عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 08-09-2022, 02:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1557 الى صـ 1564
الحلقة (256)




وقوله: أجلهن أن يضعن حملهن [ ص: 1557 ] يقتضي انحصار الأجل في ذلك، فلو أوجب عليها أن تعتد بأبعد الأجلين لم يكن أجلها أن تضع حملها. وعلي وابن عباس وغيرهما أدخلوها في عموم الآيتين، وجاء النص الخاص في قصة سبيعة الأسلمية بما يوافق قول ابن مسعود .

وكذلك لما تنازعوا في المفوضة إذا مات زوجها هل لها مهر المثل، أفتى ابن مسعود فيها برأيه أن لها مهر المثل، ثم رووا حديث بروع بنت واشق بما يوافق ذلك، وقد خالفه علي وزيد وغيرهما، فقالوا: لا مهر لها.

فثبت أن بعض المجتهدين قد يفتي بعموم أو قياس، ويكون في الحادثة نص خاص لم يعلمه فيوافقه، ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على أنه لا نص فيها، بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص وأولئك يحتجون بنص، كالمتوفى عنها الحامل هؤلاء احتجوا بشمول الآيتين [ ص: 1558 ] لها، والآخرون قالوا: إنما تدخل في آية الحمل فقط، وإن آية الشهور في غير الحامل، كما أن آية القروء في غير الحامل.

وكذلك لما تنازعوا في الحرام احتج من جعله يمينا بقوله: لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 1 - 2].

وكذلك تنازعوا في المبتوتة هل لها نفقة أو سكنى، احتج هؤلاء بحديث فاطمة وبأن السكنى التي في القرآن للرجعية، وأولئك قالوا: بل هي لهما. ودلالات النصوص قد تكون خفية، فخص الله بفهمها بعض الناس، كما قال علي: إلا فهما [ ص: 1559 ] يؤتيه الله عبدا في كتابه.

وقد يكون النص بينا ويذهل المجتهد عنه، كتيمم الجنب، فإنه بين في القرآن في آيتين، ولما احتج أبو موسى على ابن مسعود بذلك قال الحاضر: ما درى عبد الله ما يقول، إلا أنه قال: لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد البرد أن يتيمم.

وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر: إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله: لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا [الطلاق: 1] وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة؟

وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله: وأتموا الحج والعمرة لله [البقرة: 196] واحتج بهذه الآية من منع [ ص: 1560 ] الفسخ.

وآخرون يقولون: إنما أمر بالإتمام فقط، وكذلك أمر الشارع أن يتم، وكذلك في الفسخ قالوا: من فسخ العمرة إلى غير حج فلم يتمها، أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه؛ فإنه شرع - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عام حجة الوداع.

وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح وفي قوله: أو لامستم النساء [النساء: 43] ونحو ذلك مما ليس هذا موضع استقصائه.

وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلي ولا خفي فهذا ما أعرفه.

والجد لما قال أكثرهم: إنه أب استدلوا على ذلك بالقرآن بقوله: كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27] [ ص: 1561 ] وقال ابن عباس : لو كانت الجن تظن أن الإنس تسمي أبا الأب جدا لما قالت: وأنه تعالى جد ربنا [الجن: 3] نقول: إنما هو أب، لكن أب أبعد من أب .

وقد روي عن علي وزيد أنهما احتجا بقياس، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقط غلط، ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط، بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم، فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها، ومن رأى دلالة الميزان ذكرها، والدلائل الصحيحة لا تتناقض، لكن قد يخفى وجه اتفاقهما أو ضعف أحدهما على بعض العلماء.

وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين، فإنهم شهدوا التنزيل وعاينوا الرسول، وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك، فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس.

ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله؛ فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك، وهذا كقولهم: إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها، فإنما هذا من قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام.

