عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 08-09-2022, 02:11 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,597
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1581 الى صـ 1588
الحلقة (259)




[ ص: 1581 ] قال الإمام العلامة شمس الدين بن القيم في كتابه "الجواب الكافي": الخلة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما، وهذا المنصب خاصة للخليلين - صلوات الله وسلامه عليهما - إبراهيم ومحمد، كما قال صلى الله عليه وسلم: إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا .

وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صاحبكم خليل الله .

وفي حديث آخر: إني أبرأ إلى كل خليل من خلته .

ولما سأل إبراهيم - عليه السلام - [ ص: 1582 ] الولد، فأعطيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمر بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه؛ ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل - عليه الصلاة والسلام - إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأسا، بل لا بد أن يبقي بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها، وقال: ما يبدل القول لدي [ق: 29]، هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر.

ثم قال ابن القيم قدس سره: وأما ما يظنه بعض الظانين أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - حبيب الله - فمن جهله، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله اتخذ إبراهيم خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم.

وأيضا فإن الله سبحانه: يحب التوابين ويحب المتطهرين [البقرة: 222] و: يحب الصابرين [آل عمران: 146] و: يحب المحسنين [البقرة: 195] [ ص: 1583 ] و: يحب المتقين [آل عمران: 76] و: يحب المقسطين [الممتحنة: 8] وخلته خاصة بالخليلين - عليهما الصلاة والسلام - والشاب التائب حبيب الله، وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وقد تمسك من زعم أن المحبة أصفى من الخلة بما رواه ابن مردويه، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرونه، فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبا إن الله اتخذ من خلقه خليلا، فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أن كلم موسى تكليما. وقال الآخر: فعيسى روح الله وكلمته. وقال آخر: آدم اصطفاه الله.

فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وتعجبكم، إن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - قال: ألا وإني حبيب الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح الله لي ويدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر
.

قال ابن كثير : وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها. انتهى.

قلت: ورواه الترمذي أيضا في جامعه في فضائله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: هذا حديث غريب.

[ ص: 1584 ] وظاهر أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ألا وإني حبيب الله - لا يدل على أن درجة المحبة أرفع؛ لأنه لم يورد للتفاضل بينهما، وإنما سيقت هذه الجملة مع ما بعدها للتعريف بقدره الجسيم، وفضله العظيم، وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق، وما يدان الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا [المدثر: 31].

وروى ابن أبي حاتم ، عن إسحاق بن يسار قال: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلا ألقى في قلبه الوجل، حتى إن خفقان قلبه ليسمع من بعيد كما يسمع خفقان الطير في الهواء" وهكذا جاء في صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل - إذا اشتد غليانها - من البكاء.
القول في تأويل قوله تعالى:

ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا [126]

ولله ما في السماوات وما في الأرض جملة مبتدأة، سيقت لتقرير وجوب طاعة الله تعالى على أهل السماوات والأرض، ببيان أن جميع ما فيهما من الموجودات له تعالى خلقا وملكا، لا يخرج عن ملكوته شيء منها، فيجازي كلا بموجب أعماله خيرا وشرا.

وقيل: لبيان أن اتخاذه - عز وجل - لإبراهيم - عليه السلام - خليلا ليس لاحتياجه سبحانه إلى ذلك في شأن من شؤونه كما هو دأب الآدميين - فإن مدار خلتهم افتقار بعضهم إلى بعض في مصالحهم - بل لمجرد تكرمته وتشريفه عليه السلام.

وقيل: لبيان أن الخلة لا تخرجه عن رتبة العبودية.

[ ص: 1585 ] وقيل: لبيان أن اصطفاءه - عليه السلام – للخلة بمحض مشيئته تعالى، أي: له تعالى ما فيهما جميعا، يختار منهما ما يشاء لمن يشاء، أفاده أبو السعود .

