عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 07-09-2022, 01:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,590
الدولة : Egypt
افتراضي رد: زِنْبِيلُ العِلْم

فألفاظ المتن بمنزلة الفهرس لمسائل الفن التي يستذكر بها فوائده وعلومه.

وقد ذكر الحافظ أبو بكر الخطيب في (تاريخه) عن الحافظ الكبير أبي الحسن الدارقطني الذي قيل إنه أحفظ أهل الإسلام, أنه حين أملى (علل الحديث) كانت أطراف الأحاديث مكتوبة عنده على شكل أسئلة قد أعدها أبو منصور الكرخي, فيكتب مثلاً: حديث الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود في كذا, وحديث هشام عن عروة عن عائشة في كذا وهكذا, فيكشف الدارقطني عن الحديث في الأوراق ويتأمله, ثم يندفع في إيراد طرقه والكلام على علله من حفظه.

فكأنه بهذا التأمل يستذكر الكلام على الحديث وطرقه, ويجمع أطرافه وذيول مباحثه, تماماً كألفاظ المتن التي تقيّد لك مسائله وتعقل لك مباحثه.

ولابدّ لمن حفظ متناً من استشراحه واستذكار فوائده واستحضارها, وإلا فإن مجرد الاقتصار على حفظ المتن لا يصير به الحافظ فقيهاً عالماً, وإنما هو ناقل فقه وعلم كما قاله أبو عبد الله العبدري والعز بن عبد السلام.

وليكن الأمر عندك نظير الدراسة في مرحلة المتوسطة أو الثانوية التي كنا نتلقاها في مدارسنا في مواد الهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء, فكنا نحفظ القانون العام للقاعدة أو النظرية, ثم نقوم بدراسة شرحه وحلّ ما يتعلق به من المسائل.

فكذلك المتون, وضع في خاطرك أنك لابد أن تكون قادراً على حلّ مشكلات المتن وفكّ مقفلاته, فبه تملك زمام العلم ومقاليده.

فإن قصر بك جواد الحفظ لألفاظ المتون, لأنه دون ريب يستغرق زماناً أكثر وجهداً أكبر, فلا أقل من سلوك هذه الطريق التي ذكرها ابن بدران في (المدخل) قال: (واعلم أَن للمطالعة وللتعليم طرقاً ذكرها العلماء, وإننا نثبت هنا مَا أخذناه بالتجربة, ثمَّ نذكر بعضًا من طرقهم لئلَّا يخلو كتابنا هذا من هذه الفوائد, إِذا تمهد هذا فاعلم أننا اهتدينا بفضله تعالى أثناء الطّلب إِلى قاعدة, وَهِي أننا كُنَّا نأتي إِلى المتن أَولاً فنأخذ منه جملة كافية للدرس, ثمَّ نشتغل بحل تلك الجملة من غير نظر إِلى شرحها, ونزاولها حتى نظن أننا فهمنا, ثمَّ نقبل على الشرح فنطالعه المطالعة الأولى امتحاناً لفهمنا, فإِن وجدنا فيما فهمناه غلطاً صححناه, ثمَّ أَقبلنا على تفهّم الشرح على نمط ما فعلناه فِي المتن, ثمَّ إِذا ظننا أننا فهمناه راجعنا حاشيته إِن كان له حاشية مراجعة امتحان لفكرنا, فإِذا علمنا أننا فهمنا الدرس تركنا الكتاب واشتغلنا بتصوير مسائله فِي ذهننا, فحفظناه حفظ فهم وتصور, لا حفظ تراكيب وألفاظ, ثمَّ نجتهد على أَداء معناه بعبارات من عندنا غير ملتزمين تراكيب المؤلف, ثمَّ نذهب إلى الأستاذ للقراءَة, وهنالك نمتحن فكرنا في حل الدرس, ونقوّم ما عساه أَن يكون به من اعوجاج, ونوفر الهمة على ما يورده الأستاذ مما هو زائد على المتن والشرح, وَكُنَّا نرى أَن من قرأَ كتاباً واحدًا من فنّ على هذه الطريقة, سهل عليه جميع كتب هذا الفن ومختصراتها ومطولاتها, وثبتت قواعده في ذهنه).

والحفظ من جهة نفس المحفوط نوعان: حفظ ألفاظ وتراكيب, وهو الغالب على المغاربة وأهل الحديث, وحفظ معانٍ وهو المعرفة كما قاله الحافظ ابن حجر وغيره, وهو الغالب على المشارقة والفقهاء.

