عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 12-09-2022, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,253
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد الخامس
الحلقة( 184)

من صــ 191 الى صـ 200


فصل:
وأما ميراث الأخوات مع البنات: وأنهن عصبة. كما قال: ({وله أخت} - الذي هو قول جمهور الصحابة والعلماء - فقد دل عليه القرآن والسنة أيضا فإن قوله تعالى {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد}. فدل على أن الأخت ترث النصف مع عدم الولد. وأنه هو يرث المال كله مع عدم ولدها. وذلك يقتضي أن الأخت مع الولد لا يكون لها النصف مما ترك؛ إذ لو كان كذلك لكان لها النصف سواء كان له ولد أو لم يكن له فكان ذكر الولد تدليسا وعبثا مضرا وكلام الله منزه عن ذلك. ومن هذا قوله تعالى {ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} وقوله {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} وإذا علم أنها مع الولد لا ترث النصف فالولد إما ذكر وإما أنثى.
أما الذكر فإنه يسقطها كما يسقط الأخ بطريق الأولى؛ بدليل قوله: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} فلم يثبت له الإرث المطلق إلا إذا لم يكن لها ولد والإرث المطلق هو حوز جميع المال فدل ذلك على أنه إذا كان لها ولد لم يحز المال؛ بل: إما أن يسقط وإما أن يأخذ بعضه. فيبقى إذا كان لها ولد: فإما ابن وإما بنت. والقرآن قد بين أن البنت إنما تأخذ النصف فدل على أن البنت لا تمنعه النصف الآخر؛ إذا لم يكن إلا بنت وأخ.
ولما كان فتيا الله إنما هو في الكلالة؛ والكلالة من لا والد له ولا ولد: علم أن من ليس له ولد ووالد ليس هذا حكمه.
ولما كان قد بين تعالى أن الأخ يحوز المال - مال الأخت - فيكون لها عصبة؛ كان الأب أن يكون له عصبة بطريق الأولى؛ وإذا كان الأب والأخ عصبة فالابن بطريق الأولى. وقد قال تعالى: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون} ودل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر} أن ما بقي بعد الفرائض لا يرثه إلا العصبة وقد علم أن الابن أقرب ثم الأب؛ ثم الجد؛ ثم الإخوة. وقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن أولاد بني الأم يتوارثون؛ دون بني العلات.
فالأخ للأبوين أولى من الأخ للأب وابن الابن يقوم مقام الابن وكذلك كل بني أب أدنى هم أقرب من بني الأب الذي هو أعلى منه وأقر بهم إلى الأب الأعلى فهو أقرب إلى الميت. وإذا استويا في الدرجة فمن كان لأبوين أولى ممن كان للأب. فلما دل القرآن على أن للأخت النصف مع عدم الولد. وأنه مع ذكور ولد يكون الابن عاصبا يحجب الأخت؛ كما يحجب أخاها. بقي الأخت مع إناث الولد: ليس في القرآن ما ينفي ميراث الأخت في هذه الحال.
بقي مع البنت: إما أن تسقط؛ وإما أن يكون لها النصف وإما أن تكون عصبة. ولا وجه لسقوطها؛ فإنها لا تزاحم البنت. وأخوها لا يسقط. فلا تسقط هي ولو سقطت بمن هو أبعد منها من الأقارب والبعيد لا يسقط القريب ولأنها كانت تساوي البنت مع اجتماعهما والبنت أولى منها فلا تساوى بها؛ فإنه لو فرض لها النصف لنقصت البنت عن النصف كزوج وبنت فلو فرض لها النصف لعالت فنقصت البنت عن النصف والإخوة لا يزاحمون الأولاد بفرض ولا تعصيب؛ فإن الأولاد أولى منهم. والله إنما أعطاها النصف إذا كان الميت كلالة.

فلما بطل سقوطها وفرضها لم يبق إلا أن تكون عصبة أولى من البعيد كالعم وابن العم وهذا قول الجمهور. وقد دل عليه حديث البخاري {عن ابن مسعود لما ذكر له أن أبا موسى وسلمان بن ربيعة قالا: في بنت وبنت ابن. وأخت: للبنت النصف وللأخت النصف وائت ابن مسعود فإنه سيتابعنا. فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للبنت النصف وبنت الابن السدس تكملة الثلثين. وما بقي للأخت} فدل ذلك أن الأخوات مع البنات عصبة والأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت.

