عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 04-09-2022, 01:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شعر صالح الشاعر.. قراءة نقدية

♦ ♦ ♦




إن التجربة الشعرية عند صالح الشاعر مستقاة من الحياة، فهو يقول في مقدمة ديوانه حقائق الأشياء: "هذا الديوان مجرَّد تعليق على أمور في الحياة، يَعرِضها كما هي على حقيقتها، يُريك النَّعيم، والشَّهوة، والتَّوبة، والإسراء، والمعصية، فيه شوقٌ وسفر، كما فيه عودة، يصُفُّ بك في محراب الحب ناظرًا إلى قِبلة القلب، وقد قصدت أن أريَك الحقائق مجرَّدة، إلا أنَّه ليس باستطاعةِ أحدٍ منَّا أن يتخلَّص من بصمة عينه، وكلِّي أملٌ أن ترى (حقائق الأشياء) من زاوية مقاربة لزاويتي، وحينها أكون قد نجَحت، ويكون الدِّيوان مؤتيًا ثماره.



سمِّ هذا الدِّيوان وصنِّفه كما شئتَ، وكن متأكِّدًا أنَّ تصنيفه لا يُخرجه عن حقيقته وما هو عليه، كما أنِّي اجتهدتُ أن لا تَعلو اللُّغة على المعاني، لكن تأكَّد من قراءتك دائمًا لما بين السُّطور وما خلف الحروف، ولا تُلغِ دورك كقارئٍ واعٍ ومدرك لكواليس النصِّ الشِّعري، فإذا قمتَ بدورك فهذا ما أريده لقارئِ نصِّي ومتلقِّيه، وهذا ما قصدتُه حين قدَّمتُ لك (حقائق الأشياء)".



اللغة هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير، وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي.



يختار صالح الشاعر من اللغة وإيحاءاتها، ويولِّد منها ما قدر على التوليد، لا ليأتي بمعانٍ يجهلها الناس تمامًا، ولكن ليصور صفوةَ معارفهم من زوايا متفردةٍ تدهشهم وتعيش إحساسات جماليةً لا تنتهي، وحجارة هذا البناء الموضوعيِّ الألفاظ، إلا أن الألفاظ في الشعر تومئ إلى ما وراء المعاني، فتُضيف إليها أبعادًا جديدة، وبذاك تتجدد وتحيا، وبغير ذلك تذبل وتموت؛ إذ نجد ألفاظه تقدِّم صورة إنسانية وفنية بغرَض إماطة اللِّثام عن هذه الألفاظ.



ويسعى الشاعر في بعض قصائده إلى لغةٍ شفافة تعتمد على الوضوح والواقعيَّة؛ فهي لغة تكاد تكون خاصة بالشاعر، لغة تنطلق من الواقع ومن وعي الشاعر بأدواته الفنيَّة، فالنظر في التجربة الشعوريَّة وفَهم الحالة الذهنية لقصيدةٍ ما يتطلَّب القدرة على الانغماس في العالم النفسي للشاعر واستحضار حالته النفسية من خلال كتابته لهذه القصيدة، وفَهمُ الحالة الذهنية تَعني القدرة على استعادة الجوِّ الشعوري ومُعايَشتِه من جديد، ولا يتم ذلك إلا إذا استطاع الناقد أن يُمعِن النظر في الظروف والوقائع التي أدَّت إلى ولادة القصيدة، وبدون ذلك قد تُنزع القصيدة عن سياقها النفسيِّ وتَبقى تراكمًا لغويًّا وشكلاً دون معنى، وتفقد الحسَّ الشعري؛ ففي قصيدة إسراء تضرُّع ودعاء، يقول الشاعر بلغة واضحة مؤثرة:

أَتَيْتُ إِلَيْكَ.. وما كُنْتُ أَدْرِي

بِأنِّي إِلَيْكَ سَأَسْرِي

فَما كُنْتُ إلاَّ ظَلُومًا جَهُولاً

وَذَنْبيَ أَنْقَضَ ظَهْرِي

إِلَيْكَ أَتَيْتُ فَكُنْ لِي

فَإنِّي رَفَضْتُ التَّوَلِّي

وَجِئْتُ أُقَدِّمُ عُذْرِي

فَمَنْ ذا سَيَشْرَحُ صَدْرِي

إذا لَمْ أَكُنْ لَكَ أَسْرِي؟!