ومن هنا قال الشافعي لإسحاق بن راهويه وقد عجب من حفظه (لو كنتُ أحفظ كما تحفظ لغلبتُ أهل الدنيا) يريد: حفظ الحديث على رسم أهله وهو السرد كما قاله البيهقي, ولهذا كان إسحاق لا يهتدي لما يهتدي إليه الشافعي من الفقه والمعاني والاستنباط.

ولذا قال الفخر الرازي على كلمة الشافعي: (الفهم غير الحفظ, والحكماء يقولون إنهما لايجتمعان على سبيل الكمال, لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ, والحفظ يستدعي مزيد يبوسة, والجمع بينهما محال).

وقد كان في أصحاب القاضي أبي بكر الباقلاني, القاضي عبد الوهاب البغدادي من مشارقة المالكية وهو ناصر مذهب مالك لبراعته في النظر والاستدلال واستنباط المعاني, وكان فيه أبو الحسن القابسي حافظ المذهب من مغاربتهم, فكان القاضي يقول: (أحدهما ينصره والاخر يحفظه).

ولهذا قدّم المالكية في تشهير المذهب وتحقيقه, قول المغاربة لأنهم أضبط في حفظه وتحقيق قول مالك, بخلاف المشارقة الذين هم أقعد في الاستدلال له, وهذا في الغالب, ولذا قال ناظم (البو اطلحية):

ورجحوا ما شَهَرَ المغاربهْ.....والشمسُ بالعراقِ ليستْ غاربهْ

وقد قال الشافعي (ليس العلم ما حُفظ, إنما العلم ما نفع) يريد: أن مجرد الحفظ دون فهم لاينفع, حتى يفهم ويعي ما يحفظ, وليس مراده صدّ الطلبة عن الحفظ كما توهمه بعض العاجزين المتكاسلين عنه.

وإنما يحصل الانتفاع بتحصيل ما يمكن من النوعين, والاقتصار على واحد منهما يورث العالمَ قصوراً في فنّه وخللاً في علمه, ونقصاً في مقامه, وقد ذكروا أن حنبلياً من الحفاظ حضر عند الشيخ نظام الدين القاهري وكان يستروح إلى تحقيق وفهم العلوم دون حفظها, فجرى البحث في مسائل من العلم مما يحتاج إلى نقل, فسكت القاهري وقال الحنبلي: طاح مقام النظر وجاء مقام الحفظ, حتى جاءت مسألة تحتاج إلى بحث ونظر, سكت الحنبلي, فقال القاهري: طاح مقام الحفظ, وجاء مقام النظر.

ولذا قلَّ أن تجد عالماً محققاً لايحفظ, دع عنك أهل الحديث الذين الحفظ صنعتهم, وتأمل حال النُّظار من المتكلمين كالفخر والغزالي وإمام الحرمين ونظرائهم تجدهم حفاظاً يـُمْلُون علمَهم من صدورهم, كما أملى إمام الحرمين (التلخيص في الأصول) من (تقريب القاضي) بمكة شرّفها الله, وكان الفخر يستظهر (الملخص في الأصول ) للقاضي عبد الوهاب وكان يكون دائماً في كُمّه, وكان هو وأبو الحسن الآمدي يحفظان (المستسصفى) وكان القاضي الباقلاني يملي كتبه التي فيها علمه وعلم المخالفين والرد عليهم من صدره, وقال الروياني (لو احترقتْ كتب الشافعي لأمليتها من حفظي).

ولما أعدم الموحدون نسخ (المدونة) وهي الأم في مذهب مالك, وأراد مَنْ بعدهم بعد زوال ملكهم إعادتها, لم يجدوا لها نسخة, فأملاها عليهم الفقيه أبو الحسن بن أبي العشرين من حفظه, ثم عثروا لها على نسخة متقنة مجوّدة, فقابلوها بإملاء أبي الحسن, فلم يجدوا فرقاً بين النسختين إلا في الواو والياء, ونظائر هذا كثيرة جداً, ولذا يجد الناظر في تراجم كثير الفقهاء أنه كان يُضرب به المثل فيه حفظ مذهبه.

وقد كان الفقهاء يأخذون على الطلبة الحفظ, ويتشددون فيه ولا يتسامحون, وذكر ابن النجار في (تاريخه) أن أبا الخير القزويني كان بليد الذهن في الحفظ, وكان في مدرسة الإمام محمد بن يحيى صاحب الغزالي, وكان من عادته أنه يستعرض الفقهاء كل جمعة ويأخذ عليهم ما حفظوه, فمن وجده مقصراً أخرجه من المدرسة, فوجد القزوينيَّ كذلك فأخرجه, فخرج ليلاً وهو لايدري أين يذهب, فنام في أتون حمام, فرأى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فتفل في فمه مرتين, وأمره بالعود للمدرسة, فعاد ووجد الماضي محفوظاً واحتدَّ ذهنه, وقد وقع نظير هذه الحكاية للتفتازاني, ووقع نحوها لكن مع النووي لأستاذنا الدكتور المتكلم محمد رمضان عبد الله رحمه الله, فكان عجباً في استحضار مذاهب المتكلمين والأصوليين وأدلتهم ومباحثهم.