وكان الله بكل شيء محيطا يعني عالما علم إحاطة، لا تخفى عليه خافية من عباده: لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر [يونس: 61].
القول في تأويل قوله تعالى:

ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما [127]

ويستفتونك في النساء أي: ويسألونك الإفتاء في النساء، والإفتاء تبيين المبهم قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ذكروا في (ما) وجوها: المختار منها أنها في موضع رفع بالعطف على المبتدأ، وهو لفظ الجلالة، أي: والمتلو في الكتاب يفتيكم فيهن أيضا، أو بالعطف على ضميره في: " يفتيكم " وساغ لمكان الفصل بالمفعول والجار والمجرور، وذلك المتلو في الكتاب هو قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء

قال الرازي : وحاصل الكلام أنهم كانوا قد سألوا عن [ ص: 1586 ] أحوال كثيرة من أحوال النساء، فما كان منها غير مبين الحكم ذكر أن الله يفتيهم فيها، وما كان منها مبين الحكم في الآيات المتقدمة ذكر أن تلك الآيات المتلوة تفتيهم فيها، وجعل دلالة الكتاب على هذا الحكم إفتاء من الكتاب، ألا ترى أنه يقال في المشهور: إن كتاب الله بين لنا هذا الحكم، وكما جاز هذا جاز أيضا أن يقال: إن كتاب الله أفتى بكذا.

قال أبو السعود : وإيثار صيغة المضارع للإيذان باستمرار التلاوة ودوامها، و(في الكتاب) إما متعلق بـ(يتلى) أو بمحذوف وقع حالا من المستكن فيه، أي: يتلى كائنا فيه.

في يتامى النساء متعلق بـ(يتلى) أي: ما يتلى عليكم في شأنهن، وهذه الإضافة بمعنى (من) لأنها إضافة الشيء إلى جنسه، وقيل: من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: النساء اليتامى.

اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن أي: ما وجب لهن من الميراث وغيره وترغبون أن تنكحوهن روى البخاري ومسلم ، عن عائشة - رضي الله عنها – قالت في هذه الآية: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، فأشركته في ماله حتى في العذق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته فيعضلها فنزلت هذه الآية.

وعنها أيضا قالت: وقول الله عز وجل: [ ص: 1587 ] وترغبون أن تنكحوهن رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن.

وهذا المروي عن عائشة يدل على أن الآية نزلت في المعدمة، وأن الجار المقدر مع (أن) هنا هو (عن) وقد تأولها سعيد بن جبير على المعنيين، أي: تقدير (عن) و(في) فقال نزلت في المعدمة والغنية.

قال الحافظ ابن حجر : والمروي عن عائشة أوضح في أن الآية الأولى - أي: التي في أول السورة - نزلت في الغنية، وهذه الآية نزلت في المعدمة.

قال ابن كثير : والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزوجها فتارة يرغب في أن يتزوجها فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله عز وجل - وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة - وتارة لا يكون له فيها رغبة لدمامتها عنده - أو في نفس الأمر - فنهاه الله عز وجل أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في الآية، وهي قوله: في يتامى النساء الآية: كان الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت [ ص: 1588 ] جميلة وهويها تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرم الله ذلك ونهى عنه.

تنبيه: ما ذكرناه عن ابن جبير من حمل الآية على المعنيين، أي: أن حرف الجر المقدر مع (أن) هو (عن) و(في) وأن كلا منهما مراد منها على سبيل البدل لصلاحيتها لهما بالاعتبارين المتقدمين.

قال الخفاجي: مثله لا يعد لبسا بل إجمالا، كما ذكره بعض المحققين. انتهى.

قلت: وهذا بناء على أن اللبس هو أن يدل اللفظ على غير المراد، والإجمال أن لا تتضح الدلالة، وبعبارة أخرى: إيراد الكلام على وجه يحتمل أمورا متعددة، وقد نظم بعضهم الفرق بينهما فقال:


والفرق بين اللبس والإجمال مما به يهتم في الأقوال فاللفظ إن أفهم غير القصد
فاحكم على استعماله بالرد لأنه اللبس. وأما المجمل
فربما يفهمه من يعقل وذاك أن لا تفهم المخالفا
ولا سواه بل تصير واقفا وحكمه القبول في الموارد
فاحفظه نظما أعظم الفوائد


والمستضعفين من الولدان عطف (على يتامى النساء) وما يتلى في حقهم: قوله تعالى: يوصيكم الله إلخ، وقد كانوا في الجاهلية لا يورثونهم، كما لا يورثون الرجال القوام.

قال ابن عباس في الآية: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك قوله: لا تؤتونهن ما كتب لهن فنهى الله عن ذلك، وبين لكل ذي سهم سهمه، فقال: للذكر مثل حظ الأنثيين صغيرا أو كبيرا، وكذا قال سعيد بن جبير .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.44%)]