عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 12-09-2022, 07:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,239
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 189)

من صــ 241 الى صـ 250



(يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)
قال مجاهد وغيره: يتبعون الشهوات الزنا وقال ابن زيد: هم أهل الباطل. وقال السدي: هم اليهود والنصارى والجميع حق؛ فإنهم قد يتبعون الشهوات مع الكفر وقد يكون مع الاعتراف بأنها معصية. ثم ذكر أنه {وخلق الإنسان ضعيفا} وسياق الكلام يدل على أنه ضعيف عن ترك الشهوات فلا بد له من شهوة مباحة يستغني بها عن المحرمة؛ ولهذا قال طاووس ومقاتل: ضعيف في قلة الصبر عن النساء.
وقال الزجاج وابن كيسان: ضعيف العزم عن قهر الهوى. وقيل: ضعيف في أصل الخلقة؛ لأنه خلق من ماء مهين، يروى ذلك عن الحسن لكن لا بد أن يوجد مع ذلك أنه ضعيف عن الصبر ليناسب ما ذكر في الآية فإنه قال: {يريد الله أن يخفف عنكم} وهو تسهيل التكليف بأن يبيح لكم ما تحتاجون إليه ولا تصبروا عنه. كما أباح نكاح الفتيات؛ وقد قال قبل ذلك {لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم}. فهو سبحانه مع إباحته نكاح الإماء عند عدم الطول وخشية العنت قال: {وأن تصبروا خير لكم} فدل ذلك على أنه يمكن الصبر مع خشية العنت وأنه ليس النكاح كإباحة الميتة عند المخمصة فإن ذلك لا يمكن الصبر عنه. وكذلك من أباح " الاستمناء " عند الضرورة فالصبر عن الاستمناء أفضل.
فقد روي عن ابن عباس: أن نكاح الإماء خير منه وهو خير من الزنا فإذا كان الصبر عن نكاح الإماء أفضل فعن الاستمناء بطريق الأولى أفضل. لا سيما وكثير من العلماء أو أكثرهم يجزمون بتحريمه مطلقا وهو أحد الأقوال في مذهب أحمد. واختاره ابن عقيل في المفردات، والمشهور عنه - يعني عن أحمد - أنه محرم إلا إذا خشي العنت. والثالث أنه مكروه إلا إذا خشي العنت. فإذا كان الله قد قال في نكاح الإماء: {وأن تصبروا خير لكم} ففيه أولى. وذلك يدل على أن الصبر عن كليهما ممكن. فإذا كان قد أباح ما يمكن الصبر عنه فذلك لتسهيل التكليف كما قال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}.
و " الاستمناء " لا يباح عند أكثر العلماء سلفا وخلفا سواء خشي العنت أو لم يخش ذلك. وكلام ابن عباس وما روي عن أحمد فيه إنما هو لمن خشي " العنت " وهو الزنا واللواط خشية شديدة خاف على نفسه من الوقوع في ذلك فأبيح له ذلك لتكسير شدة عنته وشهوته. وأما من فعل ذلك تلذذا أو تذكرا أو عادة؛ بأن يتذكر في حال استمنائه صورة كأنه يجامعها فهذا كله محرم لا يقول به أحمد ولا غيره وقد أوجب فيه بعضهم الحد، والصبر عن هذا من الواجبات لا من المستحبات.
وأما الصبر عن المحرمات فواجب وإن كانت النفس تشتهيها وتهواها. قال تعالى: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله} و " الاستعفاف " هو ترك المنهي عنه.

(ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا (30)

فصل:
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وأما قول القائل: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ واحتجاجه بالحديث المذكور. فيقال له: لا ريب أن الكتاب والسنة فيهما وعد ووعيد وقد قال الله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}. ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة، والعبد عليه أن يصدق بهذا وبهذا لا يؤمن ببعض ويكفر ببعض فهؤلاء المشركون أرادوا أن يصدقوا بالوعد ويكذبوا بالوعيد.

