عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 02-09-2022, 08:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,597
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب النحل والهبة

(472)

- (باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل) إلى (باب ذكر الاختلاف على طاوس في الراجع في هبته)

أمر الله تعالى الآباء بالعدل بين أبنائهم، فلا يعطي الأب أحد أولاده شيئاً يميزه عن بقية إخوانه ويدع الباقين، كما نص الشرع على تحريم أن يعود الواهب في هبته إلا الوالد مع ولده، وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم العائد في الهبة كالكلب يعود في قيئه.

ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر النعمان بن بشير في النحل


شرح حديث: (... لا أشهد على جور)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم حدثنا زكريا عن عامر حدثني عبد الله بن عتبة بن مسعود ح، وأنبأنا محمد بن حاتم أنبأنا حبان أنبأنا عبد الله عن زكريا عن الشعبي عن عبد الله بن عتبة بن مسعود : (أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم -وقال: محمد أتى النبي صلى الله عليه وسلم- فقال: إني تصدقت على ابني بصدقة فاشهد فقال: هل لك ولد غيره؟ قال: نعم قال: أعطيته كما أعطيته قال: لا. قال: لا أشهد على جور)].أورد النسائي حديث عبد الله بن عتبة بن مسعود: (أن رجلاً جاء إلى النبي، وقال: إني تصدقت على ابني بصدقة).
يعني: هنا لم يسمّ الذي جاء، ويبدو أن القصة واحدة، وأن المقصود به: بشير بن سعد، حيث أعطى ابنه، والحديث أورد تحت نحلة بشير بن سعد لابنه النعمان، وهو مثل ما تقدم، الرسول صلى الله عليه وسلم سأل وقال: (أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ قال: لا، قال: أشهد على جور؟) يعني: هو يريد أن يشهده على تلك العطية.
(أشهد)، يعني: حذف الاستفهام؛ لأنه أحياناً يحذف همزة الاستفهام يعني: أأشهد، فحذفت الهمزة الأولى، وبقي أشهد على جور، ولكنه يفهم من كلام الإنسان عندما ينطق به أنه استفهام، ولكن من حيث الكتابة، قد يحذف حرف الاستفهام، ولكنه مفهوم من السياق، وفي الغالب أيضاً في الكتابة يجعل علامة الاستفهام بعده، يعني: طريقة الإملاء أنها تجعل علامة الاستفهام بعد الاستفهام، سواء كان فيه همزة استفهام، أو أداة استفهام، أو ما فيه، هذا فيه استفهام إنكاري.

تراجم رجال إسناد حديث: (... لا أشهد على جور)

قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان عن أبي نعيم].الشيخ أحمد بن سليمان مر ذكره، وأبو نعيم، هو الفضل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زكريا].
هو زكريا بن أبي زائدة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر].
هو الشعبي، وقد مر ذكره.
[عن عبد الله بن عتبة بن مسعود].
ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، ثم ذكر (ح) التحويل.
[وعبد الله بن عتبة].
يقول ابن حجر: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ووثقه العجلي وجماعة.
لكن ما يدل إن كونه ولد ف عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون صحابياً.
وقد قال المزي في (تحفة الأشراف) عن النبي صلى الله عليه وسلم: وقد رآه، وهو غلام خماسي أو سداسي.
وعلى كل، إذا كان حصلت له الرؤية فإنه يكون صحابياً، لكنه وثقه العجلي، يعني: على أساس أنه تابعي، فهو إما أن يكون صحابياً صغيراً، أو أنه ليس بصحابي، وإن ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فالمخضرمون فيهم من ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وفيهم من ولد قبل ذلك، فما دام لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعتبر صحابياً، ولكن إن لقيه وهو صغير، فهو من حيث الرؤية يعتبر صحابياً، إذا كان لا يتحمل، وإن كان يتحمل، فيكون من حيث الرؤية، ومن حيث الرواية. نعم.
[ح وأنبأنا محمد بن حاتم].
(ح)، وهي (ح) التحويل؛ للتحول من إسناد إلى إسناد، ومحمد بن حاتم بن نعيم المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن حبان].
هو حبان بن موسى المروزي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي.
[عن عبد الله].
هو عبد الله بن المبارك المروزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن زكريا عن الشعبي عن عبد الله بن عتبة بن مسعود].
وقد مر ذكر هؤلاء، ولعل الفرق بين الإسنادين أنه ذكر الشعبي في إسناد، وذكر عامراً في إسناد، فيكون جاء باسمه وجاء بنسبته، والإسناد يلتقي قبل الشعبي، فالتقاء الإسنادين بعد زكريا بن أبي زائدة.
عن الشعبي.
لأنه جاء عامر في إسناد، وجاء الشعبي في إسناد، فالأول: فيه عامر والثاني: فيه الشعبي.

