عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-09-2022, 09:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: نظرة صورية للنحو العربي




ونحن نعلم أنَّ العامل يعمل في المعمول في الجانب الإعمالي التركيبي اللَّفظي؛ إذًا يمكن القول تجريديًّا: إن اللامحل يعمل في المحل، واللامحل باعتباره عاملًا ستحدده على مستوى الاستعمال والترکيب صفةُ الفعلية، والمحل باعتباره معمولًا ستحدِّده صفةُ الاسمية؛ فنحصل على أن الاسمية = المحل، والفعلية = اللامحل.



وبناء على هذه القاعدة الأخيرة يمكن القول: إنَّ التصنيف في العربية قائمٌ على صنفين: الاسمية والفعلية، ويمكن أن تقول أيضًا - لكن مع استحضار مقولة الأصل -: إن كل ما يتصف بالاسمية سيكون معمولًا ومتمكنًا من المحل، وله وظيفة نحوية؛ (كالفاعلية، والمفعولية، والمبتدئية، والخبرية، والتبعية...)، وكل ما يتَّصف بالفعلية سيكون عاملًا وغير متمكن مِن المحل، وليس له وظيفة نَحْوية.



ومن خلال ما قيل نحصل على قاعدة أخرى هي: ما له محلٌّ له وظيفة نحويَّة، وما لا محل له ليس له وظيفة نحوية؛ وعلى هذا فكلُّ اسم له وظيفة، وكلُّ فِعل لا وظيفة له، وكذلك كل حرف لا وظيفة له.



لكن هذه القاعدة على مستوى مقولة الشبه والفرع، فيها نظر؛ فمثلًا اسم الفاعل، واسم المفعول، وما شابههما هي أسماء ولها وظائف نحويَّة، حسب المحل الذي يَحتلون فيه، وهي معمولات، لكن إلى جانب هذا فهي عوامل!



وللخروج مِن هذا الإشكال يُمكن القول: إنَّ هذه الأسماء أخذتْ شيئًا مِن صفة الفعليَّة، لكنها لم تخرج عن الاسمية؛ فهي محكومة بالاسمية، فتلقَّتِ العمل مِن العامل (سواء اللفظي أي الفعل - الذي هو أقوى العوامل اللفظية، أو الحرف - أو سواء المعنوي؛ كالابتداء الذي هو أقوى العوامل المعنوية، أو التجرد للإسناد)، واحتلَّت محلًّا وأفادت وظيفة، لكنها لشبهها بالفعل أخذت منه صفة العاملية فقط؛ فهي اسمية أكثر منها فعلية؛ إذًا فهي عاملة ومعمولة في الوقت نفسه.



لكن اسم الفعل له حالة خاصَّة؛ فهو رغم نعته بالاسم فهو لا وظيفة له في التركيب، ولا محل له، وليس معمولًا، لكنه يعمل؛ إذًا فهو يعمل ولا يعمل فيه، وهذا راجع إلى أنَّ اسم الفعل هو فعلٌ في الأصل والمعنى، ولكنه أخذ بعض خصائص الاسم فقط على المستوى الشكلي؛ لهذا فهو إلى الفعلية أقرب من الاسمية؛ لهذا أخذ أغلب صفات الفعلية، من مثل: صفة لا وظيفة ولا محلية، وصفة العاملية؛ التي تتجلَّى في منح الحركة، وتحديد الوظيفة ومنح الموقع.



وتجدر الإشارة إلى أن الأصل في الإعراب للمفردات، والجمل أُعربتْ لتأوُّلها بالمفرد ولوقوعها موقعه، والأصل في إعراب المفردات الإعراب اللَّفظي، والإعراب التقديري والمحلي فرع عنه، والجُمَل قسمان مِن حيث الإعراب:

فهناك جمل لها محل؛ وهي الجمل التي تؤوَّل بالمفرد أو تقع موقعه، وقد حصرها النُّحاة في سبع جمل، وهي: الجملة الخبرية، والجملة الحالية، والجملة الواقعة مفعولًا به، وجملة المضاف إليه، والجملة الواقعة جوابًا لشرط جازم، والجملة النعتيَّة، والجملة التابعة لجملة لها محل.



وهناك جمل لا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها لا تقدر بمفرد أو لم تقع موقعه، وقد حصرها النُّحاة هي كذلك في ثمانية جمل، هي: الجملة الابتدائية، والجملة الاستئنافيَّة، وجملة صِلة الموصول، والجملة الاعتراضيَّة، والجملة التفسيرية، والجملة الواقعة جوابًا للقسَم، والجملة الواقعة جوابًا للشَّرط غير الجازم، والجملة التابعة لجملة لا محل لها من الإعراب.



ويلاحظ على الجمل التي لها مَحل أنَّها يمكن أن تكون اسميَّة أو فعلية، وتؤول باسم، ولها وظيفة حسب الموقع الذي وقعتْ فيه، ويعمل فيها عامل فهي معمولة؛ إذًا الجمل التي لها محل مِن الإعراب نوعًا ما تنطبق مع خصائص مقولة الاسمية وخصائص مقولة المحل، في حين أن الجمل التي لا محل لها فهي لا تؤول، وليس لها وظيفة نحويَّة، وليست عاملة ولا معمولة، فهي تشترك مع مقولة الفعلية ومقولة اللامحلية فقط في عدم تمكُّنها من المحلِّ وعدم وظيفتها، فهي نوعًا ما لا تنطبق مع خصائص اللامحل.



وتجدر الإشارة أيضًا إلى أنَّه حينما يتطابق اللَّفظ مع المحل يُكتفى بالأصل - وهو اللفظ - ويغلب على المحل؛ وهذا ما صار عليه النَّحو العربي، الذي غلب الجانب اللَّفظي على ما سواه.