وقوله صلى الله عليه وسلم {ألحقوا الفرائض بأهلها إلخ} فهذا عام خص منه المعتقة والملاعنة والملتقطة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم {تحوز المرأة ثلاث مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه} وإذا كان عاما مخصوصا: خصت منه هذه الصورة بما ذكر من الأدلة.
فصل:
وأما " ميراث البنتين " فقد قال تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف} فدل القرآن على أن البنت لها مع أخيها الذكر الثلث ولها وحدها النصف ولما فوق اثنتين الثلثان. بقيت البنت إذا كان لها مع الذكر الثلث لا الربع فأن يكون لها مع الأنثى الثلث لا الربع أولى وأحرى؛ ولأنه قال: {وإن كانت واحدة فلها النصف} فقيد النصف بكونها واحدة فدل بمفهومه على أنه لا يكون لها إلا مع هذا الوصف؛ بخلاف قوله: {فإن كن نساء} ذكر ضمير (كن) و (ونساء) وذلك جمع لم يمكن أن يقال: اثنتين؛ لأن ضمير الجمع لا يختص باثنتين؛ ولأن الحكم لا يختص باثنتين فلزم أن يقال:
{فوق اثنتين} لأنه قد عرف حكم الثنتين؛ وعرف حكم الواحدة وإذا كانت واحدة فلها النصف ولما فوق الثنتين الثلثان: امتنع أن يكون للبنتين أكثر من الثلثين فلا يكون لهما جميع المال لكل واحدة النصف فإن الثلاث ليس لهن إلا الثلثان فكيف الثلاثة ولا يكفيها النصف لأنه لها بشرط أن تكون واحدة فلا يكون لها إذا لم تكن واحدة. وهذه الدلالة تظهر من قراءة النصب {وإن كانت واحدة} فإن هذا خبر كان تقديره: فإن كانت بنتا واحدة أي مفردة ليس معها غيرها {فلها النصف} فلا يكون لها ذلك إذا كان معها غيرها فانتفى النصف وانتفى الجميع فلم يبق إلا الثلثان. وهذه دلالة من الآية.
وأيضا فإن الله لما قال في الأخوات: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} كان دليلا على أن البنتين أولى بالثلثين من الأختين.

وأيضا فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما أعطى ابنتي سعد بن الربيع الثلثين وأمهما الثمن والعم ما بقي ". وهذا إجماع لا يصح فيه خلاف عن ابن عباس.
ودلت آية (الولد) على أن حكم ما فوق الاثنتين حكم الاثنتين؛ فكذلك قال في الأخوات {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك} ولم يذكر ما فوقهما؛ فإنه إذا كانت الثنتان تستحقان الثلثين فما فوقهما بطريق الأولى والأحرى؛ بخلاف آية البنات؛ فإنه لم يدل قوله {للذكر مثل حظ الأنثيين} إلا على أن لها الثلث مع أخيها وإذا كن اثنتين لم تستحق الثلث فصار بيانه في كل من الآيتين من أحسن البيان؛ لما دل الكلام الأول على ميراث البنتين دون ما زاد على ذلك بين بعد ذلك ميراث ما زاد على البنتين وفي آية الصيف لما دل الكلام على ميراث الأختين وكان ذلك دالا بطريق الأولى على ميراث الثلاثة أو الأربعة وما زاد: لم يحتج أن يذكر ما زاد على الأختين. فهناك ذكر ما فوق البنتين دون البنتين وفي الآية الأخرى ذكر البنتين دون ما فوقهما لما يقتضيه حسن البيان في كل موضوع ولما بين حكم الأخت الواحدة والأخ الواحد وحكم الأختين فصاعدا: بقي بيان الابنتين فصاعدا من الصنفين ليكون البيان مستوعبا للأقسام.