شرح حديث النعمان بن بشير: (ذهب بي أبي إلى النبي يشهده على شيء أعطانيه...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد عن يحيى عن فطر حدثني مسلم بن صبيح سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما يقول: (ذهب بي أبي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشهده على شيء أعطانيه، فقال: ألك ولد غيره؟ قال: نعم، وصفَّ بيده بكفه، أجمع كذا، ألا سويت بينهم)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وهو مثل ما تقدم، في قصة ذهاب أبيه به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقر تلك العطية، وأشار بيده أجمع يعني: هكذا، أي: ألا سويت بينهم، ويمكن أن يكون أشار بالنفي، وأصابعه مجتمعة، أو أنه أراد أن يسوي بينهم، كما يحصل التسوية بين الأصابع، بحيث يكون كلهم على وتيرة واحدة، إما أن يعطيهم جميعاً، وإما أن يمنعهم جميعاً، وهذا كما عرفنا بالنسبة للعطاء والتمليك، أما فيما يتعلق بالنفقة فيختلف الحكم.

تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير: (ذهب بي أبي إلى النبي يشهده على شيء أعطانيه...)

قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو عبيد الله بن سعيد السرخسي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي.
[عن يحيى].
هو يحيى القطان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن فطر].
هو فطر بن خليفة، وهو صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن مسلم بن صبيح].
هو أبو الضحى، مشهور بكنيته، يأتي كثيراً بكنيته، ويأتي باسمه كما هنا، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن النعمان بن بشير].
وقد مر ذكره.

شرح حديث النعمان بن بشير: (انطلق بي أبي إلى رسول الله يشهده على عطية أعطانيها...) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن حاتم أنبأنا حبان أنبأنا عبد الله عن فطر عن مسلم بن صبيح قال: سمعت النعمان رضي الله عنه يقول وهو يخطب: (انطلق بي أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهده على عطية أعطانيها، فقال: هل لك بنون سواه؟ قال: نعم، قال: سوِّ بينهم)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير من طرق أخرى، وهو مثل ما تقدم، إلا أن فيه أنه كان يخطب، وهذا فيه دلالة على إعلان السنن وإبلاغها للناس؛ لأنه كان يبلغهم بهذه القصة التي حصلت له، وهو يخطب؛ لأن إعلان السنن على المنابر وبالخطب، وذكر أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، يكون سبباً في إبلاغ كثير من الناس؛ لأن من يسمع الخطبة كثير لاسيما مع رفع الصوت، ومع كثرة الناس، فيكثر النقلة والآخذون لتلك السنن والأحاديث.

