عرض مشاركة واحدة
  #368  
قديم 09-09-2022, 01:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,784
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير البغوى****متجدد إن شاء الله

الحلقة (353)
الجزء السابع
- تفسير البغوى

سُورَةُ ص
مَكِّيَّةٌ

الاية1 إلى الاية12


[ ص: 63 ] ) ( فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين ( 157 ) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ( 158 ) سبحان الله عما يصفون ( 159 ) إلا عباد الله المخلصين ( 160 ) فإنكم وما تعبدون ( 161 ) ما أنتم عليه بفاتنين ( 162 ) إلا من هو صال الجحيم ( 163 ) وما منا إلا له مقام معلوم ( 164 ) )

( فأتوا بكتابكم ) الذي لكم فيه حجة ( إن كنتم صادقين ) في قولكم .

( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ) قال مجاهد وقتادة : أراد بالجنة الملائكة ، سموا جنة لاجتنانهم عن الأبصار .

وقال ابن عباس : حي من الملائكة يقال لهم الجن ، ومنهم إبليس ، قالوا : هم بنات الله .

وقال الكلبي : قالوا - لعنهم الله - بل تزوج من الجن فخرج منها الملائكة تعالى الله عن ذلك ، وقد كان زعم بعض قريش أن الملائكة بنات الله تعالى الله . فقال أبو بكر الصديق : فمن أمهاتهم ؟ قالوا : سروات الجن .

وقال الحسن : معنى النسب أنهم أشركوا الشياطين في عبادة الله ، ( ولقد علمت الجنة أنهم ) يعني قائلي هذا القول ) ( لمحضرون ) في النار ، ثم نزه نفسه عما قالوا فقال :

( سبحان الله عما يصفون ) ( إلا عباد الله المخلصين ) هذا استثناء من المحضرين ، أي : أنهم لا يحضرون .

قوله عز وجل : ) ( فإنكم ) يقول لأهل مكة : ( وما تعبدون ) من الأصنام .

( ما أنتم عليه ) على ما تعبدون ، ) ( بفاتنين ) بمضلين أحدا .

( إلا من هو صال الجحيم ) إلا من قدر الله أنه سيدخل النار ، أي : سبق له في علم الله الشقاوة .

قوله عز وجل : ( وما منا إلا له مقام معلوم ) يقول جبرائيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم ، أي : ما منا ملك إلا له مقام معلوم في السماوات يعبد الله فيه .

قال ابن عباس : ما في السماوات موضع شبر إلا وعليه ملك يصلي أو يسبح . [ ص: 64 ]

وروينا عن أبي ذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " أطت السماء ، وحق لها أن تئط ، والذي نفسي بيده ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله "

قال السدي : إلا له مقام معلوم في القربة والمشاهدة .

وقال أبو بكر الوراق : إلا له مقام معلوم يعبد الله عليه ، كالخوف والرجاء والمحبة والرضا .
( وإنا لنحن الصافون ( 165 ) وإنا لنحن المسبحون ( 166 ) وإن كانوا ليقولون ( 167 ) لو أن عندنا ذكرا من الأولين ( 168 ) لكنا عباد الله المخلصين ( 169 ) فكفروا به فسوف يعلمون ( 170 ) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ( 171 ) إنهم لهم المنصورون ( 172 ) وإن جندنا لهم الغالبون ( 173 ) )

) ( وإنا لنحن الصافون ) قال قتادة : هم الملائكة صفوا أقدامهم . وقال الكلبي : صفوف الملائكة في السماء للعبادة كصفوف الناس في الأرض .

( وإنا لنحن المسبحون ) أي : المصلون المنزهون الله عن السوء ، يخبر جبريل عليه السلام النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم يعبدون الله بالصلاة والتسبيح ، وأنهم ليسوا بمعبودين ، كما زعمت الكفار ، ثم أعاد الكلام إلى الإخبار عن المشركين فقال :

) ( وإن كانوا ) وقد كانوا يعني : أهل مكة ، ) ( ليقولون ) لام التأكيد .

( لو أن عندنا ذكرا من الأولين ) أي : كتابا مثل كتاب الأولين .

( لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به ) أي : فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به ، ) ( فسوف يعلمون ) هذا تهديد لهم .

( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) وهي قوله : " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي " ( المجادلة - 21 ) .

( إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون ) أي : حزب الله لهم الغلبة بالحجة والنصرة في العاقبة .
[ ص: 65 ] ( فتول عنهم حتى حين ( 174 ) وأبصرهم فسوف يبصرون ( 175 ) أفبعذابنا يستعجلون ( 176 ) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ( 177 ) وتول عنهم حتى حين ( 178 ) وأبصر فسوف يبصرون ( 179 ) سبحان ربك رب العزة عما يصفون ( 180 ) وسلام على المرسلين ( 181 ) والحمد لله رب العالمين ( 182 ) )

( فتول ) أعرض ( عنهم حتى حين ) قال ابن عباس : يعني الموت . وقال مجاهد : يوم بدر . وقال السدي : حتى نأمرك بالقتال . وقيل : إلى أن يأتيهم عذاب الله ، قال مقاتل بن حيان : نسختها آية القتال .

) ( وأبصرهم ) إذا نزل بهم العذاب ) ( فسوف يبصرون ) ذلك فقالوا : متى هذا العذاب ؟

قال الله عز وجل : ( أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل ) يعني : العذاب ) ( بساحتهم ) قال مقاتل : بحضرتهم . وقيل : بفنائهم . قال الفراء : العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم ، ( فساء صباح المنذرين ) فبئس صباح الكافرين الذين أنذروا بالعذاب .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، أخبرنا مالك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين خرج إلى خيبر ، أتاها ليلا وكان إذا جاء قوما بليل لم يغز حتى يصبح ، قال : فلما أصبح خرجت يهود خيبر بمساحيها ومكاتلها ، فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : محمد والله محمد والخميس ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين " .

ثم كرر ما ذكرنا تأكيدا لوعيد العذاب فقال :

( وتول عنهم حتى حين وأبصر ) العذاب إذا نزل بهم ، ( فسوف يبصرون ) . ثم نزه نفسه فقال :

( سبحان ربك رب العزة ) الغلبة والقوة ، ( عما يصفون ) من اتخاذ الصاحبة والأولاد .

( وسلام على المرسلين ) الذين بلغوا عن الله التوحيد والشرائع .

( والحمد لله رب العالمين ) على هلاك الأعداء ونصرة الأنبياء عليهم السلام . [ ص: 66 ]

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرني ابن فنجويه ، أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان ، حدثنا إبراهيم بن سهلويه ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا وكيع ، عن ثابت بن أبي صفية ، عن أصبغ بن نبانة ، عن علي قال : " من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة ، فليكن آخر كلامه من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين " .
سُورَةُ ص

مَكِّيَّةٌ


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ( 2 ) )

( ص ) قِيلَ : هُوَ قَسَمٌ ، وَقِيلَ : اسْمُ السُّورَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّورِ .

وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : " ص " مِفْتَاحُ اسْمِ الصَّمَدِ ، وَصَادِقِ الْوَعْدِ .

وَقَالَ الضَّحَّاكُ : مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ .

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - : صَدَقَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) أَيْ ذِي الْبَيَانِ ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ذِي الشَّرَفِ ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : " وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ " ( الزُّخْرُفِ - 44 ) ، وَهُوَ قَسَمٌ .

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقِسْمِ ، قِيلَ : جَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ ، وَهُوَ قَوْلُهُ " ص " أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ صَدَقَ .

وَقَالَ الْفَرَّاءُ : " ص " مَعْنَاهَا : وَجَبَ وَحَقَّ ، وَهُوَ جَوَابُ قَوْلِهِ : " وَالْقُرْآنِ " كَمَا تَقُولُ : نَزَلَ وَاللَّهِ .

وَقِيلَ : جَوَابُ الْقِسْمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ ، وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) . [ ص: 70 ]

قَالَ قَتَادَةُ : مَوْضِعُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ : ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ) كَمَا قَالَ : " وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا " ( ق - 2 ) .

وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، تَقْدِيرُهُ : بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، ( فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ .

وَقَالَ الْأَخْفَشُ : جَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : " إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ " ( ص - 14 ) ، كَقَوْلِهِ : " تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا " ( الشُّعَرَاءِ - 97 ) وَقَوْلِهِ : " وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ " ( الطَّارِقِ - 1 : 3 ) .