وهذا شيء لايقاس عليه, وإنما غرضنا من ذكره التنبيه على حفظ الفقهاء, وهو إنما يحصل ويقع بتكرار المحفوظ تكرار من يفهم, ومداومة النظر في الكتاب الذي يريد حفظه, ألا ترى أن أم سلمة رضي الله عنها حفظت (سورة ق) من فم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من كثرة ما كان يكررها في خطبة الجمعة.

وقد ذكروا أن أبا عثمان الحيري كان يديم النظر في (المـستخرج على مسلم) لأبي جعفر ابن حمدان, فكان إذا جلس للوعظ يقول في بعض الحديث روي, وفي بعضه قال, فنظروا فإذا به قد حفظ الكتاب حتى ميّز بين صحيحه وسقيمه.

وحكوا عن العلامة تاج الدين الفزاري أنه كان يديم النظر في (شرح التنبيه) حتى حفظه حفظاً متقناً, فكان ربما أحال عليه من حفظه بالجزء والورقة.

وذكروا عن الرئيس أبي علي بن سينا أنه نظر في كتاب (ما وراء الطبيعة) لأبي نصر الفارابي أربعين مرة, حتى حفظه ولم يفهمه لوعورته.

وكانت فاطمة بنت العباس تستشكل على شيخ الإسلام ابن تيمية في درسه, لأنها كانت تديم النظر في (المغني) لابن قدامة حتى استظهرته, فكان يستعدّ لها.

وكان ابن تيمية يديم النظر في (المحلى) لابن حزم, حتى قال الصفدي في (تاريخه): (كان يحفظه عن ظهر قلب, فلو شاء لأملاه من حفظه بما فيه من الشناعة والثلب).

وحكوا عن ابن رسلان الخوارزمي أنه قرأ (شرح المهذب) لأبي بكر الصيدلاني و(تفسير الثعلبي) حتى حفظ جملة ما فيهما, فكان إذا سُئل يجيب على البديهة منهما, ويذكر من حفظه الخلاف والمذاهب والأقوال والأدلة من غير خطأ.

وأملى النووي على أصحابه مسألة من (الوسيط) للغزالي, فراجعوه فيها, فقال: (تراجعوني في الوسيط, وقد قرأته أربع مائة مرة).

ولما تنازع الناس في فضل العلامة عبد القادر المكي الطبري فحلف بعضهم بالطلاق أنه ليس بمكة أحد أعلم منه, واختلف العلماء في حنثه, فأجاب الحافظ ابن حجر والسنباطي بعدم الحنث, وعلّلوه بسعة علمه وكثرة محفوظه, حتى إنه إذا سُئل في الفقه أجاب في الحال من (شرح الرافعي) أو( الروضة) وإن سُئل في الأصول أجاب من (مختصر ابن الحاجب) أو (مختصر البيضاوي) وهكذا التفسير والحديث وغيرها من الفنون, وهذا لأنه كان يديم مطالعة هذه الدواوين حتى رسخت في ذهنه.

وحدّث العلامة المختار بن بونا رحمه الله عن نفسه, أنه في حداثته استغلق عليه فهم وحفظ النحو, فخرج من الدرس باكياً لتعنيف المعلم إياه على تقصيره, فاستند إلى شجرة يفكر في شأنه, فرأى نملة تحمل رزقها وتحاول أن ترقى به جذع الشجرة, فعدَّ لها سبع مرّات وهي ترقى ثم تقع, ثم تعود فتحمله وترقى, وهكذا حتى حصل لها ما أرادت, ففهم أن تكرار المحاولة يفتح المقفل والمغلق من الفهم والحفظ, ومن هنا قال أديسون وهو الذي ابتكر المصباح بعد ألف تجربة: (العبقرية تكرار المحاولة).

ويحصل الحفظ أيضاً بالتعوّد عليه بكثرة ممارسته وعدم قطعه حتى يسهل عليه, وقد حكى أبو هلال العسكري عن أبي السمح الطائي أنه قال: كان الحفظ يتعذّر عليَّ حين ابتدأتُ أرومه, ثم عوّدته نفسي إلى أن حفظت قصيدة رؤبة (وقاتم الأعماق خاوي المُخترقنْ) في ليلة, وهي قريب من مائتي بيت.