تراجم رجال إسناد حديث النعمان بن بشير: (انطلق بي أبي إلى رسول الله يشهده على عطية أعطانيها...) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا محمد بن حاتم عن حبان عن عبد الله عن فطر عن مسلم بن صبيح عن النعمان].وكلهم مر ذكرهم في الإسناد الذي قبل هذا.
شرح حديث: (اعدلوا بين أبنائكم)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن سفيان حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن زيد عن حاجب بن المفضل بن المهلب عن أبيه قال: سمعت النعمان بن بشير رضي الله عنهما يخطب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم)].أورد النسائي حديث النعمان بن بشير، وفيه أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول بعدما ذكر قصة النعمان، وإعطاء أبيه له تلك العطية، قال: [(اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم)] وجاء عند غير النسائي: (اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم) في آخر الحديث: (فلا تشهدني على جور، اتقوا الله واعدلوا بين أبنائكم) والتكرار: (اعدلوا بين أبنائكم، اعدلوا بين أبنائكم) للتأكيد.
تراجم رجال إسناد حديث: (اعدلوا بين أبنائكم)
قوله: [أخبرنا يعقوب بن سفيان].ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي.
[عن سليمان بن حرب].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد بن زيد].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حاجب بن المفضل بن المهلب].
ثقة، أخرج له أبو داود، والنسائي.
[عن أبي].
وهو صدوق، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي.
[عن النعمان بن بشير].
وقد مر ذكره.
كتاب الهبة (هبة المشاع)
شرح حديث: (ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الهبة (هبة المشاع).أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا ابن أبي عدي حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ أتته وفد هوازن، فقالوا: يا محمد، إنا أصل وعشيرة، وقد نزل بنا من البلاء ما لا يخفى عليك، فامنن علينا، من الله عليك، فقال: اختاروا من أموالكم، أو من نسائكم وأبنائكم، فقالوا: قد خيرتنا بين أحسابنا وأموالنا، بل نختار نساءنا وأبناءنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فإذا صليت الظهر فقوموا، فقولوا: إنا نستعين برسول الله على المؤمنين، أو المسلمين في نسائنا وأبنائنا، فلما صلوا الظهر قاموا فقالوا ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال العباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقامت بنو سليم فقالوا: كذبت، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله ست فرائض من أول شيء يفيئه الله عز وجل علينا، وركب راحلته، وركب الناس، اقسم علينا فيئنا، فألجئوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فقال: يا أيها الناس، ردوا علي ردائي، فوالله لو أن لكم شجر تهامة نعماً قسمته عليكم، ثم لم تلقوني بخيلاً، ولا جباناً، ولا كذوباً، ثم أتى بعيراً، فأخذ من سنامه وبرة بين إصبعيه، ثم يقول: ها إنه ليس لي من الفيء شيء ولا هذه إلا خمس، والخمس مردود فيكم، فقام إليه رجل بكبه من شعر فقال: يا رسول الله، أخذت هذه لأصلح بها بردعة بعير لي، فقال: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك، فقال: أو بلغت هذه فلا أرب لي فيها فنبذها، وقال: يا أيها الناس! أدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عاراً وشناراً يوم القيامة)].
أورد النسائي كتاب الهبة، وقد عرفنا في الماضي أن النحل والهبة بمعنى واحد، ولعل النسائي فرق بينهما؛ لأن قصة النعمان بن بشير كثر فيها ذكر النحلة، والنحلة هي: الهبة وهي العطية، والتفريق كما أشرت بوجود ذلك في الحديث، في قصة النعمان بن بشير، وكل الأحاديث التي أوردها في ذلك الكتاب تتعلق بقصة النعمان بن بشير، وأن أباه نحله غلاماً، وفيها ذكر الطرق المختلفة في ذلك.
