عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 04-09-2022, 12:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,610
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصيدة عوف بن الأحوص "ومستنبح يخشى القواء..." قراءة في المعاني والأساليب

قصيدة عوف بن الأحوص "ومستنبح يخشى القواء..." قراءة في المعاني والأساليب
د. شاذلي عبد الغني إسماعيل






صورة ثالثة للكرم

إِذَا الشَّوْلُ رَاحتْ ثمَّ لَمْ تفد لحمها ♦♦♦ بألبانها ذَاقَ السِّنَانَ عَقِيرُها


معاني الكلمات:
الشَّوْلُ: جمع شائلة، وهي: النَّاقة التي مَضى على وضعها سبعة أشهُر فارتفع ضرعها وقَلَّ لبَنُها.
رَاحَتِ الإبِلُ رَوْحًا: أوَتْ بَعْدَ الغُرُوبِ إلى مُرَاحِها، يقال: سرحتِ الإبل بالغداة إلى المرعى، وراحت بالعشيِّ على أهلها.
السِّنَانَ: نصل الرمح.

العقير: قِيل: كَانُوا إِذَا أرَادُوا نَحْرَ البَعير عَقَرُوه؛ أَيْ: قَطَعُوا إحْدَى قوائمه ثُمَّ نحَرُوه، وَقِيلَ: يُفعل ذَلِك بِهِ كيلا يَشْرُدَ عِنْدَ النَّحْرِ.
إذا نزل بنا ضيوف ولم يكن في الإبل لبنٌ، فإنَّه لا مَناصَ مِن نحرها لهؤلاء الضيوف.

وهو يصوِّر الإبلَ هنا وكأنَّها كائنات عاقِلة تستطيع أن تفدي نفسها مِن الموت بألبانها، وهو يريد أن يقول لنا: إنَّ ثروته مِن الإبل تكون للضِّيافة؛ إمَّا بألبانها، وإما بنَحْرِها.
وكما نرى؛ فإنَّ كلمة الشول هنا جَمعٌ، وفي هذا إشارة إلى كَثرة تلك الإبل المنحورة، والصورة الاستعاريَّة في "ذاق السنان عقيرها" تجعل للسنان مذاقًا.

صورة للحلم
وإِنِّي لَتَرَّاكُ الضَّغِينَةِ قَدْ بَدَا
ثَرَاها مِن المَوْلَى فلا أَسْتَثِيرُها

مَخَافَةَ أَنْ تَجْنِي علَيَّ وإِنَّمَا
يَهيجُ كَبِيرَاتِ الأُمورِ صَغيرُها


معاني الكلمات:
الضَّغِينَة: الحِقد والعداوة.
ثَرَاها: الثرى: النَّدى، كقولهم: أرى ثرى الغضب في وجه فلان، والثرى الندى، كما ترى ندى ماء البئر قبلَ استخراجه، فهو مثَلٌ يضربه لظهور أثر الشر قبل ابتدائه.
المَوْلَى: ابْن الْعم هُنَا.

الشاعر يصِف نفسه بالحلم؛ فهو كثير التَّرك لكلِّ ما يؤدِّي إلى الحقد والكُرْه والبُغض وإن بدَتْ أسبابه، وهو يعرض ويصفح ويتغاضى عمَّا يصدر مِن ابن عمِّه مخافةَ أن تجرَّ الضغينة عليه ما لا تحمد عواقبه، وبداية كل الشرور العظيمة أمور صغيرة.