ولفظ " الإخوة " وسائر جميع ألفاظ الجمع قد يعني به الجنس من غير قصد القدر منه: فيتناول الاثنين فصاعدا. وقد يعني به الثلاثة فصاعدا. وفي هذه الآية إنما عنى به العدد مطلقا؛ لأنه بين الواحدة قبل ذلك؛ ولأن ما ذكره من الأحكام في الفرائض فرق فيه بين الواحد والعدد وسوى فيه بين مراتب العدد الاثنين والثلاثة وقد صرح بذلك في قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة} إلى قوله: {فهم شركاء في الثلث} فقوله: (كانوا)ضمير جمع وقوله: {أكثر من ذلك} أي من أخ وأخت ثم قال: {فهم شركاء في الثلث} فذكرهم بصيغة الجمع المضمر وهو قوله: فهم والمظهر وهو قوله شركاء. فدل على أن صيغة الجمع في آيات الفرائض تناولت العدد مطلقا: الاثنين فصاعدا؛ لقوله: {يوصيكم الله في أولادكم} وقوله؛ {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} وقوله: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء}.
فصل:
وأما " الجدة " فكما قال الصديق: ليس لها في كتاب الله شيء؛ فإن الأم المذكورة في كتاب الله مقيدة بقيود توجب اختصاص الحكم بالأم الدنيا فالجدة وإن سميت أما لم تدخل في لفظ الأم المذكورة في الفرائض فأدخلت في لفظ الأمهات في قوله {حرمت عليكم أمهاتكم} ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطاها السدس " فثبت ميراثها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينقل عنه لفظ عام في الجدات؛ بل ورث الجدة التي سألته فلما جاءت الثانية أبا بكر جعلها شريكة الأولى في السدس. وقد تنازع الناس في " الجدات " فقيل: لا يرث الاثنتان: أم الأم وأم الأب كقول مالك وأبي ثور. وقيل: لا يرث إلا ثلاث هاتان وأم الجد؛ لما {روى إبراهيم النخعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم
ورث ثلاث جدات: جدتيك من قبل أبيك وجدتك من قبل أمك} وهذا مرسل حسن؛ فإن مراسيل إبراهيم من أحسن المراسيل. فأخذ به أحمد. ولم يرد في النص إلا توريث هؤلاء.
وقيل: بل يرث جنس الجدات المدليات بوارث؛ وهو قول الأكثرين كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما وهو وجه في مذهب أحمد. وهذا القول أرجح؛ لأن لفظ النص وإن لم يرد في كل جدة فالصديق لما جاءته الثانية قال لها: لم يكن السدس التي أعطي إلا لغيرك؛ ولكن هي لو خلت به فهو لها. فورث الثانية. والنص إنما كان في غيرها. ولأنه لا نزاع أن من علت بالأمومة ورثت: فترث أم أم الأب وأم أم الأم بالاتفاق: فيبقى أم أبي الجد: أي فرق بينها وبين أم الجد وإن فرق بين أم الأب وأم الجد. ومعلوم أن أبا الجد يقوم مقام الجد؛ بل هو جد أعلى كذلك الجد كالأب؛ كأي وصف يفرق بين أم أم الأب وأم أبي الجد يبين ذلك أن أم أم الميت وأم أبيه بالنسبة إليه سواء؛ فكذلك أم أم أبيه وأم أبي أبيه بالنسبة إلى أبيه سواء؛ فوجب اشتراكهما في الميراث.
وأيضا فهؤلاء جعلوا أم أم الأم وإن زادت أمومتها ترث وأم أبي الأب لا ترث.

ورجحوا الجدة من جهة الأم على الجدة من جهة الأب. وهذا ضعيف فلم تكن أم الأم أولى به من أم الأب؛ وأقارب الأم لم يقدموا في شيء من الأحكام بل أقارب الأب أولى في جميع الأحكام؛ فكذلك في الحضانة. والصحيح أنها لا تسقط بابنها - أي الأب - كما هو أظهر الروايتين عن أحمد؛ لحديث ابن مسعود. ولأنها ولو أدلت به فهي لا ترث ميراثه؛ بل هي معه كولد الأم مع الأم لم يسقطوا بها.
وقول من قال: من أدلى بشخص سقط به. باطل: طردا وعكسا. باطل طردا: بولد الأم مع الأم وعكسا: بولد الابن مع عمهم؛ وولد الأخ مع عمهم. وأمثال ذلك مما فيه سقوط شخص بمن لم يدل به؛ وإنما العلة أنه يرث ميراثه فكل من ورث ميراث شخص سقط به إذا كان أقرب منه والجدات يقمن مقام الأم فيسقطن بها وإن لم يدلين بها.

وأما كون " بنات الابن مع البنت " لهن السدس تكملة الثلثين وكذلك الأخوات من الأب مع أخت الأبوين؛ فلأن الله قال. {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} وقد علم أن الخطاب تناول ولد البنين؛ دون ولد البنات وأن قوله {أولادكم} يتناول من ينسب إلى الميت؛ وهم ولده وولد ابنته وأنه متناولهم على الترتيب: يدخل فيه ولد البنين عند عدم ولد الصلب؛ لما قد عرف من أنما أبقت الفروض فلأولى رجل ذكر والابن أقرب من ابن الابن فإذا لم تكن إلا بنت فلها النصف؛ وبقي من نصيب البنات السدس؛ فإذا كان هنا بنات ابن فإنهن يستحققن الجميع لولا البنت؛ فإذا أخذت النصف فالباقي لهن.
وكذلك في الأخت من الأبوين مع الأخت من الأب: {أخبر ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى للبنت بالنصف؛ ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين} وأما إذا استكملت البنات الثلثين لم يبق فرض؛ فإن كان هناك عصبة من ولد البنين فالمال له؛ لأنه أولى ذكر؛ وإن كان معه أو فوقه عصبها عند جمهور الصحابة والعلماء كالأربعة وغيرهم.

وأما ابن مسعود فإنه يسقطها؛ لأنها لا ترث مفردة.
والنزاع في الأخت للأب مع أخيها إذا استكمل البنات الثلثين. فالجمهور يجعلون البنات عصبة مع إخوانهن يقتسمون الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين سواء زاد ميراثهن بالتعصيب أو نقص وتوريثهن هنا أقوى وقول ابن مسعود معروف في نقصانهن.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 36.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.71%)]