عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 08-09-2022, 02:01 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1549 الى صـ 1556
الحلقة (255)



وقال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول [النساء: 59] وهو الرد إلى كتاب الله، [ ص: 1549 ] أو إلى سنة الرسول بعد موته.

وقوله: فإن تنازعتم شرط، والفعل نكرة في سياق الشرط، فأي شيء تنازعوا فيه ردوه إلى الله والرسول، ولو لم يكن بيان الله والرسول فاصلا للنزاع لم يؤمروا بالرد إليه.

وقد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كلام نحو هذا.

والحاصل أن الكتاب والسنة وافيان بجميع أمور الدين، وأما إجماع الأمة فهو في نفسه حق، لا تجتمع الأمة على ضلالة، وكذلك القياس الصحيح حق، فإن الله بعث رسله بالعدل، وأنزل [ ص: 1550 ] الميزان مع الكتاب، والميزان يتضمن العدل وما يعرف به العدل، وقد فسروا إنزال ذلك بأن ألهم العباد معرفة ذلك، والله ورسوله يسوي بين المتماثلين ويفرق بين المختلفين، وهذا هو القياس الصحيح، وقد ضرب الله في القرآن من كل مثل، وبين بالقياس الصحيح - وهي الأمثال المضروبة - ما بينه من الحق، لكن القياس الصحيح يطابق النص، فإن الميزان يطابق الكتاب، والله أمر نبيه أن يحكم بالعدل، فهو أنزل الكتاب، وإنما أنزل الكتاب بالعدل، قال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنـزل الله [المائدة: 49] ، وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط [المائدة: 42].

وأما إجماع الأمة فهو حق، لا تجتمع الأمة - ولله الحمد - على ضلالة، كما وصفها الله بذلك في الكتاب والسنة، فقال تعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [آل عمران: 110] وهذا وصف لهم بأنهم يأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر، فلو قالت الأمة في الدين بما هو ضلال لكانت لم تأمر بالمعروف في ذلك، ولم تنه عن المنكر فيه، وقال تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [البقرة: 143] والوسط العدل الخيار، وقد جعلهم الله شهداء على الناس [ ص: 1551 ] وأقام شهادتهم مقام شهادة الرسول.

وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر عليه بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال: وجبت ثم مر عليه بجنازة فأثنوا عليها شرا، فقال: وجبت قالوا: يا رسول الله! ما قولك وجبت؟ قال: هذه الجنازة أثنيتم عليها خيرا، فقلت: وجبت لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرا، فقلت: وجبت لها النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض .

فإذا كان الرب قد جعلهم شهداء لم يشهدوا بباطل، فإذا شهدوا أن الله أمر بشيء فقد أمر به، وإذا شهدوا أن الله نهى عن شيء فقد نهى عنه، ولو كانوا يشهدون بباطل أو خطأ لم يكونوا شهداء الله في الأرض.

وقال تعالى: واتبع سبيل من أناب إلي [لقمان: 15] والأمة منيبة إلى ربها؛ فيجب اتباع سبيلها.

وقال تعالى: [ ص: 1552 ] والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه [التوبة: 100] فرضي عمن اتبع السابقين إلى يوم القيامة، فدل على أن متابعهم عامل بما يرضي الله، والله لا يرضى إلا بالحق لا بالباطل، وقال تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا

والشافعي - رضي الله عنه - لما جرد الكلام في أصول الفقه احتج بهذه الآية على الإجماع، كما كان يسمع هو وغيره من مالك، ذكر ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والآية دلت على أن متبع غير سبيل المؤمنين مستحق للوعيد كما أن مشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى مستحق للوعيد، ومعلوم أن هذا الوصف يوجب الوعيد بمجرده، فلو لم يكن الوصف الآخر يدخل في ذلك لكان لا فائدة في ذكره، وهنا للناس ثلاثة أقوال:

قيل: اتباع غير سبيل المؤمنين هو بمجرده مخالفة الرسول المذكورة في الآية.

وقيل: بل مخالفة الرسول مستقلة بالذم، فكذلك اتباع غير سبيلهم مستقل بالذم.

وقيل: بل اتباع غير سبيل المؤمنين يوجب الذم كما دلت عليه الآية.

لكن هذا لا يقتضي مفارقته للأول بل قد يكون مستلزما له، فكل متابع غير سبيل المؤمنين هو في نفس الأمر مشاق للرسول، وكذلك مشاق الرسول متبع غير سبيل المؤمنين، وهذا كما في طاعة الله والرسول، فإن طاعة الله واجبة وطاعة الرسول واجبة، وكل واحد من معصية الله ومعصية الرسول موجب للذم، وهما متلازمان، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.

وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني .

[ ص: 1553 ] ثم قال تقي الدين رحمه الله (بعد ثلاثة أوراق):

ومن الناس من يقول: إنها لا تدل على مورد النزاع، فإن الذم فيها لمن جمع الأمرين، وهذا لا نزاع فيه، أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين التي بها كانوا مؤمنين - وهي متابعة الرسول - وهذا لا نزاع فيه، أو إن سبيل المؤمنين هو الاستدلال بالكتاب والسنة، وهذا لا نزاع فيه، فهذا ونحوه قول من يقول: لا تدل على محل النزاع.

وآخرون يقولون: بل تدل على وجوب اتباع المؤمنين مطلقا، وتكلفوا لذلك ما تكلفوه، كما قد عرف كلامهم، ولم يجيبوا عن أسئلة أولئك بأجوبة شافية.

والقول الثالث الوسط: إنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم، ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى، وهو يدل على ذم كل من هذا وهذا، كما تقدم، لكن لا ينفي تلازمهما، كما ذكر في طاعة الله والرسول.

وحينئذ يقول: الذم إما أن يكون حقا لمشاقة الرسول فقط، أو باتباع غير سبيلهم فقط، أو أن يكون الذم لا يلحق بواحد منهما، بل بهما إذا اجتمعا، أو يلحق الذم بكل منهما وإن انفرد عن الآخر، أو بكل منهما لكونه مستلزما للآخر، والأولان باطلان؛ لأنه لو كان المؤثر أحدهما فقط كان ذكر الآخر ضائعا لا فائدة فيه، وكون الذم لا يلحق بواحد منهما باطل قطعا، فإن مشاقة الرسول موجبة للوعيد مع قطع النظر عمن اتبعه، ولحوق الذم بكل منها - وإن انفرد عن الآخر - لا تدل عليه الآية، فإن الوعيد فيها إنما هو على المجموع.

بقي القسم الآخر: وهو أن كلا من الوصفين يقتضي الوعيد؛ لأنه مستلزم للآخر، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول ومخالفة القرآن والإسلام، فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار، ومثله قوله: ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا فإن الكفر بكل واحد من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره، فمن كفر بالله كفر بالجميع، ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل، فكان كافرا بالله، إذ كذب رسله وكتبه.

[ ص: 1554 ] وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرا، وكذلك قوله: يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [آل عمران: 71] ذمهم على الوصفين، وكل منهما مقتض للذم، وهما متلازمان، ولهذا نهى عنهما جميعا في قوله: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون فإنه من لبس الحق بالباطل فغطاه به، فغلط به، لزم أن يكتم الحق الذي تبين أن هذا باطل، إذ لو بينه زال الباطل الذي لبس به الحق، فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، من شاقه فقد اتبع غير سبيلهم، وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا، فإنه قد جعل له مدخلا في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعا، والآية توجب ذم ذلك.

وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول، قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول، فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه الرسول قد بينه الرسول، وهذا هو الصواب، فلا يوجد مسألة قط مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس، ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن، وكذلك الإجماع دليل آخر، كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا توجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص، وقد كان بعض الناس يذكر فيها الإجماع بلا نص كالمضاربة، وليس كذلك، بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية، لا سيما قريش ، فإن الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال.

[ ص: 1555 ] ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلام أقرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة، ولم ينه عن ذلك، والسنة قوله وفعله وإقراره، فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة.

والأثر المشهور فيها عن عمر الذي رواه مالك في الموطأ - ويعتمد عليه الفقهاء - لما أرسل أبو موسى بمال أقرضه لابنيه واتجرا فيه وربحا، وطلب عمر أن يأخذ الربح كله للمسلمين لكونه خصهما بذلك دون سائر الجيش، فقال له أحدهما: لو خسر المال لكان علينا، فكيف يكون الربح وعلينا الضمان؟ فقال له بعض الصحابة: اجعله مضاربة، فجعله مضاربة.

[ ص: 1556 ] وإنما قال ذلك لأن المضاربة كانت معروفة بينهم، والعهد بالرسول قريب، لم يحدث بعده، فعلم أنها كانت معروفة بينهم على عهد الرسول، كما كانت الفلاحة وغيرها من الصناعات كالخياطة والخرازة، وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند غيرهم.

وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا من نص نقلوه عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس، ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى، كما نقل الأخبار، ولكن استقرينا موارد الإجماع فوجدنا كلها منصوصة.

وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة، كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع، وكما يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعموم، كاستدلال ابن مسعود وغيره بقوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] وقال ابن مسعود: سورة النساء القصرى نزلت بعد الطولى، أي: بعد البقرة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.22 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]