عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 08-09-2022, 01:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1541 الى صـ 1548
الحلقة (254)




[ ص: 1541 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنـزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [113]

ولولا فضل الله عليك ورحمته بإعلامك ما هم عليه بالوحي وتنبيهك على الحق لهمت طائفة منهم أن يضلوك برمي البريء والمجادلة عن الخائنين، يعني أسير بن عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وما يضلون إلا أنفسهم لأن وباله عليهم وما يضرونك من شيء لأنك إنما عملت بظاهر الحال، وما كان يخطر ببالك أن الحقيقة على خلاف ذلك.

ولما أنزل تعالى فصل القضية وجلاها لرسوله - صلى الله عليه وسلم - امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال بقوله: وأنـزل الله عليك الكتاب والحكمة أي: القرآن والسنة وعلمك من أمور الدين والشرائع ما لم تكن تعلم أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب [الشورى: من الآية 52] الآية، وقال تعالى: وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك [القصص: 86] ولهذا قال تعالى: وكان فضل الله عليك عظيما أي: فيما علمك وأنعم عليك.

قال الرازي : هذا من أعظم الدلائل على أن العلم أشرف الفضائل والمناقب، ثم أشار تعالى إلى ما كانوا يتناجون فيه حين يبيتون ما لا يرضى من القول بقوله سبحانه:
[ ص: 1542 ] القول في تأويل قوله تعالى:

لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما [114]

لا خير في كثير من نجواهم أي: مساررتهم، والسياق - وإن دل على مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض - إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث، ثم استثنى النجوى في أعمال الخير بقوله سبحانه وتعالى: إلا من أمر بصدقة أي: إلا في نجوى من أمر - بخفية عن الحاضرين - بصدقة ليعطيها سرا، يستر به عار المتصدق عليه.

أو معروف أي: بطاعة الله - وأعمال البر كلها معروف - وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو جهر به.

أو إصلاح بين الناس يعني الإصلاح بين المتباينين المتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع، على ما أذن الله فيه وأمر به، وسر النجوى فيه أنه لو ظهر أولا ربما لم يتم.

قال المهايمي : قيل في الحصر: الخير إما نفع جسماني وهو في الأمر بالصدقة، أو روحاني وهو في الأمر بالمعروف، وإما دفع وهو في الإصلاح.

ويمكن أن يقال: الخير إما نفع متعد من المأمور وهو الصدقة، أو لازم له وهو المعروف، أو دفع ضرر متعد أو لازم له وهو الإصلاح، وإنما تتم خيريتها إذا ابتغي بها رضاء الله تعالى كما قال: ومن يفعل ذلك ابتغاء أي: طلب مرضات الله فسوف نؤتيه يعني في الآخرة أجرا عظيما يساوي أجر الفاعل أو يفوقه.

وقد دلت الآية على /الترغيب في الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، وقد أكد تعالى الترغيب بقوله: عظيما وأن النية فيها شرط لنيل الثواب؛ لقوله تعالى: [ ص: 1543 ] ابتغاء مرضات الله وعلى أن كلام الإنسان عليه لا له، إلا ما كان في هذا ونحوه، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه بسنده إلى محمد بن يزيد بن خنيس قال: دخلنا على سفيان الثوري نعوده فدخل علينا سعيد بن حسان، فقال له الثوري: الحديث الذي كنت حدثتنيه عن أم صالح اردده علي فقال: حدثتني أم صالح ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ذكر الله عز وجل، أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر .

فقال سفيان: أوما سمعت الله في كتابه يقول: لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس فهو هذا بعينه، أوما سمعت الله يقول: يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا [النبأ: 38] فهو هذا بعينه، أوما سمعت الله يقول في كتابه: والعصر إن الإنسان لفي خسر إلخ [العصر: 1 - 2] فهو هذا بعينه.

وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجه من حديث ابن خنيس، عن سعيد بن حسان به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخرها.

ثم قال الترمذي : حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن خنيس. قلت: هو مقبول - كما في "التقريب" لابن حجر - فحسن حديثه.

[ ص: 1544 ] وروى الجماعة عن أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا .

وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.

وروى الإمام أحمد، وأبو داود ، والترمذي ، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين.

قال: وفساد ذات البين هي الحالقة
قال الترمذي : حسن صحيح.
[ ص: 1545 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [115]

ومن يشاقق الرسول أي: يخالفه ويعاديه من بعد ما تبين له الهدى أي: اتضح له الحق ويتبع غير سبيل المؤمنين أي: غير ما هم مستمرون عليه من عقد وعمل، وهو الدين القيم نوله ما تولى أي: نجعله واليا مرجحا ما تولاه من المشاقة ومتابعة غير سبيلهم فنزينه له تزين الكفر على الكفرة؛ استدراجا له ليكون دليلا على شدة العقوبة في الآخرة، كما قال تعالى: فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [القلم: 44] وقال تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [الصف: 5] وقال سبحانه: ونذرهم في طغيانهم يعمهون [الأنعام: 110].

