عرض مشاركة واحدة
  #362  
قديم 11-09-2022, 01:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,449
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (360)
سُورَةُ الْحَجِّ
صـ 139 إلى صـ 146




[ ص: 139 ] قال الزركشي : ولعله في المجرد وأطلقها والتي قبلها في الكافي ، ولم يذكر غيرها ، وكذا قال في " المغني " و " الشرح " ، وقال ابن الزاغوني في " الواضح " : يجب دم القران بالإحرام . قال في " الفروع " : كذا قال ، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية التمتع ، إذ قال في " الفروع " : ويتوجه أن يبني عليها ، ما إذا مات بعد سبب الوجوب ، يخرج عنه من تركته .

وقال بعض الأصحاب : فائدة الروايات إذا تعذر الدم ، وأراد الانتقال إلى الصوم ، فمتى يثبت العذر فيه الروايات ، ثم قال في " الإنصاف " : هذا الحكم المتقدم في لزوم الدم . وأما وقت ذبحه فجزم في " الهداية " ، و " المذهب " ، و " مسبوك الذهب " ، و " المستوعب " ، و " الخلاصة " ، و " الهادي " ، و " التلخيص " ، و " البلغة " ، و " الرعايتين " ، و " الحاويين " وغيرهم : أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه .

قال في " الفروع " : وقال القاضي وأصحابه : لا يجوز قبل فجر يوم النحر ، ثم ذكر صاحب " الإنصاف " ، عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك ، وذكر رده ، ورده الذي ذكر هو الصحيح .

ومن جملة ما رده به فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ; لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعا ، ثم قال : وقد جزم في " المحرر " ، و " النظم " ، و " الحاوي " ، و " الفائق " وغيرهم أن وقت دم المتعة والقران وقت دم الأضحية على ما يأتي في بابه ، ثم قال : واختار أبو الخطاب في الانتصار " يجوز له نحره بإحرام العمرة ، وأنه أولى من الصوم ; لأنه بدل " وحمل رواية ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر ، ثم قال :

ونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي : ينحره لا يضيع ، أو يموت ، أو يسرق . قال في " الفروع " : وهذا ضعيف .

قال في " الكافي " : وإن قدم قبل العشر نحره ، وإن قدم به في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى ، استدل بهذه الرواية واقتصر عليه . انتهى محل الغرض من " الإنصاف " .

وقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبنى عليها لزوم الهدي في تركته ، إن مات بعد الوجوب ، وتحقق وقت العذر المبيح للانتقال إلى الصوم ، إن لم يجد الهدي ، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح ; لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل ، عن وقت الوجوب .

[ ص: 140 ] وأن الصحيح المشهور من مذهبه : أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ، واختيار أبي الخطاب جواز ذبحه بإحرام المتعة .

ورواية أبي طالب : جواز ذبحه إن قدم به . قبل العشر ، كلاهما ضعيف لا يعول عليه ، ولا يعضده دليل ، والتعليل بخوف الموت والضياع والسرقة منتقض بما إذا قدم به في العشر ; لأن العشر يحتمل أن يموت فيها ، أو يضيع ، أو يسرق كما ترى والتحديد بنفس العشر ، لا دليل عليه من نص ولا قياس ، فبطلانه واضح لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة ، وذلك موجود في الهدي الذي قدم به في العشر ، مع أن الأصل في كليهما السلامة ، والعلم عند الله تعالى .

ومذهب الشافعي في هذه المسألة : هو أن وقت وجوب دم التمتع ، هو وقت الإحرام بالحج .

قال النووي في " شرح المهذب " : وبه قال أبو حنيفة ، وداود ، وقال عطاء : لا يجب حتى يقف بعرفات .

وقال مالك : لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة ، وأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان :

أحدهما : لا يجوز قبل الإحرام بالحج ، قالوا : لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن ، فلا تجوز قبل وجوبها ، كالصلاة والصوم .

والقول الثاني : يجوز بعد الفراغ من العمرة ; لأنه حق مالي يجب بسببين ، فجاز تقديمه على أحدهما ، كالزكاة بعد ملك النصاب وقبل الحول ، أما جواز ذبحه بعد الإحرام بالحج ، فلا خلاف فيه عند الشافعية ، كما أن ذبحه قبل الإحرام بالعمرة ، لا يجوز عندهم ، بلا خلاف .

وقد قدمنا نقل النووي ، عن أبي حنيفة أن وقت وجوبه هو وقت الإحرام بالحج ، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة ، وأصحابه : يوم النحر ، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية ، وإن قدمه لم يجزئه ، وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب ، ووقت النحر ; لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته ، فيما لو مات المحرم هل يخرج الهدي من تركته بعد موته ، ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم ، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب ، جواز الذبح .