والتأكيد بإنَّ واللام في قوله "وإني لترَّاك" ليؤكد تمسُّكه واتِّصافه الدائم بتلك الصفة التي يقِلُّ المتَّصِفون بها أو يندرون في المجتمع الذي يعيش فيه؛ ذلك المجتمع القائم على العصبيَّة والتهوُّرِ؛ فكأنَّه يخاطب منكِرين، يدرِكون طبيعةَ الإنسان في هذا المجتمع ولا يصدِّقون وجودَ مَن له هذا الطبع، والشاعر هنا يستخدم صيغةَ المبالغة (ترَّاك) ليبيِّن لنا أن هذا الأمر كثير الوقوع، فكثيرًا ما يبدو الضغن مِن ابن العم وهو دائمًا ما يأنف أن يواجه ذلك بالكره أو الحِقد، وفي البيت صورة استعارية مكنية؛ حيث صوَّر الضغينة بشيء مادِّيٍّ مَحسوس يترك رغم كل الأسباب التي تدفع للتمسُّك به، وفي قوله (مخافة أن تجني علي) مجاز عَقليٌّ علاقته السببيَّة؛ فالضغينة سبب وليست هي الفاعل الحقيقيَّ للجناية، ويمكِن أن نقول: إنَّها استعارة مكنيَّة تشخص الضغينةَ، فيجعلنا الشاعر نراها وهي تجني، وفي قوله: (إنما يهيج كبيرات الأمور صغيرها) قصر صفة على موصوف، فهو يقرِّر قاعدةً مِن وجهة نظره؛ لأنه يرى أن كلَّ عظائم الفتن لم يؤدِّ إليها إلا أمورٌ صغيرة لو تركت ما تفاقَمتْ وعظمت، كما أن بين (كبيرات - وصغيرها) طِباقًا استدعاه المعنى ليبيِّن مدى ما يمكن أن تحدثه الأمور الصغيرة مِن جرائر عظيمة، ونلاحظ أيضًا أنه جمع كبيرات وأفرد صغيرها؛ فهذا الأمر الصغير يهيج أمورًا عظيمة لا يُعلم عددها ولا يُدرك مداها، وهنا أيضًا استعارة مكنية جسدت لنا المعنوي.

صورة ثانية للحلم
تَسُوقُ صُرَيْمٌ شَاءَها مِن جُلاجِلٍ
إِليَّ وَدُونِي ذَاتُ كَهْفٍ وقُورُها

إِذَا قِيلَتِ العَوْرَاءُ وَلَّيْتُ سَمْعَهَا
سِوَايَ ولم أَسْألْ بهَا ما دُبِيرُها




معاني الكلمات:
صُرَيْمٌ: قبيلة.
شَاءَها: جمع شاة.
جُلاجِل وذَاتُ كَهْفٍ: موضعان.
القور: جمع قارة، وهو المرتفع في صلابة.

العَوْرَاءُ: الكلمة القبيحة، وأصل العَوَرِ: الفسادُ في كلِّ شيء، ومنه قول العرب: فلانٌ أعورُ مُعْوِرٌ؛ فالأعور: الفاسد، والمُعور: الذي يأتي من قِبَلِهِ الفسادُ.
دُبِيرُها: ما يراد منها.

الشرح
على بُعد المسافة بيني وبين بني صريم، فإنهم يَسوقون شاءَهم إليَّ استفزازًا لي لأهجوَهم، وهو يبيِّن لنا في البيت أنَّهم أصحاب شاء وليسوا أصحاب خيل وإبل كما كانت تفخر العرب، ثم إنَّه لحِلْمه وعقلِه إذا استمع إلى الكلمة القبيحة لم يلتفت إليها، وكأنَّ المراد بها غيره؛ فلا يتعقَّبها ليعرف المرادَ منها فيرد عليها ردًّا يشعل الشرَّ.

نلاحِظ أنَّه في قوله: (إذا قيلت العوراء) قد حذف الفاعل، فلا يهم مَن القائل، عظيمًا كان أم حقيرًا، قريبًا أم بعيدًا، كبيرًا أم صغيرًا، فطبعه أن لا يهيج الشرَّ مع أيِّ إنسان كان، وقد حذف الموصوف أيضًا، أي: (الكلمة العوراء)، فحَذْفُ الموصوف هنا يشعرنا أكثر بعدم الاعتناء به، وفي البيت استعارة مكنيَّة جسدت لنا الكلمة.