" والحرورية والمعتزلة ": أرادوا أن يصدقوا بالوعيد دون الوعد وكلاهما أخطأ، والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بالوعد والوعيد فكما أن ما توعد الله به العبد من العقاب قد بين سبحانه أنه بشروط: بأن لا يتوب فإن تاب تاب الله عليه. وبأن لا يكون له حسنات تمحو ذنوبه؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات وبألا يشاء الله أن يغفر له {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.

فهكذا الوعد له تفسير وبيان. فمن قال بلسانه: لا إله إلا الله وكذب الرسول فهو كافر باتفاق المسلمين وكذلك إن جحد شيئا مما أنزل الله. فلا بد من الإيمان بكل ما جاء به الرسول ثم إن كان من أهل الكبائر فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له؛ فإن ارتد عن الإسلام ومات مرتدا كان في النار فالسيئات تحبطها التوبة والحسنات تحبطها الردة ومن كان له حسنات وسيئات فإن الله لا يظلمه بل من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره.
والله تعالى قد يتفضل عليه ويحسن إليه بمغفرته ورحمته. ومن مات على الإيمان فإنه لا يخلد في النار. فالزاني والسارق لا يخلد في النار بل لا بد أن يدخل الجنة. فإن النار يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان وهؤلاء المسئول عنهم يسمون: القدرية المباحية المشركين. وقد جاء في ذمهم من الآثار ما يضيق عنه هذا المكان والله سبحانه وتعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله ونعم الوكيل.

(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (31)

فقد وعد مجتنب الكبائر بتكفير السيئات واستحقاق الوعد الكريم. وكل من وعد بغضب الله أو لعنته أو نار أو حرمان جنة أو ما يقتضي ذلك؛ فإنه خارج عن هذا الوعد فلا يكون من مجتنبي الكبائر. وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر إذ لو كان كذلك لم يكن له ذنب يستحق أن يعاقب عليه والمستحق أن يقام عليه الحد له ذنب يستحق العقوبة عليه.
وقال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
" الكبائر " هي ما فيها حد في الدنيا أو في الآخرة: كالزنا والسرقة والقذف التي فيها حدود في الدنيا. وكالذنوب التي فيها حدود في الآخرة وهو الوعيد الخاص. مثل الذنب الذي فيه غضب الله ولعنته أو جهنم؛ ومنع الجنة كالسحر واليمين الغموس والفرار من الزحف وعقوق الوالدين وشهادة الزور وشرب الخمر ونحو ذلك.
هكذا روي عن ابن عباس وسفيان بن عيينة وأحمد بن حنبل وغيرهم من العلماء. قال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} وقال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة}. وقال تعالى: {والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون} وقال تعالى {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} وقال تعالى: {وكل صغير وكبير مستطر}. و (أكبر الكبائر الإشراك بالله ثم قتل النفس ثم الزنا. كما قال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} الآية.
(واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما (32)
(فصل في قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا)
قال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
فصل:

وأما قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا. فليس الأمر كذلك بل عامة الأنبياء كانوا يفعلون أسبابا يحصل بها الرزق؛ كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه أحمد في المسند عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي؛ وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم}.

وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم {إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه} وكان داود يأكل من كسبه وكان يصنع الدروع وكان زكريا نجارا وكان الخليل له ماشية كثيرة حتى إنه كان يقدم للضيف الذين لا يعرفهم عجلا سمينا؛ وهذا إنما يكون مع اليسار. وخيار الأولياء المتوكلين: المهاجرون والأنصار وأبو بكر الصديق - أفضل الأولياء المتوكلين بعد الأنبياء. وكان عامتهم يرزقهم الله بأسباب يفعلونها كان الصديق تاجرا؛ وكان يأخذ ما يحصل له من المغنم؛ ولما ولي الخلافة جعل له من بيت المال كل يوم درهمان وقد أخرج ماله كله وقال له النبي صلى الله عليه وسلم {ما تركت لأهلك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله} ومع هذا فما كان يأخذ من أحد شيئا لا صدقة ولا فتوحا ولا نذرا بل إنما كان يعيش من كسبه.
بخلاف من يدعي التوكل ويخرج ماله كله ظانا أنه يقتدي بالصديق؛ وهو يأخذ من الناس إما بمسألة وإما بغير مسألة فإن هذه ليست حال أبي بكر الصديق بل في المسند: " أن الصديق كان إذا وقع من يده سوط ينزل فيأخذه، ولا يقول لأحد ناولني إياه ويقول إن خليلي أمرني ألا أسأل الناس شيئا ". فأين هذا ممن جعل الكدية وسؤال الناس طريقا إلى الله حتى إنهم يأمرون المريد بالمسألة للخلق.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريم مسألة الناس إلا عند الضرورة وقال: {لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع} وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} {وإلى ربك فارغب} فأمره أن تكون رغبته إلى الله وحده. ومن هؤلاء من يجعل دعاء الله ومسألته نقصا وهو مع ذلك يسأل الناس ويكديهم وسؤال العبد لربه حاجته من أفضل العبادات؛ وهو طريق أنبياء الله وقد أمر العباد بسؤاله فقال: {واسألوا الله من فضله} ومدح الذين يدعون ربهم رغبة ورهبة.

ومن الدعاء ما هو فرض على كل مسلم كالدعاء المذكور في فاتحة الكتاب. ومن هؤلاء من يحتج بما يروى عن الخليل أنه لما ألقي في النار قال له جبرائيل: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا قال: سل قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وأول هذا الحديث معروف وهو قوله: أما إليك فلا؛ وقد ثبت في صحيح البخاري عن {ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: حسبنا الله ونعم الوكيل أنه قالها: إبراهيم حين ألقي في النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}.

وأما قوله: حسبي من سؤالي علمه بحالي فكلام باطل خلاف ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل وغيره من الأنبياء من دعائهم لله ومسألتهم إياه وهو خلاف ما أمر الله به عباده من سؤالهم له صلاح الدنيا والآخرة. كقولهم: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ودعاء الله وسؤاله والتوكل عليه عبادة لله مشروعة بأسباب كما يقدره بها فكيف يكون مجرد العلم مسقطا لما خلقه وأمر به والله أعلم. وصلى الله على محمد وسلم.

(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ... (34)

وقال - رحمه الله -:
فصل قوله: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} يقتضي وجوب طاعتها لزوجها مطلقا: من خدمة وسفر معه وتمكين له وغير ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث " الجبل الأحمر " وفي " السجود " وغير ذلك؛ كما تجب طاعة الأبوين؛ فإن كل طاعة كانت للوالدين انتقلت إلى الزوج؛ ولم يبق للأبوين عليها طاعة: تلك وجبت بالأرحام وهذه وجبت بالعهود كما سنقرر إن شاء الله هذين الأصلين العظيمين.
وسئل - رحمه الله -:
عن امرأة تزوجت وخرجت عن حكم والديها. فأيهما أفضل: برها لوالديها أو مطاوعة زوجها؟
فأجاب:
الحمد لله رب العالمين، المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها وطاعة زوجها عليها أوجب قال الله تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله} وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة؛ إذا نظرت إليها سرتك وإذا أمرتها أطاعتك وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك}.
وفي صحيح أبي حاتم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحصنت فرجها وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت} وفي الترمذي عن أم سلمة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة} وقال الترمذي حديث حسن. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لو كنت آمرا لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها} أخرجه الترمذي وقال حديث حسن وأخرجه أبو داود ولفظه:

{لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحقوق} وفي المسند عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ من عظم حقه عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تجري بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه} وفي المسند وسنن ابن ماجه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ولو أن رجلا أمر امرأته أن تنقل من جبل أحمر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أحمر: لكان لها أن تفعل} أي لكان حقها أن تفعل.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 32.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.07 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.92%)]