عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 08-09-2022, 01:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,592
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ النِّسَاءِ
المجلد الخامس
صـ 1525 الى صـ 1532
الحلقة (252)





وقد حكى أبو عاصم العبادي، عن محمد بن نصر المروزي أنه يرى رد الصبح إلى ركعة في الخوف، وإليه ذهب ابن حزم أيضا، وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة [ ص: 1525 ] فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله.

وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة، فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله الإمام أحمد بن حنبل وأصحابه، وبه قال جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وكعب وغير واحد من الصحابة، والسدي.

ورواه ابن جرير ، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي حتى قال: فإن لم يقدر على التكبير فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية، رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب بن دينار عنه، فالله أعلم.

ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء، وكما قال بعدها - يوم بني قريظة - حين جهز إليهم الجيش: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تعجيل المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدا من الفريقين، فاحتج في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد من الطائفة الملعونة اليهود.

وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا أبين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي رحمه الله وأهل السنن، ولكن يشكل عليه ما حكاه البخاري في "صحيحه" حيث قال: (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو).

وقال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا [ ص: 1526 ] على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا فلا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول.

وقال أنس بن مالك: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصلينا ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. انتهى.

ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم.

ولمن جنح له أن يحتج بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر غالبا، وكان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.

قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن غزوة ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي، وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه، وخليفة بن الخياط، وغيرهم.

وقال البخاري وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق؛ لحديث أبي موسى، وما قدم إلا في خيبر، والله أعلم.

[ ص: 1527 ] الحكم الخامس: استدل بقوله تعالى: طائفة على أنه لا يشترط استواء الفريقين في العدد، لكن لا بد أن تكون التي تحرس تحصل الثقة بها في ذلك.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": الطائفة تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد، فلو كانوا ثلاثة ووقع لهم الخوف جاز لأحدهم أن يصلي بواحد ويحرس واحد، ثم يصلي الآخر، وهو أقل ما يتصور في صلاة الخوف جماعة.

السادس: استدل بالآية على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بموجبها؛ لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها، ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، أفاده الحافظ ابن حجر في "الفتح".

قال ابن كثير : وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة ما ساغ ذلك.

السابع: قال بعض المفسرين: اختلف في المأمور بأخذ السلاح في قوله تعالى: وليأخذوا أسلحتهم فقيل: هم الطائفة الذين يواجهون العدو، وهذا ظاهر، وقيل: بل هم الطائفة المصلون، وأراد ما لا يشغل عن الصلاة من الدرع والخنجر والسيف ونحو ذلك، وقيل: للطائفتين، وهو قول القاسم. انتهى.

قال الناصر في "الانتصاف": والظاهر أن المخاطب بأخذ الأسلحة المصلون، إذ من لم يصل إنما أعد للحرس، فالظاهر الاستغناء عن أمرهم بذلك وتنبيههم عليه، وهم إنما أخروا الصلاة لذلك، أما المصلون فهم في مظنة طرح الأسلحة؛ لأنهم لم يعتادوا حملها في الصلاة، فنبهوا على أنهم لا ينبغي لهم طرح الأسلحة وإن كانوا في الصلاة؛ لضرورة الخوف وخشية الغرة، وأيضا فصنيع الآية يعطي ذلك؛ لأنه قال: فلتقم طائفة منهم معك وعقب ذلك بقوله: وليأخذوا أسلحتهم فالظاهر رجوع الضمير إليهم، وحيث يعاد إلى غير المصلين يحتاج إلى تكلف في صحة العود إليهم؛ بدلالة قوة الكلام عليهم، وإن لم يذكروا.

وناقش [ ص: 1528 ] الناصر أيضا الزمخشري في جعله المراد بقوله تعالى: فإذا سجدوا فليكونوا غير المصلين، فقال: الظاهر أن معنى السجود ههنا الصلاة، وقد عبر عنها بالسجود كثيرا، والمراد: فإذا صلت الطائفة (أي: أتمت صلاتها) فليكونوا من ورائكم. انتهى.

الثامن: قال أبو علي الجرجاني صاحب النظم: قوله تعالى: وخذوا حذركم يدل على أنه كان يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بصلاة الخوف على جهة يكون بها حاذرا، غير غافل عن كيد العدو، والذي نزل به القرآن في هذا الموضع هو وجه الحذر؛ لأن العدو يومئذ بذات الرقاع كان مستقبل القبلة، فالمسلمون كانوا مستدبرين القبلة، ومتى استقبلوا القبلة صاروا مستدبرين لعدوهم، فلا جرم أمروا بأن يصيروا طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مستقبل القبلة، وأما حين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وببطن نخل فإنه لم يفرق أصحابه طائفتين، وذلك لأن العدو كان مستدبر القبلة، والمسلمون كانوا مستقبلين لها، فكانوا يرون العدو حال كونهم في الصلاة، فلم يحتاجوا إلى الاحتراس إلا عند السجود، فلا جرم لما سجد الصف الأول بقي الصف الثاني يحرسونهم، فلما فرغوا من السجود وقاموا تأخروا وتقدم الصف الثاني وسجدوا، وكان الصف الأول حال قيامهم يحرسون الصف الثاني، فثبت بما ذكرنا أن قوله تعالى: خذوا حذركم يدل على جواز كل هذه الوجوه.