[ ص: 141 ] ومن فوائد ذلك : أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإحرام ، عند من يقول بذلك ، لا يتعين لزوم الدم ; لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع : فلا دم تمتع عليه ، وإنما عليه دم الفوات . كما يأتي إن شاء الله تعالى .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع والقران ، فدونك أدلتهم ، ومناقشتها ، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها .

اعلم أن من قال بجوازه قبل يوم النحر : كالشافعية ، وأبي الخطاب من الحنابلة ، ورواية ضعيفة عن أحمد : إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا ، واحتج لهم بأشياء . أما رواية أبي طالب عن أحمد : بجواز تقديم ذبحه ، إن قدم به صاحبه ، قبل العشر ، فقد ذكرنا تضعيف صاحب " الفروع " لها ، وبينا أنها لا مستند لها ; لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنة ثابتة .

وأما قول أبي الخطاب : إنه يجوز بإحرام العمرة ، فلا مستند له من كتاب ولا سنة ولا قياس . والظاهر : أنه يرى أن هدي التمتع له سببان ، وهما العمرة والحج في تلك السنة ، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة فجاز الإتيان بالمسبب ، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان ; لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم ، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى ، ولم تنتف الموانع ; لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة ، كما أوضحناه في غير هذا الموضع . ولا يخفى سقوط هذا ، كما ترى . وأما الشافعية : فقد ذكروا لمذهبهم أدلة .

منها أن هدي التمتع حق مالي ، يجب بسببين : هما الحج ، والعمرة .

فجاز تقديمه على أحدهما قياسا على الزكاة بعد ملك النصاب ، وقبل حلول الحلول .

ومنها قوله تعالى : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي قالوا : قوله : فما استيسر من الهدي ، أي عليه ما استيسر من الهدي ، وبمجرد الإحرام بالحج يسمى متمتعا ، فوجب حينئذ ; لأنه معلق على التمتع : وقد وجد . قالوا : ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله ; كقوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل [ 2 \ 187 ] ، فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل ، فكذلك التمتع ، يحصل بأول جزء من الحج وهو الإحرام .

ومنها أن شروط التمتع وجدت عند الإحرام بالحج ، فوجد التمتع ، وذبح الهدي معلق على التمتع ، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق .

[ ص: 142 ] ومنها أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه ، يجوز تقديم بعضه على يوم النحر ، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله : فصيام ثلاثة أيام في الحج الآية [ 2 \ 196 ] ، وتقديم البدل يدل على تقديم المبدل منه .

ومنها أنه دم جبران ، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر كدم فدية الطيب واللباس .

ومنها ظواهر بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر ، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي .

وحدثني محمد بن حاتم ، حدثنا محمد بن بكر ، أخبرنا ابن جريج ، أخبرنا أبو الزبير : أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ، ويجتمع النفر منا في الهدية " ، وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث . انتهى بلفظه من صحيح مسلم . وقال النووي في شرحه لهذا الحديث : وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع ، بعد التحلل من العمرة ، وقبل الإحرام بالحج . وفي المسألة خلاف ، وتفصيل . . . إلى آخر كلام النووي .

ومن ذلك أيضا ما رواه الحاكم في " المستدرك " : أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم ، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب ، ثنا يحيى بن أيوب ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي ، عن محمد بن إسحاق ، ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، وعطاء ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كثرت القالة من الناس ، فخرجنا حجاجا ، حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلا ليال قلائل ، أمرنا بالإحلال . . . الحديث .

وفيه : قال عطاء : قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : " إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسم يومئذ في أصحابه غنما فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه ، فلما وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : اصرخ ، أيها الناس هل تدرون أي شهر هذا " ، إلى آخر الحديث ، ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه ، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق ، عن أبيه ، عن جابر أيضا ، وفيه أيضا زيادة ألفاظ كثيرة اهـ .

وأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور ، وقوله في هذا الحديث : " فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة " إلخ . قد يتوهم منه ، أن ذبح سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة .

[ ص: 143 ] هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر ، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه ، ولأنه لا يحتاج في سقوطه إلى دليل .

وأما الجمهور القائلون : بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة ، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة ، في أن أول وقت نحر الهدي : هو يوم النحر ، وكان - صلى الله عليه وسلم - قارنا كما قدمنا ، ما يدل على الجزم بذلك ، سواء قلنا : إذا بدأ إحرامه قارنا ، أو أدخل العمرة على الحج ، وأن ذلك خاص به كما تقدم . وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة ، إلا عائشة فإنها كانت قارنة على التحقيق كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة ، ولم ينحر عن نفسه - صلى الله عليه وسلم - ، ولا عن أحد من أزواجه ، إلا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة ، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين ، وهم أكثر أصحابه والقارنين الذين ساقوا الهدي ، لم ينحر أحد منهم ألبتة ، قبل يوم النحر ، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين ، والمهاجرين ، والأنصار ، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة ، ولا من الخلفاء : أنه نحر هدي تمتعه ، أو قرانه قبل يوم النحر ألبتة .
فإن قيل : فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يتعين به الوجوب ; لإمكان أن يكون سنة لا فرضا ; لأن الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا ، فلا عموم له ، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة ، ولم ينسخ الأخير منها الأول ، وإذا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر ، مع جواز الذبح قبله .