رد ومدح
فَمَاذَا نَقِمْتُمُ مِن بَنِينَ وَسَادَةٍ
بَرِيءٍ لكم مِنْ كُلِّ غِمْرٍ صُدُورُها؟

هُمُ رَفَعُوكمْ لِلسَّماءِ فكدتمُ
تنالونها لَوْ أَنَّ حَيًّا يَطُورُها

مُلُوكٌ عَلى أَنَّ التَّحِيَّةَ سُوقَةٌ
أَلايَاهُمُ يُوفَى بِهَا ونُذُورُها



معاني الكلمات:
غِمْرٍ: الحقد والعداوة.
يَطُورُها: مأخوذ من الطوار؛ وهو ما حول الدار، ومنه قولهم: لا تطورنَّنا، أي: لا تقرب فناءنا.
الألايا: جمع ألية، وهي اليمين.

أي شيء تنكرون مِن بنين وشيوخ بريئة قلوبهم مِن أيِّ بُغض لكم، وقد رفعوا من أقداركم وأعزوكم حتى كدتم تطالون السماء عزًّا ورِفعةً، لو أن حيًّا يستطيع أن يحوم حولها، ثمَّ مدحهم بأنَّهم ملوك في عِزِّهم وشرفِهم وكرمهم وأخلاقهم، لكن الناس تحيِّيهم تحيَّةَ السوقة؛ فلا يخضعون لهم الرؤوس لتواضعهم وتذلُّلهم لِمن هو أضعف منهم، وهم إذا أقسموا أو نذروا يوفون دائمًا.

الشاعر هنا يبدؤهم بالاستفهام المقصود به التعجُّب والنَّفي، حتى يجدوا أنفسَهم عاجزين عن إيجاد شيء يَنقمونه على هؤلاء القوم، ونلاحظ هنا أنَّ الشاعر لم يقابل بين البنين والشيوخ أو الرجال؛ بل جاء بالطِّباق بين (بنين وسادة) وكأنَّه يريد أن يقول: إنَّ كلَّ رجالهم سادة وإن كلَّ مَن يتجاوز الحُلم منهم يصير سيدًا، ونلاحظ أنَّه بنى الفعل "يوفى" للمجهول ليبيِّن أنَّهم لو أقسموا على أحد بعمل شيء، فلا بدَّ أن يفي بقسمهم أيًّا كان.

وفي قوله: "ملوك على أنَّ التحيَّة سوقة" حذف الشاعر المسندَ إليه (المبتدأ هنا أي: هم ملوك) مبادرة إلى مدحهم، كما حذف المضاف، أي: "التحية تحية سوقة"، وهو حذف يقوي المعنى.

الفخر
فإِلَّا يَكُنْ مِنِّي ابْنُ زَحْر ورَهْطُهُ
فَمِنِّي رِياحٌ عُرْفُهَا ونَكِيرُها

وكَعْبٌ فإِنِّي لَابْنُهَا وحَليفُهَا
وناصِرُها حيثُ استَمَرَّ مَريرُها



معاني الكلمات:
عُرْفُهَا: مَعروفها، نَكِيرُها: ما تنكره منها، يريد: رياح مني في الرضا والغضب.
استَمَرَّ مَريرُها: حيث جَدَّ أمرها، أخذه من المريرة؛ وهي الحبل إذا فُتِل.
قال الأصمعيُّ: هذا تهكُّمٌ بابن زَحْرٍ؛ لأنَّ بني رياح وكعبًا أجَلُّ شأنًا مِن ابن زحر، يعني يقول: إن لم يكن بيني وبين ابن زحر قرابة وهو أجَلُّ مَن تفتخرون به مع قلَّة شأنه، فإن منِّي الأعظم شأنًا؛ فمني بنو رياح بن الأشل الغنوي، وأنا معها في رضاها وغضبها وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة فأنا ابنها وناصرها وحليفها في وقت شدَّتِها وحاجتها إليَّ.

في قوله: "منِّي رياح" قدَّم الخبر - المسند - للقصر؛ فهو قَصْرُ موصوف على صفة، ومن باب القصر الادِّعائيِّ، وبين "عرفها ونكيرها" طِباق يفيد التعميمَ في الحالة ونقيضها، في قوله: "فإني لَابنها وحليفها وناصرها" أكَّد الشاعر بأكثر مِن مؤكد؛ إن والجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والدَّوام؛ وذلك لقلَّة الناصر والحليف في وقت الشدَّة والحاجة فكأن هناك مَن ينكر ذلك.