وقد قال الإمام أحمد - رضي الله عنه -: إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها، فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال، فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم ولا يحتاجون إليه؛ إذ هم أهل الإجماع، فلا إجماع قبلهم. لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح: اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي رواية: فبما أجمع [ ص: 1562 ] عليه الناس، فقدم عمر الكتاب ثم السنة، وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر ، قدم الكتاب ثم السنة، ثم الإجماع، وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب، ثم بما في السنة، ثم بسنة أبي بكر وعمر ؛ لقوله: اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر .

وهذه الآثار ثابتة عن عمر ، وابن مسعود، وابن عباس ، وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء، وهذا هو الصواب.

ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد ينظر أولا في الإجماع، فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم: الإجماع نسخه.

والصواب طريقة السلف، وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذاك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ - فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه، وهي معصومة عن ذلك.

ومعرفة الإجماع قد تتعذر كثيرا أو غالبا، فمن الذي يحيط بأقوال المجتهدين؟ بخلاف النصوص، فإن معرفتها ممكنة متيسرة، وهم إنما كانوا يقضون بالكتاب أولا؛ لأن السنة لا تنسخ الكتاب، فلا يكون في القرآن شيء منسوخ بالسنة، بل إن كان فيه منسوخ كان في القرآن ناسخه، فلا يقدم غير القرآن عليه، ثم إذا لم يجد ذلك طلبه في السنة، ولا يكون في السنة شيء منسوخ إلا والسنة نسخته، لا ينسخ السنة إجماع ولا غيره، ولا تعارض السنة بإجماع وأكثر ألفاظ الآثار، فإن لم يجد فالطالب قد لا يجد مطلوبه في السنة مع أنه فيها، وكذلك [ ص: 1563 ] في القرآن، فيجوز له إذا لم يجده في القرآن أن يطلبه في السنة، وإذا كان في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما في القرآن، وكذلك الإجماع الصحيح لا يعارض كتابا ولا سنة. انتهى كلامه قدس الله روحه.
القول في تأويل قوله تعالى:

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [116]

إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قد مر الكلام على هذه الآية الكريمة في أوائل هذه السورة مطولا، قالوا: تكريرها إما تأكيدا وتشديدا أو لتكميل قصة طعمة، وقد مر موته كافرا.

أو: إن لها سببا آخر في النزول، على ما رواه الثعلبي ، عن ابن عباس قال: جاء شيخ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: إني شيخ منهمك في الذنوب، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته وآمنت به، ولم أتخذ من دونه وليا، ولم أوقع المعاصي جراءة، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هربا، وإني لنادم تائب، فما ترى حالي عند الله سبحانه وتعالى؟ فنزلت.

واستظهر بعضهم الوجه الأخير قال: لأن التأكيد - مع بعد عهده - لا يقتضي تخصص هذا الموضع، فلا بد له من مخصص.

وأغرب المهايمي حيث جعلها مشيرة إلى شقي الآية الكريمة، حيث قال: ثم أشار إلى أن وعيد مشاقة الرسول جازم دون مخالفة الإجماع؛ لأن مشاقة الرسول دليل تكذيبه، وهو مستلزم للشرك بالله، إذ خلق المعجزات لا يكون إلا لكامل القدرة، ولا يكون إلا لإله، فإذا نفاها عن الله فقد أثبت له شريكا، وأن الله لا يغفر أن يشرك به. ومخالفة الإجماع يجوز أن تكون مغفورة؛ لأنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، إذ لا تنتهي إلى الشرك. وكل هذه المناسبات دالة - دون ذلك قطعا - على دلالة هذه الآية، على أن ما سوى الشرك مغفور قطعا، سواء حصلت التوبة أو لم تحصل.

[ ص: 1564 ] وقد روى الترمذي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية: إن الله لا يغفر أن يشرك به الآية ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا أي: عن الحق، فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة، وإنما ذكر في الآية الأولى: فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء، وهو دعوى التبني على الله تعالى بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه قاله القاضي .

وفي (السمين): ختمت الآية المتقدمة بقوله: فقد افترى وهذه بقوله: فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله، وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ولا عندهم علم، فناسب وصفهم بالضلال، وأيضا قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال. انتهى.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.10 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.50%)]