ونصله جهنم أي: ندخله إياها وساءت مصيرا وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا النار يوم القيامة، كما قال تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [سورة الصافات: 22] وقال تعالى: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 53].

[ ص: 1546 ] قال الإمام ابن كثير : قوله تعالى: ويتبع غير سبيل المؤمنين هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ؛ تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها، والذي عول عليه الشافعي - رحمه الله - في الاحتجاج على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية الكريمة، بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك. انتهى.

وقال بعض مفسري الزيدية: الآية دلت على أن مشاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كبيرة، وقد تبلغ إلى الكفر، ودلت على أن الجهل عذر؛ لقوله: من بعد ما تبين له الهدى ودلت على أن مخالفة الإجماع كبيرة، وأنه دليل كالكتاب والسنة، لكن إنما يكون كبيرة إذا كان نقله قطعيا لا أحاديا. انتهى.

وقال المهايمي: في الآية دليل على حرمة مخالفة الإجماع؛ لأنه - عز وجل - رتب الوعيد الشديد على مشاقة الرسول ومخالفة الإجماع، فهو إما لحرمة أحدهما وهو باطل؛ إذ يقبح أن يقال: من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد، إذ لا دخل لأكل الخبز فيه، أو لحرمة الجمع بينهما وهو أيضا باطل؛ لأن مشاقة الرسول حرام وإن لم يضم إليها غيرها، أو لحرمة كل واحد منهما وهو المطلوب. انتهى.

ونقل الخفاجي قصة استدلال الشافعي من هذه الآية عن الإمام المزني قال: كنت عند الشافعي يوما فجاءه شيخ عليه لباس صوف وبيده عصا، فلما رآه ذا مهابة استوى جالسا - وكان مستندا لأسطوانة - فاستوى وسوى ثيابه، فقال له: ما الحجة في دين الله؟ قال: كتابه. قال: وماذا؟ قال: سنة نبيه. قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: من أين هذا الأخير؟ أهو في كتاب الله؟ فتدبر ساعة ساكتا، فقال له الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام بلياليهن، فإن جئت بآية وإلا فاعتزل الناس.

[ ص: 1547 ] فمكث ثلاثة أيام لا يخرج، وخرج في اليوم الثالث بين الظهر والعصر، وقد تغير لونه، فجاءه الشيخ وسلم عليه وجلس، وقال: حاجتي، فقال: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قال الله عز وجل: ومن يشاقق الرسول - إلى آخر الآية، لم يصله جهنم على خلاف المؤمنين إلا واتباعهم فرض، قال: صدقت، وقام وذهب.

وروي عنه أنه قال: قرأت القرآن في يوم، وفي كل ليلة ثلاث مرات حتى ظفرت بها.

وأورد الراغب عليه أنه لا حجة فيها على ما ذكره بأن كل موصوف علق به حكم فالأمر باتباعه يكون في مأخذ ذلك الوصف، فإذا قيل: اقتد بالمصلي فالمراد في صلاته، فكذا سبيل المؤمنين، يعني به سبيلهم في الإيمان لا غير، فلا دلالة في الآية على اتباعهم في غيره.

ورد بأنه تخصيص بما يأباه الشرط الأول، ثم إنه إذا كان مألوف الصائمين الاعتكاف تناول الأمر باتباعهم ذلك أيضا، فكذلك يتناول ما هو مقتضى الإيمان فيما نحن فيه، فسبيل المؤمنين - وإن فسر بما هم عليه من الدين - يعم الأصول والفروع، الكل والبعض، على أن الجزاء مرتب على كل من الأمرين المذكورين في الشرط، لا على المجموع، للقطع بأن مجرد مشاقة الرسول كافية في استحقاق الوعيد معنى، على أن ترك اتباع سبيل المؤمنين اتباع لغير سبيل المؤمنين؛ لأن المكلف لا يخلو من اتباع سبيل البتة. انتهى.

ورأيت للإمام تقي الدين ابن تيمية في كتابه "الفرقان بين الحق والباطل" مقالة بديعة في هذه الآية والإجماع، أجال فيها جواد قلمه وأجاد، وأطال وأطاب، قال رحمه الله: ما يسميه ناس الفروع والشرع والفقه فهذا قد بينه الرسول أحسن بيان، فما بقي مما أمر الله به أو نهى عنه أو حلله أو حرمه إلا بين ذلك، وقد قال تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم [المائدة: 3].

[ ص: 1548 ] وقال تعالى: ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [يوسف: 111] وقال تعالى: ونـزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين [النحل: 89] وقال تعالى: وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب [الشورى: 10] وقال تعالى: وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون [التوبة: 115] فقد بين للمسلمين جميع ما يتقونه، كما قال: وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه [الأنعام: 119]


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]