وأيضاً فنفس المحفوظ يتفاوت في سرعة الحفظ وإحكامه, فحفظ الشعر المنظوم ليس كحفظ النثر, والواجب على المعتنين بالتحصيل والطلب مراعاة ذلك من جهة الوقت والجهد.

وقد ذكر الذهبي وابن السبكي وغيرهما أَن أَبا الفضل الهمذاني الأديب لما ورد نيسابور وتعصبوا له ولقبوه بديع الزمان, أعجب بنفسه إِذ كان يحفظ المائة بيت إِذا أنشدت بين يديهِ مرّة, وينشدها من آخرها إِلى أَولها مقلوبة, فأنكر على الناس قولهم (فلان الحافظ في الحديث) ثم قال: وحفظ الحديث مما يُذكر؟! فسمع به الحاكم ابن البيّع, فوجّه إِليه بجزء وأجّلَه جمعة في حفظه, فردَّ إِليه الجزء بعد الجمعة وقال: مَنْ يحفظ هذا؟ محمد بن فلان وجعفر بن فلان عن فلان! أسامي محتلفة وألفاظ متباينة.! فقال له الحاكم: فاعرف نفسك واعلم أَن حفظ هذا أضيق مما أَنت فيه.

ويتفاوت المحفوظ أيضاً بحسب رغبة وميل الطالب إلى العلم وشغفه به ونهمته فيه, وقد ذكر أبو الحسن الأخفش أن النَّظّام قال: لو تفرّغتُ للعروض لحفظته في يومين, قال: فلما تفرغّ له لم يحفظه في شهرين.!

في حين إن أبا جعفر بن جرير أحكم العروض في ليلة, وذلك أنه سأله سائل عن وزن بيت فلم يعرفه, وطلب من السائل أن يمهله حتى الصباح, ثم استعار عروض الخليل من صاحب له, وبات ينظر فيه حتى قال: أمسيتُ لا أدري العروض, وأصبحتُ عروضياً.

ونظيره أن أبا بكر بن الأنباري سُئل عن تأويل رؤيا ولم يكن له بهذا الفن دراية, فأستمهل السائل حتى الصباح, وذهب فاستعار كتاب الكرماني في التعبير, وأحكمه في ليلة واحدة, حتى صار معبّراً.

لكن هذا الحفظ أعني حفظ الطولات من الكتب الذي يذكر عن بعض أهل العلم, المراد منه في الغالب الحفظ الذي هو المعرفة بفوائد الكتاب, والذي يتولد من كثرة تكرار النظر فيه وإدامة قراءته, وقد قال ابن السبكي في ترجمة بعض من قيل إنه يستظهر (كتاب سيبويه) إن هذا لا يكاد يُتصور أنه الحفظ عن ظهر قلب باللفظ, وإنما المراد حفظ معاني الكتاب وفوائده بدوام النظر فيه.

وهذا كما قال المزني إنه قرأ (رسالة الشافعي) خمسمائة مرة, ومنه قول البخاري حين سُئل عن دواء للحفظ: (لا أعلم دواءً للحفظ أنفع من نهمة الرجل ومداومة النظر وكثرة المراجعة).

ولذا تجد أن كثيراً من العلماء قد غلب عليه النظر في كتاب معين حتى عُرف به, لأنه شغف به ومال إليه, فداوم عليه, حتى حفظه أو كاد كما تقدم ذكره, ولذا يقول أبو العباس بن سريج في (مختصر المزني):

سميرُ فؤادي مُّذْ ثلاثون حِجَةً.....وصيقلُ ذهني والمـُفرّجُ عن همي

وقال أبو الحسن الفالي في (الجمهرة) لأبي بكر بن دريد, وقد كان يحفظها ويمتلك نسخة مجوّدة منها, فلما افتقر باعها وأنشد:

أنسِتُ بها عشرين حولاً وبعتها...فقد طال شوقي بعدها وحنيني

وما كان ظنّي أنني سأبيعها......ولو خلّدتني في السجون ديوني

ولكن لضَعْفٍ وافتقارٍ وصبيةٍ......صغارٍ عليهم تستهلُّ شؤوني

فقلت ولم أملكْ سوابقَ عَبرة........مقالةَ مشويِّ الفؤاد حزينِ

وقد تُخرجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ.....كرائمَ من ربٍ بـهنَ ضنينِ

