشعرية في صدر الإسلام: قصيدة (نعم) لعمر بن أبي ربيعة نموذجا

لعلهما أن تطلبا لك مخرجاً
وأن ترحبا صدراً بما كنت أحصر

فقامت كئيباً ليس في وجهها دم
من الحزن تذري عبرة تتحدر

وقامت إليها حرتان، عليهما
كساءان من خز؛ دمقس وأخضر

فقالت لأختيها: أعينا على فتى
أتى زائراً والأمر للأمر يقدر

فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا:
أقلي عليك اللوم فالخطب أيسر

فقالت لها الصغرى: سأعطيه مطرفي
ودرعي وهذا البُرد إن كان يحذر

يقوم فيمشي بيننا متنكراً
فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر

فكان مجني دون من كنت أتقي
ثلاث شخوص؛ كاعبان ومعصر

فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي:
ألم تتق الأعداء والليل مقمر؟





يقول الشاعر فاروق شوشة في التقديم لهذه القصيدة:[2]
(وفي شعر عمر بن أبي ربيعة تطالعنا، ولأول مرة في شعرنا العربي القدرة على القص، فالكثير من قصائده تجارب عاطفية في إطار من القصة، يتخللها غالباً الحوار بين شخوصها وأبطالها، وهو مستوى من التعبير الشعري القصصي، تفوق به عمر كثيراً على أستاذه الأول في هذا الفن امرئ القيس، كما تفوق بقدرته الخارقة على فهم نفسية المرأة وتمثل حالاتها المختلفة، والقدرة على خلق الحوار الطبيعي النابض بالحياة والجمال والطرافة).

إنني ألحظ التشابه بين قصة (ذي دوران) وبين (دارة جلجل) وإن اختلفت التفاصيل.

يقول عمر: (وبت أناجي النفس: أين خباؤها؟) إذاً؛ فمحبوبته كانت في الصحراء، ونحن نتساءل هنا: مكان عمر في الحاضرة؛ في مكة، فأنى له البدويات؟ ولنجر مع الشاعر بطل هذه القصة الغرامية، محبوبته في مضارب الخيام، ولما غاب القمر دلف إليها، ومن يعرف حياة البدو، يعرف أن الحراسة الليلية كانت مشددة، وهذا ما نجده في الشعر البدوي، قالت ميسون بنت بحدل:
وكلب ينبح الطراق دوني أحب إلي من قط أليف

وقد مر بنا قول الشنفرى بعد غارته الليلية:
فقالوا: لقد هرت بليل كلابنا فقلنا: أذئب عس أم عس فرعل؟

فكيف ينسى شاعر كلب الحراسة وهو يقتحم على القوم مضارب خيامهم؟!.

أنى للمتلصص أن ينجو من براثنها ومن أنيابها ومن سيوف القوم بعد سماعهم نباحها؟ هذه فجوة في قصة عمر تلغي الواقعية، ويضاف إلى ذلك أمر آخر يعنينا هو أننا في العصر الإسلامي، فأين الأذان؟ (وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر).

نحن لا نطالب بالواقعية في هذه القصة، ولا في غيرها، ولكن نريد أن نزيل الران عن الذي شك بين واقعيتها و بين أحلام اليقظة التي نسج منها الشاعر قصته.

ومهما يكن من أمر؛ فإننا أمام نص شعري؛ يهمنا في دراستنا فنيته، أن ابن أبي ربيعة شاعر فنان، شق للشعراء من بعده في القصة الشعرية آفاقاً لم تكن، والواقعية ليست شرطاً لنجاح العمل الفني، فخيال الشاعر كثيراً ما يبتكر ملامح أشبه بالحياة من الحياة.


[1] ديوان عمر بن لبي ربيعة بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ط1 .

[2] في كتابه : أحلى 20 قصيدة حب ط2 .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.37%)]