كيف الطريق إلى أن يحبك الله (4-4)
كتبه/ ياسر عبد التواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ومما يجلب لك محبة الله -تعالى- الاعتراف بنعمة الله، وحمده والثناء عليه، وشكره باللسان والقلب؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا) (رواه مسلم).
وهذا الشعور بالنعمة هو خصلة عظيمة -تستوجب الشكر أيضًا- فيتبع هذا الشكر عمل يراه العبد المؤمن من شكره لربه بأن يسخر النعم التي منحها لطاعة ربه، وعن أبي موسى -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَالَ فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ. قَالُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ. أَوْ قَالَ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَالَ فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ) (متفق عليه).
لقد أخبر -سبحانه- أن الشكر هو الغاية من خلقه وأمره، بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل:78)، فهذه غاية الخلق وغاية الأمر فقال: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (آل عمران:123).
ويجوز أن يكون قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): تعليلاً لقضائه لهم بالنصر ولأمره لهم بالتقوى ولهما معًا وهو الظاهر، كما قال ابن القيم في عدة الصابرين:
"فالشكر غاية الخلق والأمر، وقد صرح -سبحانه- بأنه غاية أمره وإرساله الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قوله -تعالى-: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ . فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) (البقرة:151-152)، قالوا: فالشكر مراد لنفسه، والصبر مراد لغيره، والصبر إنما حمد لإفضائه وإيصاله إلى الشكر؛ فهو خادم الشكر، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا).
وثبت في المسند والترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ -رضي الله عنه-: (يَا مُعَاذُ إِنِّي لأُحِبُّكَ) فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ أَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ)، وقال ابن أبي الدنيا: عن هشام بن عروة قال: كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ.
وذكر أيضًا عن يحيى بن عطارد القرشي عن أبيه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (لا يرزق الله عبدًا الشكر فيحرمه الزيادة) لأن الله -تعالى- يقول: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7).
وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا"، ولهذا كانوا يسمون الشكر (الحافظ)؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، و(الجالب)؛ لأنه يجلب النعم المفقودة، وذكر ابن أبي الدنيا عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال لرجل من همذان: "إن النعمة موصولة بالشكر، والشكر يتعلق بالمزيد، وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد"، وقال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله"، وكان يقال: "الشكر قيد النعم" انتهى من عدة الصابرين.
وقد أمر الله -تعالى- نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11)، والله -تعالى- يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته فإن ذلك شكرها بلسان الحال، وقال علي بن الجعدي: "سمعت سفيان الثوري يقول: إن داوود -عليه الصلاة والسلام- قال: الحمد لله حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، فأوحي الله إليه: يا داود أتعبت الملائكة".
فهلم نكن من الشاكرين حتى ننال رضا رب العالمين.