وهو في غمرة هذا التجلي يستلهم مفرداتٍ وتراكيبَ ومصطحبات قرآنية، على شاكلة (أنقض ظهري)، (يشرح صدري)، (ظلومًا جهولاً)... وهو ما يستدعينا إلى الحديث عن التناص.



التناصُّ ظاهرةٌ من الظواهر المهمة في الديوان؛ لأن الشاعر يَستعمله في إثراء قصائده، بتعابيرَ مشهورة، ومصطحبات معجميَّة قرآنية، ويتنوع غرضُ التناصِّ عند صالح الشاعر ما بين التجمل بقِطَع من التراث، والإحالة على نصٍّ سابق والربط به، وإطالة النص.



فمن التجمل بقِطَع من التراث بعض المسكوكات الجاهليَّة؛ كقوله في قصيدة (ببساطة) من ديوان (همس الروح):



أنا لسْتُ بَكَّاءً ولا نَكِدًا

ما لِي أنا والْهَمِّ والنكَدِ؟



أنا لَم أقِفْ يومًا على طلَلٍ

خَلِقٍ.. ولمْ أغْدو بِمُنْجَرِدِ!



ما كنتُ يومًا في بنِي عبسٍ

عبدًا.. ولَم أملك بني أسَدِ






ومن الإحالة على نص سابق والربط به قولُه في قصيدة (البيت الخراب) من ديوان (همس الروح):



لا الْحُبُّ شهْدٌ مُصَفًّى

ولا الأمانِي عِذابْ






فهو في عنوان القصيدة ناظرٌ إلى الشاعر (إليوت) وقصيدته الشهيرة (الأرض الخراب)، وفي شطر (ولا الأماني عِذاب) قصَد معارضة المعنى لدى الشاعر محمد بن عبود العامودي الذي يقول:



سكن الليل والأماني عِذابُ

وحنيني إلى الحبيب عَذابُ






أما إطالة النص فتبدو في قطعة صغيرة في ديوان (من قلبي) بعنوان (ليل الهوى) يقول فيها:

إنَّ ليلَ الهوى..

طويلٌ طويلْ

قَدَرُ العاشقينَ فيه الرحيلْ

فيه مَنْ باتَ..

ناعمًا بوصالٍ

فيه مَنْ باتَ..

فوقَ جمرٍ شَعيلْ

ناعسَ الطَرْفِ.. هل لديكَ دواءٌ..

أشتفي من جراحِ سهمٍ كحيلْ؟

وأجبني قُبَيْلَ ذاك الرحيل!

هل إلى نظرةٍ إليكَ سبيلْ؟



فالشطر الأخير مصراع مطلع قصيدة لإسحاق الموصلي يقول فيها:



هل إلى نظرةٍ إليكِ سبيلُ

فيُروَّى الصَّدَى ويُشفى الغليلُ



إن ما قلَّ منك يكثُرُ عندي


وكثيرٌ ممن تُحِبُّ القليلُ






وهنا نجد (صالح الشاعر) قد أطال قطعته بالإحالة بهذا الشطر إلى بيتَي الموصلي، محاكيًا أسلوبًا كَثُر في شِعر أبي نواس، الذي قال في ختام قصيدة:



حسناءُ تُسمِعُنا والعُودُ يُطرِبُنا

ودِّعْ هُرَيرةَ إنَّ الرَّكبَ مُرتَحِلُ





يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 22.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 22.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.77%)]