والذي يدل على أن المراد من هذه الآية ما ذكرناه أنا لو لم نحملها على هذا الوجه لصار تكرارا محضا من غير فائدة، ولوقع فعل الرسول بعسفان وببطن نخل على خلاف نص القرآن، وإنه غير جائز، نقله الرازي .

وقال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مختلفة وأشكال متباينة، يتحرى في ذلك كله ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة، فهي مع اختلاف صورها متفقة المعنى. انتهى.

وأنواعها مبينة في شروح السنة، ثم حثهم تعالى على الجهاد بقوله:
[ ص: 1529 ] القول في تأويل قوله تعالى:

ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما [104]

ولا تهنوا في ابتغاء القوم أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم بالقتال، بل جدوا فيهم واقعدوا لهم كل مرصد، ثم ألزمهم الحجة بقوله سبحانه: إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون أي: ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم، بل هو مشترك بينكم وبينهم، كما قال تعالى: إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله [آل عمران: 140] ثم زاد في تقرير الحجة، وبين أن المؤمنين أولى بالمصابرة على القتال من المشركين بقوله تعالى: وترجون من الله ما لا يرجون يعني: وتأملون من القرب من الله واستحقاق الدرجات من جناته وإظهار دينه، كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ما لا يأملونه، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأجدر بإقامة كلمة الله.

وكان الله عليما حكيما أي: فلا يكلفكم إلا بما يعلم أنه سبب لصلاحكم في دينكم ودنياكم، فجدوا في الامتثال بذلك؛ فإن فيه عواقب حميدة.

قال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية: وجوب الجهاد، وأنه لا يسقط لما يحصل من المضرة بالجراح ونحوه، وأن التجلد وطلب ما يقوي لازم، وما يحصل به الوهن لا يجوز فعله، وتدل على جواز المعارضة والحجاج لقوله: فإنهم يألمون وتدل على أن للمجاهد أن يجاهد لطلب الثواب لقوله: وترجون من الله ما لا يرجون فجعل هذا سببا باعثا على الجهاد، هذا معنى كلام الحاكم.

ونظير هذا: لو صلى لطلب الثواب أو السلامة من العقاب، وقد ذكر في ذلك خلاف. فعن الراضي بالله: يجزى ذلك، وقواه الفقيه يحيى بن أحمد، وعن أبي مضر: لا يجزى؛ لأنه لم ينو الوجه الذي شرع الواجب له. انتهى.
[ ص: 1530 ] القول في تأويل قوله تعالى:

إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما [105].

واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما [106].

ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما [107].

يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا [108].

ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا [109]

إنا أنـزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما

واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما

ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما

يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا

ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا

[ ص: 1531 ] روى الحافظ ابن مردويه من طريق العوفي، عن ابن عباس : أن نفرا من الأنصار غزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فأظن (أي: اتهم) بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان وستوجد عنده.

فانطلقوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ليلا فقالوا: يا نبي الله! إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علما، فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبرأه وعذره على رءوس الناس فأنزل الله: إنا أنـزلنا الآية،
ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفين بالكذب: يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله يعني الذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفين يجادلون عن الخائنين.

ثم قال عز وجل: ومن يعمل سوءا الآية، يعني الذين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مستخفين بالكذب، ثم قال: ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا يعني السارق والذين جادلوا عن السارق.

قال ابن كثير : وهذا سياق غريب، وقد ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم (في هذه الآية) أنها نزلت في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.

وقد روى هذه القصة محمد بن إسحاق مطولة، ورواها عنه من طريقه أبو عيسى الترمذي في "جامعه" في كتاب التفسير، عن قتادة بن النعمان - رضي الله عنه - قال: [ ص: 1532 ] كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : بشر وبشير (قال أبو ذر الخشني: بشير بن أبيرق، كذا وقع هنا: بشير بفتح الباء، وقال الدارقطني: إنما هو بشير بضم الباء) ومبشر، وكان بشير رجلا منافقا، وكان يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ينحله لبعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا ، أو قال فلان كذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا الخبيث، فقال:


أوكلما قال الرجال قصيدة أضموا وقالوا: ابن الأبيرق قالها!


قال: وكانوا أهل بيت فاقة وحاجة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار، فقدمت ضافطة من الشام بالدرمك - ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، فأما العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملا من الدرمك فجعله في مشربة له، وفي المشربة سلاح له: درعان وسيفان وما يصلحهما، فعدي عليه من تحت البيت فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح، فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي! تعلم أنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا، فذهب بطعامنا وسلاحنا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.22 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.34%)]