وَقِيلَ : جَوَابُهُ قَوْلُهُ : " إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا " ( ص - 54 ) .

وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : قَوْلُهُ : " إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ " ( ص - 64 ) ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَبَيْنَ هَذَا الْجَوَابِ أَقَاصِيصُ وَأَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ .

وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ : بَلْ لِتَدَارُكِ كَلَامٍ وَنَفْيِ آخَرَ ، وَمَجَازُ الْآيَةِ : إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عِزَّةِ حَمِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَتَكَبُّرٍ عَنِ الْحَقِّ وَشِقَاقٍ وَخِلَافٍ وَعَدَاوَةٍ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .

وَقَالَ مُجَاهِدُ : " فِي عِزَّةٍ " مُعَازِّينَ .
( كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص ( 3 ) )

( كم أهلكنا من قبلهم من قرن ) يعني : من الأمم الخالية ، ) ( فنادوا ) استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النقمة ، ( ولات حين مناص ) قوة ولا فرار " والمناص " مصدر ناص ينوص وهو الفوت ، والتأخر ، يقال : ناص ينوص إذا تأخر ، وباص يبوص إذا تقدم ، " ولات " بمعنى ليس بلغة أهل اليمن .

وقال النحويون : هي " لا " زيدت فيها التاء ، كقولهم : رب وربت وثم وثمت ، وأصلها هاء وصلت بلا فقالوا : " لاه " كما قالوا : ثمة ، فجعلوها في الوصل تاء ، والوقف عليها بالتاء عند الزجاج ، وعند الكسائي بالهاء : ولاة . ذهب جماعة إلى أن التاء زيدت في " حين " والوقف على " ولا " ثم يبتدأ : " تحين " ، وهو اختيار أبي عبيدة ، وقال : كذلك وجدت في مصحف عثمان ، وهذا كقول أبي وجزة السعدي :
العاطفون تحين ما من عاطف والمطمعون زمان ما من مطعم
[ ص: 71 ]

وفي حديث ابن عمر ، وسأله رجل عن عثمان ، فذكر مناقبه ثم قال : اذهب بها تلان إلى أصحابك ، يريد : الآن .

قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب ، قال بعضهم لبعض : مناص أي : اهربوا وخذوا حذركم ، فلما أنزل الله بهم العذاب ببدر قالوا : مناص ، فأنزل الله تعالى : " ولات حين مناص " أي ليس حين هذا القول .
( وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ( 4 ) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ( 5 ) )

( وعجبوا ) يعني : الكفار الذين ذكرهم الله - عز وجل - في قوله : " بل الذين كفروا " ( أن جاءهم منذر منهم ) يعني : رسولا من أنفسهم ينذرهم ( وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ) .

( أجعل الآلهة إلها واحدا ) وذلك أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسلم ، فشق ذلك على قريش ، وفرح به المؤمنون ، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش ، وهم الصناديد والأشراف ، وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا الوليد بن المغيرة قال لهم : امشوا إلى أبي طالب ، فأتوا أبا طالب ، وقالوا له : أنت شيخنا وكبيرنا وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء ، وإنا قد أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فأرسل أبو طالب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاه ، فقال : يا ابن أخي هؤلاء قومك يسألونك السواء ، فلا تمل كل الميل على قومك ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : وماذا يسألوني ؟ قالوا : ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أتعطوني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ؟ فقال أبو جهل : لله أبوك لنعطيكها وعشرا أمثالها ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قولوا لا إله إلا الله ، فنفروا من ذلك وقاموا ، وقالوا : أجعل الآلهة إلها واحدا ؟ كيف يسع الخلق كلهم إله واحد ؟

( إن هذا لشيء عجاب ) أي : عجيب ، والعجب والعجاب واحد ، كقولهم : رجل كريم وكرام ، وكبير وكبار ، وطويل وطوال ، وعريض وعراض .
[ ص: 72 ] ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد ( 6 ) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ( 7 ) أؤنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب ( 8 ) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب ( 9 ) )

) ( وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم ) أي : انطلقوا من مجلسهم الذي كانوا فيه عند أبي طالب يقول بعضهم لبعض : امشوا واصبروا على آلهتكم ، أي : اثبتوا على عبادة آلهتكم ( إن هذا لشيء يراد ) أي لأمر يراد بنا ، وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه قالوا : إن هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لشيء يراد بنا .