وعلى هذا، فالبابان موضوعهما واحد، ومؤداهما واحد، وقال النسائي بعد ذلك: هبة المشاع، والمشاع هو: المشترك غير المتميز، معناه: إذا كان هناك مثلاً عبد رقيق بين اثنين، فإنه مشاع، وكذلك إذا كان الإنسان له قطعة أرض مشترك فيها مع آخر فهي لهما جميعاً، وكل واحدٍ منهما لا يختص بقطعة منها مهما صغرت، بل أي شيء ولو قل فلكل منهما نصيب منه، حتى يميز بالقسمة، فيما يقبل القسمة كالأرض، أما بالنسبة للعبيد، والأرقاء، فإن الاشتراك مشاع، ولا يكون إلا مشاعاً.
وأورد النسائي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، في قصة هوازن بعدما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم منهم الغنائم، وفيها النساء والأولاد، وفيها الأموال العظيمة، جاءوا تائبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبوا منه أن يرد عليهم ما أخذ منهم، فالنبي عليه الصلاة والسلام خيرهم بين أن يرد عليهم من أموالهم، أو من أبنائهم ونسائهم، قالوا: خيرتنا فنختار أحسابنا النساء والأولاد، يعني: ما دام المسألة فيها تخيير بين النساء والأولاد، وبين المال، فسنأخذ النساء والأولاد، ونخلصهم من الرق، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما كان لي وابني عبد المطلب فهو لكم)، يعني: ما يتعلق بالخمس والذي يرجع قسمته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والاستحقاق فيه للرسول صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته، يقول: فهو لكم، وأنا متنازل عنه وأعطيكم إياه، لكن يبقى الأربعة الأخماس التي هي للغانمين، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى طريقة، وهي: أنهم إذا صلوا الظهر يقومون ويعلنون حاجتهم، ويقدمون الطلب الذي كانوا طلبوه منه بينهم وبينه، حتى يجيبهم بنفس الجواب الذي أجابهم، ثم بعد ذلك يمكن للناس أن يتابعوه، وأن يصيروا إلى ما صار إليه عليه الصلاة والسلام، فنفذوا، وهذا من نصحه صلى الله عليه وسلم، وشفقته، وحرصه على ما يعود بالخير والمنفعة.
فقال لهم: [(إذا صليتم الظهر فقوموا وقولوا: كذا وكذا)]، يعني: هذا الكلام الذي قلتموه لي، اذكروه بعد صلاة الظهر أمام الناس، حتى يجيبهم بنفس الجواب، ويترتب على ذلك أنه إذا أجابهم بهذا الجواب الذي أعطاهم إياه بينهم وبينه إذا أجابهم به أمام الناس فإنه يمكن للناس أن يتابعوه، فتابعه المهاجرون والأنصار، ولكن بعض القبائل تمسك بحقه، فقالت الأنصار: (ما كان لنا فهو لرسول الله) يعني: نحن متنازلون، والمهاجرون قالوا كذلك والأقرع بن حابس التميمي قال: (أما أنا وبنو تميم فلا)، وعيينة بن حصن الفزاري قال: (أما أنا وبنوا فزارة فلا)، والعباس بن مرداس قال: (أما أنا وبنو سليم فلا)، فقامت جماعة من بني سليم، وقالوا: (كذبت، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم).
فالنبي عليه الصلاة والسلام خاطب الناس خطاباً عاماً، وقال: (يا أيها الناس، ردوا عليهم سبيهم، ومن تمسك بحقه فإنا معطوه ست فرائض من أول ما يفيء الله علينا)، والفرائض قيل: المراد بها: الإبل، وقد جاء في بعض الأحاديث، يعني: في بعض الروايات من غير النسائي وهي في الصحيحين أو في أحدهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له شيء فنحن نرد عليه من أول ما يفيء الله علينا)، يعني: الشيء الذي يستحقه، وهو سيرد لهم بنين ونساء؛ لأن هذا هو الذي اختاروه، فردوا عليهم سبيهم، وبعد ذلك أحاط الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبون منه القسمة، يعني: قسمة المال، فألجؤوا النبي عليه الصلاة والسلام إلى شجرة، وهم يحيطون به، فخطفت رداءه، فقال عليه الصلاة والسلام: ردوا ردائي عليّ، فلو كان لي مثل شجر تهامة نعماً لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذوباً، يعني: أن المال مهما بلغ، ومهما كثر، فإنه لكم، وأخذ وبرة من بعير، وجعلها بين أصابعه بجانب يده، وقال: ليس لي من هذه إلا الخمس وهو مردود عليكم.