التواني والحكمة
لَعَمْري لقد أَشْرَفْتُ يومَ عُنَيْزَةٍ
على رَغْبَةٍ لو شَدَّ نَفْسًا ضَمِيرُها

ولكنَّ هُلْكَ الأَمْرِ أَنْ لا تُمرَّهُ
ولا خَيْرَ في ذِي مِرَّة لا يُغِيرُها


معاني الكلمات:
أَشْرَفَ على الشيء: قاربه، وعلى المكان: أطلَّ عليه من فوق.
يومَ عُنَيْزَةٍ: يوم مِن أيام العرب في القتال، وكان بين قبيلتَي بكر وتَغلب.
لو شَدَّ نَفْسًا ضَمِيرُها: لو اشتدَّ العزم.
لا تُمرَّهُ: أن لا تَحكمه، وأصل الإمرار إحكام الفتل.
مِرَّة: طاقة الحبل.
لا يُغِيرُها: مِن الإغارة، وهي شدَّة الفتل.

الشرح
يَحكي الشاعر عن مَوقفٍ حدَث له يوم عنيزة؛ حيث اشتداد القتال بين بكر وتغلب، وكيف أنَّه كاد يصل إلى ما ترغب فيه نفسه وقارب على فعله، ولو أنه أيقظ عزيمتَه وبادَر لكنَّه لم يفعل لتأتي الحكمةُ المترتبة على الحدَث؛ وهو أن الفشل يترتَّب على عدم إحكام العزيمة أو التواني والتقاعُس عن الفعل، فلا خيرَ في الحبل الذي لا يحكم فتله.

وفي قول الشاعر: "أشرفت على رغبة" استعارة مكنيَّة؛ حيث جسَّد الرغبةَ بحيث يمكن للإنسان أن يَدنو منها أو يطلَّ عليها، أيضًا قوله: "لو شدَّ نفسًا ضميرها" استعارة مكنيَّة شخصتِ النفسَ والضمير، وقوله: "هُلْكَ الأَمْرِ أَنْ لا تُمرَّهُ" أيضًا استعارة جعلتِ الأمرَ مثل الحبل الذي يفنى إن لم يفتل، وقوله: "ولا خَيْرَ في ذِي مِرَّة لا يُغِيرُها" تَذييل جرى مجرى المثل.

وفي النِّهاية يمكننا القول: إنَّنا أمام نصٍّ يعتمد على التصوير في إيصاله للفكرة، وقد استخدم الشاعِرُ أدواته ببراعة؛ بداية مِن الكلمة المعبرة والموحية، كما استغلَّ التنوُّعَ في التراكيب ليأخذ لكلِّ معنى ما يلائمه منها وما يعمق مِن دلالاته من خلالها، وإن كانت الصُّوَر الواقعية أخذَتنا إلى البيئة والعالم الذي يحياه وكانت دليلًا مرئيًّا لأقواله؛ فإنَّ الصور الاستعارية الجزئية جسدتْ لنا رؤاه وعمَّقتْ من إحساسنا بمشاعره وأفكاره.

وقد اختار الشاعر بحرَ الطَّويل الذي تجد له بهاءً وقوة - على حدِّ تعبير حازم القرطاجاني - وهذا البهاء وتلك القوَّة هو ما تحتاجه المعاني التي صاغها الشاعرُ الذي يفخر بنفسه وبحُلَفائه، وهو يختار للرويِّ حرفَ الراء الذي يتميَّز دون ما عداه بأنه حرف تَكراريٌّ، يصف سيبويهِ الراء فيقول: "هي حرفٌ شديد يجري فيه الصوت لتكريره وانحرافه إلى اللام"، وسِمات الحرف هذه توحي بالرَّغبة القويَّةِ في التأكيد، وهذه الدلالة يؤكِّدها وصله بالهاء ثمَّ الإتيان بالألف خروجًا؛ ليصنعا معًا امتدادًا قادمًا مِن أعماق النفس، ومنطلقًا للمدى المتَّسع.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 29.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.15%)]