عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 03-09-2022, 02:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,080
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أبيات في مدح الشيب


قُلتُ ما ضَرّكِ شَيبٌ فلقد
بَقيتْ فيه فُكاهاتُ الصِّبا

هِو كالعنبر غال نَفْحُهُ
وشذاه أخضرا أو أشهبا [32]


عرج الشاعر على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى التكلم، شدا للانتباه، ليعيش معه محنته، ومنحته كل من سمعه أو رآه.
لقد أفعم قلبه بالأحزان لهجر الغواني له، ولما أن سكنت نفسه، وهدأت هواجسه، وعاد إليه رشده، أخذ في بيان قيمة المشيب، في نظره، فهو نبع الفكاهة، ومعدن الطيب والفتاءة، ففرى الفرية بتصوير ممتلئ بالنظر الساخرة، والبيان الرائع، متكئا على الواقع، مقتبسا من الطبيعة، فلم يترك عندئذ في نفس الخصم أي مجال لرفع بصره فيه، أو الرد عليه.


وهذا ابن دراج القسطلي [33]، يوضح أثر المشيب في نفسه، وفضله في صلاحه وزهده، وبغضه أماكن اللهو، والمجون، والتصابي، فيقول: [34] [من الكامل]

أَنْضَيتُ خَيْلي في الهوى وركابي
وعَمَرْتُ كأسَ صِبًا بكأس نِصاب

وعُنيتُ مُغْرىً بالغواني والصِّبا
والَّلهْوِ، واللذَّاتِ قَدْ تُغْرِي بي

في غَمْرة لا تنقضي نَشَواتُها
من صَرْف كَأْس أَوْ جُفُونِ كَعَابِ

أَيَّامَ وجه الدَّهْر نحوي مشرقٌ
ومَحَاسِنُ الدُّنيا بِغَيْرِ نِقَابِ

ولقد أضاءَ الشَّيبُ لي سنن الهدى
فثنى سني ددني على الأعقابِ [35]

ورأيتُ أرْدِيَةَ النُّهى مَنْشورةً
تَسْعَى بِجِدَّتها إِلى أَتْرابي

ورأيتُ دارَ الَّلهْو أقْوى رَبْعها
وَخَلَتْ مَعَاهِدُهَا مِنَ الأَحْبابِ



فيعرض ابن دراج في أبياته هذه مشهدين عظيمين في حياته، أولهما: حيث كان معنيا في شبابه بأماكن اللهو والتصابي، مغترفا من المجون، والشراب، معترضا طريق الكعاب. أيام أن كانت حياض اللهو مباحة، ولذاتها مستساغة مستطابة، ولم يجرؤ أحد على تكدير الصفو، والنيل من المزاج.
ثم انتقل بنا برفق، وحنكة إلى المشهد الثاني، المصور لأطايب ثمار المشيب، ومنها إضاءة طرق الهدى له، بعد رد أردية اللهو بعضها على بعض، إبان نشر أردية الرزانة والوقار بين الأقران والخلان.
عبارات توحي بمعدنه الأصيل الطيب الثمين، فسرعان ما عاد إلى رشده بعيدا عما يشينه ويضره.
لجأ الشاعر إلى الأسلوب الخبري، والخيال، لتصوير حاله في شبابه ومشيبه، وحال أهل زمانه، من انتشار موجة المجون، التي انبثقت عنها موجة الزهد، والصلاح، مُقاومة لنفوس الطالحين.
وفي شعره يقول الأستاذ / أحمد ضيف: " أما شعره، فهو في جملته شعر من يتردد على موائد الأدب، ليتذوق من كل لون طعما، ويجمع هذه الطعوم، ليجعل له مائدة خاصة به يدعو إليها الآكلين، وكأنما يأكلون من مائدته.. " [36].


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.50%)]