ولتفصيل في هذه النقطة نورد الأمثلةَ الآتية التي نظنُّها تلملم أطرافَ الموضوع من كل جهاته:

جاء زيدٌ: (زيدٌ) متمكن لفظًا ومحلًّا، لكن يُكتفى في إعرابه بالجانب اللفظي.

جاء أحمدُ: (أحمد) متمكن لفظًا ومحلًّا.....

جاء هؤلاء: (هؤلاء) غير متمكن لفظًا، ومتمكن محلًّا، في إعرابه يُذكر المحل لضرورة البناء.

يکرم الضيف الزائر: (يکرم) غير متمکن في المحل، لکنَّه معرب من الناحية اللفظية.

قال تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ [البقرة: 233]: (يُرْضِعْنَ) غير معرب من الناحية اللفظية وغير متمكن من المحل، لا داعي أن يذكر في إعراب الفعل المحل.

ضرب الأخ أخاه: (ضرب) غير معرب من الناحية اللفظية وغير متمكن من المحل.

انصُر أخاك: (انصُر) غير معرب من الناحية اللفظية وغير متمكن من المحل.

إنَّ العلم نور: (إن) غير معربة من الناحية اللفظية وغير متمكن من المحل لكن يُذكر في الحروف الإعراب المحلي.

التأجيل مرض: جملة (التأجيل مرض) غير معربة من الناحية اللفظية وغير متمكن من المحل، لكن يذكر في الجمل الإعراب المحلي.

زيد قام أبوه: (قام أبوه) غير معربة مِن الناحية اللفظية ومتمكن من المحل؛ لهذا ذكر المحل في الإعراب.





الخاتمة:

إن ما يمكن أن نخلص إليه في نهاية هذه الصفحات، هو أننا يمكننا أن نلخص النَّحو العربي تجريديًّا وَفْقَ مقولتي المحل واللامحل، ولتجميع كل ما قيل نضع هذه الخطاطة الآتية:




















وبهده الخطاطة نكون قد حاولنا إعطاء صورة لما قيل في النقاط الثلاث السابقة، وبها نختم هذه الصفحات.

وآخر دعونا الحمد لله رب العالمين.




المصادر والمراجع الواردة في المقالة:

القرآن الكريم.

بودلال عبدالرحيم: محاضرات في مادتي التبويب النَّحوي، والبعد الصوري للنحو، ماجستير الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج، فوج 2015/ 2017.

تمام حسان، الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، عالم الكتب، 2000.

التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم مكتبة لبنان ناشرون.

الزمخشري: المفصل في علم العربية، دار الجيل بيروت.

دليلة مزوز: الأحكام النَّحوية بين النُّحاة وعلماء الدلالة، دراسة تحليلية نقدية، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، إشراف: محمد خان ومنصف عاشور.

ابن السراج: الأصول في النَّحو، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1985.

سيبويه: الکتاب، مکتبه الخانجي، بالقاهرة.

السيوطي: همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، مؤسسة الرسالة ودار البحوث العلمية، ط1.

عباس حسن: النَّحو الوافي، دار المعارف.

محمد الخضري: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، على ألفية ابن مالك، دار الفكر للطباعة النشر والتوزيع.

محمد سعيد صالح ربيع الغامدي: خصائص الفعل في العربية، مقال منشور في مجلة العقيق، مج 37، سنة 1431م.

منصف عاشور: ظاهرة الاسم في التفكير النَّحوي، منشورات كلية الآداب منوبة، تونس ط2، 2004.





[1]جاءت فكرة هذه المقالة مِن خلال مناقشة طلاب ماستر الدراسات اللغوية، في مادتي: التبويب النحوي، والبعد الصوري للنحو العربي، من تأطير الدكتور عبد الرحيم بودلال، فوج: 2016/ 2017.




[2]طالب ماستر الدراسات اللغوية: قضايا ومناهج، المغرب وجدة.




[3]الأصول دراسة إبستمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، تمام حسان، عالم الكتب، 2000، ص (11).




[4]خصائص الفعل في العربية، محمد سعيد صالح ربيع الغامدي، مقال منشور في مجلة العقيق، مج 37، سنة 1431م.




[5]حاشية الخضري على شرح ابن عقيل، على ألفية ابن مالك، الشيخ محمد الخضري، دار الفكر للطباعة النشر والتوزيع، ج2 ص (2).




[6]الأصول في النحو، لابن السراج، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1985، ج 1 ص (45).




[7]انظر الأصول ص 50، والمفصل في علم العربية للزمخشري، دار الجيل بيروت، ط2، ص (16).




[8]النحو الوافي، عباس حسن، دار المعارف، ج 1، ص (78، 79).




[9]شرح المفصل، ابن يعيش، عالم الكتب، بيروت، ج1، ص (57).




[10] الکتاب، سيبويه، مکتبه الخانجي بالقاهرة، ص (12).




[11] شرح المفصل ص (57).




[12]نفسه ص (57).




[13] نفسه ج3، ص (80)




[14] كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم للتهانوي، مكتبة لبنان ناشرون، ص (520، 521).




[15] همع الهوامع في شرح جمع الجوامع، السيوطي، مؤسسة الرسالة ودار البحوث العلمية، ط1، ج2، ص (79).




[16]الأحكام النحوية بين النحاة وعلماء الدلالة، دراسة تحليلية نقدية، دليلة مزوز، أطروحة دكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، إشراف: محمد خان ومنصف عاشور، ص (26).




[17]ظاهرة الاسم في التفكير النحوي، منصف عاشور، منشورات كلية الآداب منوبة، تونس ط2، 2004، ص (330).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 25.19 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.43%)]