عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 04-09-2022, 01:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,529
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شعر صالح الشاعر.. قراءة نقدية



فتحول أجداد الممدوح الذين تتابعوا بمدرجة الفخار، إلى أجيال من العاشقين تحكي الحكايات عن سر البسمة التي أعجب بها الشاعر.

ثم يقول:



فَبِها أَصْبَحَ الكَلامُ عَبِيرًا

وبِها أَصْبَحَ الجَمِيلُ جَمِيلا






معربًا بذلك عن إعجاب بختام قصيدة الجواهري الذي يقول فيه:



ولسوفَ تَعْرِفُ بعدَها يا سيِّدي

أَنِّي أُجَازِي بالجَمِيلِ جَمِيلا






لكنه حوَّل الأمر من مادِّيته الفجَّة إلى روحيٍّ معنوي رقيق شفاف؛ حيث إن البسمة سببٌ لجمال كلِّ جميل، وليست العلاقة مجرد شاعر يمدح فيُعطَى ليَمدح!



ثم يَمضي صالح الشاعر في قصيدته، مفضلاً صوته الخاصَّ على الجواهري وقوافيه، وكأنه اكتفى بإرشادها في الأجزاء الأولى من النص، إلى أن يصل إلى ختام قصيدته، فيأبى أن يكون إلا اقتباسًا أيضًا، لكنه هذه المرة استعان بنزار قباني، القائل:



قولي أحبُّكَ كي تصير أصابعي

ذهَبًا وتصبح جبهتي قنديلا






إلا أن الأمر اختلف عند شاعرنا؛ فهو يريد بذاته كلها - لا جبهته فحسب - أن يصبح قنديلاً:



اسْمَحِي لِي تَكُونُ بَيْنَ قَصِيدِي

رُبَّما صِرْتُ في الهَوَى قِنْدِيلا!








الموسيقا فيشعر صالح الشاعر تسير على نمطٍ يُغريك بانسيابه، حتى إذا اطمأننت فاجَأك بخروجه! فهو رغم عموديَّته الصارمة في بعض القصائد نجده قد بسَطها إلى حدِّ الهلهلة أحيانًا في قصائدَ أخرى! ومن الصعب أن نتوقع خطأ عَروضيًّا في شعر باحث لغوي متخصص، وله بحوث في العَروض، بما يدلنا على أنَّ هلهلة الموسيقا مقصودة في غالب الأمر.



فعلى سبيل المثال، استعمل الشاعر تفعيلة (فاعلُ) في قصائد على الخبب؛ كقوله في (الزمن الضائع):



في زمني أصبحت الدنيا

سوداءَ وغطَّاها الدخَّان



ما عادَت ناصعة بيضاءْ

اصطبغَت بنفاق ورياء




منقوشٍ في ثوب البهتان



وذلك واضح في شطر (اصطبغت بنفاق ورياء)، ووزنه: (فاعلُ فاعلُ فعْلن فعِلان)، فالتفعيلة الأصلية للبحر (فعلن)، وتفعيلة الضرب (فعلان) في جميع القصيدة، أما هذا الشطر فقد دخلَت فيه التفعيلة (فاعلُ).



وفي قصيدته التائية (أنا والطريق والأمنيات) نجده طعَّمَها بهذه الشطور يائيةِ الروي في وسط القصيدة:



لِمَ لا ترجع الأماني إليَّا؟

وبريق الأحلام في مقلتيَّا؟



أَزَماني هو البخيل عليَّا؟

أم هو الحُلْم صار داءً دَوِيَّا؟



ليتني قد رجعتُ طفلاً صبيَّا

طابعٌ بسمتي على شفتيَّا



أحضن الأمنيَّات بين يديَّا

وأغنِّي فأُوسِعُ الحزنَ كَيَّا




وبعد ذلك يعود فيكمل القصيدة على رويها الأصلي.