فالجواب من وجهين ، الأول : هو ما تقرر في الأصول ، من أن فعله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان بيانا لنص فهو محمول على الوجوب ، إن كان الفعل المبين واجبا كما أطبق عليه الأصوليون . وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينا به المراد من اليد في قوله : فاقطعوا أيديهما [ 5 \ 38 ] ، يقتضي الوجوب ، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع ، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج ، ومن ذلك الذبائح ، وأوقاتها ; لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنة ; ولذا ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لتأخذوا عني مناسككم " ، وإذا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه ، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل كبيانه أن عرفة كلها موقف ، وأن مزدلفة كلها موقف ، وأن منى كلها منحر ، ونحو ذلك ، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره .

قال صاحب " جمع الجوامع " ، عاطفا على ما تعرف به جهة فعله - صلى الله عليه وسلم - من وجوب أو [ ص: 144 ] ندب ما نصه : ووقوعه بيانا . . . إلخ . يعني أن وقوع الفعل بيانا لنص مجمل إن كان مدلول النص واجبا ، فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف ، وإن كان مندوبا فمندوب . سواء كان الفعل المبين للنص دل على كونه بيانا قرينة أو قولا .

قال شارحه صاحب " الضياء اللامع " ، ما نصه : الثاني : أن يكون فعله بيانا لمجمل إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع ، فإنه بيان لقوله تعالى : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [ 5 \ 38 ] ، وإما بقول مثل قوله : " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، فإن الصلاة فرضت على الجملة ، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله ، وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان ، وكذا قوله : " خذوا عني مناسككم " ، وحكم هذا القسم وجوب الاتباع . انتهى محل الغرض منه ، وهو واضح فيما ذكرنا ولا أعلم فيه خلافا فجميع أفعال الحج ، والصلاة التي بين بها - صلى الله عليه وسلم - آيات الصلاة والحج يجب حمل كل شيء منها ، على الوجوب إلا ما أخرجه دليل خاص يجب الرجوع إليه . وقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي : مسألة فعله - صلى الله عليه وسلم - ما وضح فيه أمر الجبلة ، كالقيام ، والقعود ، والأكل ، والشرب ، أو تخصيصه ، كالضحى ، والوتر ، والتهجد ، والمشاورة ، والتخيير ، والوصال والزيادة على أربع فواضح ، وما سواهما إن وضح أنه بيان بقول أو قرينة مثل : صلوا ، وخذوا ، وكالقطع من الكوع والغسل إلى المرافق ، اعتبر اتفاقا . انتهى محل الغرض منه . ومعنى قوله : اعتبر اتفاقا : أنه إن كان المبين باسم المفعول واجبا ، فالفعل المبين باسم الفاعل واجب ; لأن المبين بحسب المبين ، وقال شارحه العضد : فإن عرف أنه بيان لنص على جهته من الوجوب ، والندب ، والإباحة اعتبر على جهة المبين من كونه خاصا وعاما اتفاقا ، ومعرفة كونه بيانا إما بقول ، وإما بقرينة ، فالقول نحو : " خذوا عني مناسككم " ، و " صلوا كما رأيتموني أصلي " ، والقرينة مثل : أن يقع الفعل بعد إجمال ، كقطع يد السارق من الكوع ، دون المرفق والعضد بعد ما نزل قوله : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، والغسل إلى المرافق ، بإدخال المرافق ، أو إخراجها بعد ما نزلت : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق [ 5 \ 6 ] انتهى محل الغرض منه ، وهو واضح فيما ذكرنا من أن الفعل المبين لنص دال على واجب ، يكون واجبا ; لأن البيان به بيان لواجب ، كما هو واضح . وإلى ذلك أشار في " مراقي السعود " ، بقوله :
من غير تخصيص وبالنص يرى وبالبيان وامتثال ظهرا
ومحل الشاهد منه قوله : وبالبيان . وقال في شرحه " نشر البنود " في معنى قوله : [ ص: 145 ] وبالبيان ، فيكون حكمه حكم المبين انتهى منه . وهو واضح - والمبين بصيغة اسم المفعول - في آيات الحج ، وهدي التمتع واجب ; لأن الحج واجب إجماعا ، وهدي التمتع واجب إجماعا ، فالفعل المبين لهما يكون واجبا على ما قررناه ، وعليه عامة أهل الأصول ، إلا ما أخرجه دليل خاص وبه تعلم أن ذبحه - صلى الله عليه وسلم - هديه يوم النحر وهو قارن ، وذبحه عن أزواجه يوم النحر ، وهن متمتعات ، وعن عائشة وهي قارنة : فعل مبين لنص واجب ، فهو واجب ، ولا تجوز مخالفته في نوع الفعل ، ولا في زمانه ، ولا في مكانه إلا فيما أخرجه دليل خاص ، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى ; لأنه بين أن منى كلها نحر ، ولم يبين أن الزمن كله وقت نحر ، ومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول ، من أن فعله - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يكن بيانا لمجمل ، ولم يعلم هل فعله على سبيل الوجوب ، أو على سبيل الندب أنه يحمل على الوجوب ; لأنه أحوط وأبعد من لحوق الإثم ، إذ على احتمال الندب والإباحة لا يقتضي ترك الفعل إثما ، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإثم ، وإلى هذا أشار في " مراقي السعود " في مبحث أفعاله - صلى الله عليه وسلم - بقوله :
وكل ما الصفة فيه تجهل فللوجوب في الأصح يجعل


وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى نشر البنود : يعني أن ما كان من أفعاله - صلى الله عليه وسلم - مجهول الصفة - أي مجهول الحكم - فإنه يحمل على الوجوب إلى أن قال : وكونه للوجوب هو الأصح ، وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك ، والأبهري ، وابن القصار ، وبعض الشافعية ، وأكثر أصحابنا وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة . انتهى محل الغرض منه .

وقال صاحب " الضياء اللامع " : وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج ، وابن خويز منداد ، وقال به الأبهري ، وابن القصار ، وأكثر أصحابنا ، وبعض الشافعية ، وبعض الحنفية ، وبعض الحنابلة ، وبعض المعتزلة . واستدل أهل هذا القول بأدلة :

منها قوله تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر [ 33 \ 21 ] ، قالوا : معناه : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فله فيه أسوة حسنة ، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة ، فهو لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، وملزوم الحرام حرام ، ولازم الواجب واجب . وقالوا أيضا : وهو مبالغة في التهديد على عدم الأسوة فتكون الأسوة واجبة ، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله .

ومنها قوله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ 59 \ 7 ] ، قالوا : وما فعله فقد آتاناه ; لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله وتقريره .

[ ص: 146 ] ومنها قوله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله الآية [ 3 \ 31 ] ، ومن اتباعه التأسي به في فعله ، قالوا : وصيغة الأمر في قوله : فاتبعوني للوجوب .

ومنها أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من الوطء ، بدون إنزال سألوا عائشة ، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلا ذلك ، فاغتسلا فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل من الوطء بدون إنزال على الوجوب .

ومنها أنه - صلى الله عليه وسلم - لما خلع نعليه في الصلاة ، خلعوا نعالهم ، فلما سألهم : لم خلعوا نعالهم ؟ قالوا : رأيناك خلعت نعليك ، فخلعنا نعالنا ، فحملوا مطلق فعله على الوجوب ، فخلعوا لما خلع ، وأقرهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك قالوا : فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب ، لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه أن يخلعوا ، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم ، وأخبرهم أن جبريل أخبره : أن في باطنهما قذرا والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عند أحمد ، وأبي داود ، والحاكم وغيرهم . وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث : رواه أبو داود بإسناد صحيح ، ورواه الحاكم في " المستدرك " . وقال : هو صحيح على شرط مسلم ، وقال الشوكاني في " نيل الأوطار " في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في " المنتقى " بعد أن قال المجد في " المنتقى " : رواه أحمد وأبو داود ، انتهى الحديث . أخرجه أيضا الحاكم ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول ، ورواه الحاكم من حديث أنس ، وابن مسعود إلى آخر كلامه . ومعلوم أن المخالفين القائلين : بأن الفعل الذي لم يكن بيانا لمجمل ، ولم يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب ، بل على الندب أو الإباحة إلى آخر أقوالهم ، ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول ، قالوا : قوله : وما آتاكم الرسول فخذوه [ 59 \ 7 ] ، أي ما أمركم به بدليل قوله : وما نهاكم عنه [ 59 \ 7 ] ، فهي في الأمر والنهي لا في مطلق الفعل ، ولا يخفى أن تخصيص : ( وما آتاكم ) ، بالأمر تخصيص لا دليل عليه ، وذكر النهي بعده لا يعينه وقالوا : إن كنتم تحبون الله فاتبعوني إنما يكون الاتباع واجبا فيما علم أنه واجب ، أما إذا كان فعله مندوبا فالاتباع فيه مندوب ، ولا يتعين أن الفعل واجب على الأمة بالاتباع إلا إذا علم أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله على سبيل الوجوب .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.87 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]