وقيل : يراد بأهل الأرض ، وقيل : يراد بمحمد أن يملك علينا .

( ما سمعنا بهذا ) أي بهذا الذي يقوله محمد من التوحيد ( في الملة الآخرة ) قال ابن عباس - رضي الله عنهما - والكلبي ، ومقاتل : يعنون النصرانية ؛ لأنها آخر الملل وهم لا يوحدون ، بل يقولون : ثالث ثلاثة .

وقال مجاهد وقتادة : يعنون ملة قريش ودينهم الذي هم عليه .

( إن هذا إلا اختلاق ) كذب وافتعال .

( أؤنزل عليه الذكر ) القرآن ) ( من بيننا ) وليس بأكبرنا ولا أشرفنا ، يقوله أهل مكة . قال الله عز وجل :

( بل هم في شك من ذكري ) أي وحيي وما أنزلت ، ( بل لما يذوقوا عذاب ) ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول .

) ( أم عندهم ) أعندهم ، ( خزائن رحمة ربك ) أي : نعمة ربك يعني : مفاتيح النبوة يعطونها من شاءوا ، نظيره : " أهم يقسمون رحمة ربك " ( الزخرف - 32 ) أي نبوة ربك ، ( العزيز الوهاب ) العزيز في ملكه ، الوهاب وهب النبوة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - .
[ ص: 73 ] ( أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما فليرتقوا في الأسباب ( 10 ) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ( 11 ) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ( 12 ) )

( أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ) أي : ليس لهم ذلك ، ( فليرتقوا في الأسباب ) أي : إن ادعوا شيئا من ذلك فليصعدوا في الأسباب التي توصلهم إلى السماء ، وليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون . قال مجاهد وقتادة : أراد بالأسباب : أبواب السماء وطرقها من سماء إلى سماء ، وكل ما يوصلك إلى شيء من باب أو طريق فهو سببه ، وهذا أمر توبيخ وتعجيز .

( جند ما هنالك ) أي : هؤلاء الذين يقولون هذا القول جند هنالك ، " ما " صلة ، ) ( مهزوم ) مغلوب ، ( من الأحزاب ) أي : من جملة الأجناد ، يعني : قريشا .

قال قتادة : أخبر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين ، فقال : " سيهزم الجمع ويولون الدبر " ( القمر - 45 ) فجاء تأويلها يوم بدر ، و " هنالك " إشارة إلى بدر ومصارعهم ، " من الأحزاب " أي : من جملة الأحزاب ، أي : هم من القرون الماضية الذين تحزبوا وتجمعوا على الأنبياء بالتكذيب ، فقهروا وأهلكوا . ثم قال معزيا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - : ( كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ) قال ابن عباس ، ومحمد بن كعب : ذو البناء المحكم ، وقيل : أراد : ذو الملك الشديد الثابت .

وقال القتيبي : تقول العرب : هم في عز ثابت الأوتاد ، يريدون أنه دائم شديد .

وقال الأسود بن يعفر :
ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة في ظل ملك ثابت الأوتاد
فأصل هذا أن بيوتهم كانت تثبت بالأوتاد .

وقال الضحاك : ذو القوة والبطش . وقال عطية : ذو الجنود والجموع الكثيرة ، يعني : أنهم كانوا يقوون أمره ، ويشدون ملكه ، كما يقوي الوتد الشيء ، وسميت الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتدونها في أسفارهم ، وهو رواية عطية عن ابن عباس . [ ص: 74 ]

وقال الكلبي ومقاتل : " الأوتاد " جمع الوتد ، وكانت له أوتاد يعذب الناس عليها ، وكان إذا غضب على أحد مده مستلقيا بين أربعة أوتاد ، وشد كل يد ورجل منه إلى سارية ، ويتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتى يموت .

وقال مجاهد ، ومقاتل بن حيان : كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ، يشد يديه ورجليه ورأسه على الأرض بالأوتاد .

وقال السدي : كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيات .

وقال قتادة وعطاء : كانت له أوتاد وأرسان وملاعب يلعب عليها بين يديه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 42.78 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.45%)]