والخبر بتمامه عند ياقوت في (الأدباء) والسيوطي في (المزهر) وغيرهما, والحاصل منه أنه داوم على مطالعتها عشرين سنة! فكيف لا ترسخ معانيها فضلاً عن ألفاظها في ذهنه.؟

ومنهم من لكثرة ولعه بمتنٍ أو كتاب معين حفظه وداوم على مطالعته, نُسب إليه, كالزركشي فإنه كان يقال في نسبه (المنهاجي) لأنه حفظ (منهاج النووي) ومنهم العلامة يوسف بن عبد الله الدمشقي الوجيزي نسبة إلى (الوجيز) للغزالي لأنه كان يحفظه, وكالعلامة تقي الدين مظفر بن عبد الله المـُقتَرَح وهو جدُّ الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لأمه, وقيل له (المقترح) لأنه حفظ (مقترح البروي) في الجدل, وكالشيخ محيي الدين الكافيَجي نسبة إلى (كافية ابن الحاجب) لكثرة قراءته وإقرائه لها.

وكان لهم طريقة في تجريد فوائدها وحفظها, وذلك أنهم يعمدون عند مطالعتها إلى وضع خطٍ أو علامة على الفوائد التي لاغنى للعالم عن حفظها بألفاظها, كالشعر والنصوص ومذاهب الناس ونحو ذلك, فيُجرّدون المطولات منها ويخلصونها, بحيث ينقسم الكتاب عندهم إلى قسمين: ما تحته خط أو علامة وهو للحفظ بلفظه, وما هو مهمل وهو الكلام الذي هو شرح للمعنى, بحيث يكتفى بفهمه وتأديته عند الحاجة بلفظه هو, دون الحاجة إلى لفظ المـُصنِّف, فإذا كرَّرَّ على الكتاب مرة أخرى فإنه يطالع ما تحته خط أو علامة, ويداوم على النظر فيه ومراجعته, حتى يرسخ في ذهنه ويحكم حفظه.

والحفظ من جهة طرائق ووسائل الحفظ نوعان: حفظ التكرار الذي هو هذا, وهو الغالب على الناس, حتى من الحفاظ الكبار كما مرّ عن البخاري وغيره, وحفظ الأذكياء وهو بالتأمل في معاني الكتاب حتى يفهمه, كما حفظ شيخ الإسلام ابن تيمية (كتاب سيبويه) وفهمه بتأمله مراراً, وذكر السخاوي وغيره عن الحافظ ابن حجر أنه كان يحفظ حفظ الأذكياء, وأنه تأمل (مختصر البيضاوي) فحفظه.

ويمكن أن يُجمع بين النوعين, ويستعمل الطريقتين, وذلك بحسب ذهن الحافظ فإنه قد يستروح لهذا النوع دون الاخر, وبحسب المحفوظ نفسه, فإن من الكتب والعلوم ما يكفي حفظه بالتأمل, ومنه ما لا يتأتى إلا بتكراره, ولهذا ذكروا في طريقة الحفظ أنه تارة يرفع صوته بالمحفوظ حتى يرسخ, وهو حفظ التكرار, كما قال أبو هلال العسكري أنه (يرفع صوته بالدرس حتى يُسمع نفسه, فإن ما سمعته الأذن رسخ في القلب, ولهذا كان الإنسان أوعى لما يسمعه منه لما يقرأه) وحكى عن أبي حامد أنه كان يقول لأصحابه: (إذا درستم فارفعوا أصواتكم, فإنه أثبت للحفظ وأذهب للنوم).

وتارة يقرأ ويطالع بصمت, وبالنظر في المحفوظ دون أن يـُحرّك شفتيه به, فيرسخ ما تأمله ولاسيما إذا كان المقروء مما يغلب عليه الفهم دون الحفظ كما حكاه ابن الجوزي, وتفسير ذلك عند الأطباء أن الدماغ يلحقه من الإعياء والجَهد باشتغال جارحتين من الجوارح التابعة له, أكثر مما يلحقه من ذلك باشتغال جارحة واحدة, ولذا حكى أبو هلال أنهم كانوا يقولون: (القرآءة الخفيّة للفهم, والرفيعة للحفظ والفهم).


وهذا آخر ما قصدت جمعه وبيانه في التنبيه على مقام الحفظ للعلم ومتونه, والحث على الاعتناء بذلك, نصيحة لنفسي, ولطلبة العلم من أبناء جنسي, وتذكرة للمؤتسي, ونسأل الله التوفيق والإعانة وحسن العاقبة.

والحمد لله أولاً وآخراً, باطناً وظاهراً, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلّم تسليماً كثيراً.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]