وفي قصيدة (نعيم) يأتي بالقافية في منتصف الكلمة، فيقول:

في عالَمِ الحُبِّ الجَمِيلِ هُنا

تَلَوَّنَتْ الدُّنا

وَالعاشِقُونَ بِها غَدَوْا طَيْرًا يُرَفْرِفُ فَوْقَ أَغْصانٍ

وَطَوَّحَتِ الحَياةُ هُمُومَ ماضِيهِمْ

وَهَوَّنَ حُبُّهُم كُلَّ الصِّعابِ

فَكُلُّ مَوْعُودٍ بِشَيْءٍ نالَهُ

حتَّى وَلَوْ طَلَبَ الـمُحالَ

وَلَمْ يَعُدْ لِلْحُزْنِ ثَوْراتٌ... إلخ



والوزن يقتضي أن تكون القافية واوًا ساكنة، وبعض الأشطر على ثلاث تفعيلات والبعض الآخر على أربع، هكذا:

في عالم الحب الجميل هنا تلَوْ

وَنت الدنا والعاشقون بها غدَوا

طيرًا يرفرف فوق أغصان وهَوْ

وَن حبُّهم كلَّ الصعاب فكل مو

عود بشيء ناله حتى ولو...

إلى آخر القصيدة.



وتَظهر لنا قصيدة (السياسة) بنمط قافية أقرب إلى نظام الموشَّحات الأندلسية، مع بساطة ورشاقة في الجمل القصيرة؛ حيث يقول:

في لُعبة السياسهْ

يُلوَّن الزمانْ

وتُرسَم الجِنانْ

وتُوهب الصكوكْ

ويُرفع الرَّعاعْ

من طينةٍ وقاعْ

لقِمَّة الملوكْ

وتلك عبقريَّهْ

لها يدٌ خفيَّهْ

في غاية الكياسهْ

باللين والهوادهْ

تجمَّل السياسهْ

♦ ♦ ♦

في مسرح السياسهْ

كل الوجوه زَيْفْ

والصدق فيه ضَيْفْ

يحلُّ يرتحلْ

والرابح الكذوبْ

الناعم اللعوبْ

هذا الذي يصلْ

وفيه طيِّبونْ

«نعمْ» «موافقونْ»

ومَن يهزُّ راسهْ





[1] رئيس قسم الثقافة والإرشاد الديني بأوقاف القليوبية، حاصل على ماجستير البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن.



[2] معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، المجلد الثامن، ص474.



[3] يُعتبر البند فنًّا أدبيًّا جاء ليخلص الكاتب من قيود الوزن والقافية، وهو يَختلف عن الشعر الحر؛ إذ يتميز كل منهما بسِماته الخاصة، وقد يوضع البند فى منزلةٍ بين الشعر والنثر، وكلمة (بند) كلمة فارسية؛ ولها معانٍ كثيرة مثل: "ما يُسكر من الماء، العلم الكبير، العَقد والرَّبط"، وأول مَن اشتهر بكتابة البنود الشاعر معتوق بن شهاب الموسوي، ولا يتوفَّر ديوانه سوى على خمسة بنود، وما يجعل هذا الفنَّ غير معروف هو انحصاره في مدينة البصرة منذ العصور المتأخرة قبل سقوط بغداد سنة 656 هـ؛ وكذلك قلَّ صانعوه، ويُنظَم البند على تفعيلة واحدة تتكرَّر من البداية حتى النهاية وهي: (مفاعيلن)، كما تعتمد على بعض الزِّحافات مثل (الكف) فتصير (مفاعيل)، و(الحذف) فتصير (مفاعي)، كما يَعتريها الخرم أو الخزم، كما أن البند لا يَعتمد على قافية واحدة، ويَقبل تَكرار الكلمات ذات الرَّوي الواحد مثل السجع؛ مما يُضفي عليه إيقاعًا جميلًا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.13 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.50 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.60%)]