فلما رأى رجل أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ هذه الوبرة، وهي قطعة من شعر أخذها من ظهر بعير، وقال: حتى هذه ليس لي منها إلا مقدار الخمس، وكان قد أخذ شعراً يقال له: كبة، يعني: مجموعة من الشعر ملتم بعضه إلى بعض، يريد أن يصلح به برذعة بعيره، والمقصود بها: الحلس الذي يوضع تحت الركاب؛ لأن الرحل يكون من خشب، ويكون تحت الخشب وقاء، يعني: يكون بين جلد البعير وبين الخشب الذي يكون منه الرحل، هذا يسمى حلساً، ويسمى: برذعة، ويأتي غالباً ذكر البرذعة مع الحمير، وهنا جاء إطلاقها فيما يتعلق بالإبل.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان لي منها ولبني عبد المطلب فهو لكم)، فلما رأى الأمر هكذا، مع أن هذه الوبرة ليس لها أهمية، وليس لها قيمة، ومع ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ما كان لي منها وبني عبد المطلب فهو لك، فقال: أو بلغت هذه، يعني: إلى هذا الحد، إذاً لا أرب لي فيها ورماها، معناه: أنه لا يأخذها، ما دام الأمر هكذا، وإن كان قليلاً، فإنه يعتبر غلولاً. وقال: (يا أيها الناس، أدوا الخياط والمخيط).
أدوا الخياط والمخيط، يعني: الإبرة، والمراد أنه ولو كان شيئاً قليلاً هو مقدار إبرة، فإنه يؤدى، قال: (فإن الغلول عار وشنار على أهله يوم القيامة)، وهذا يدل على خطورة الغلول، وأنه وإن كان قليلاً فلا يحق لأحدٍ أن يأخذه، بل يتركه في الغنائم، ويقسم كما تقسم الغنائم، ففيه التحذير من الغلول.
ومحل الشاهد من إيراد الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما كان لي ولبني المطلب فهو لكم)؛ لأنه وهبهم الشيء الذي يستحقه، والمقصود أنه من هبة المشاع؛ لأن الغنائم قبل أن تقسم مشاعة، كل واحدٍ من الغانمين، وكل من له حق، فله نصيب في كل شيء حتى يقسم، وإذا قسم وصار لكل عين يختص بها ذهبت الإشاعة، وبقي غير مشاع بل متعين.
ومقصود النسائي من إيراد الحديث بطوله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)، يعني: وهبهم، والمقصود أنه عند الهبة فإن كل شيء من الغنيمة فهو مشاع مشترك بين الناس، أما إذا عين لكل واحد نصيبه فإنه لا يكون مشاعاً، فحيث يختص الشخص برقيق واحد، وبعبدٍ واحد، فإنه يملكه، ولا يكون مشاعاً.
يقول في الحديث: (وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس، ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، فمن تمسك من هذا الفيء بشيء فله ست فرائض من أول شيء يفيئه الله).
يعني: من تمسك بحقه ولم يتنازل؛ لأن الناس تنازل بعضهم، وبعضهم ما تنازل، فقال: الذي تمسك بحقه فكل ما أخذ منهم من السبي فإنه يرد، والذي طابت نفسه وتنازل عن ماله فقد انتهى أمره، أما من لم يرد مثل الأقرع بن حابس، ومثل عيينة بن حصن الذين كل واحد منهم قال: لا، قال: إننا معطوه من أول ما يفيئه الله لنا ست فرائض، وبعض الأحاديث ليس فيه ذكر ست فرائض وإنما فيه نرد عليه، يعني: استحقاقه، أو مثل ما أخذ منه في أول فيء يفيئه الله علينا، والحديث ورد في البخاري وفي غيره، وكان فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لهم: إن هؤلاء جاءوا تائبين، وإننا نريد أن نرد عليهم فيئهم، فمن منكم طيب، قالوا: طيبنا، طيبنا، يا رسول الله، معناه: كلنا سمحنا، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا ندري من طيب ومن لم يطيب، لكن ليذهب عرفاؤكم، وليأت إلينا عرفاؤكم يعني: كل واحد يأتي عن جماعته يخبر بالذي حصل، من طيب فذاك، ومن لم يطيب يعني: نفسه ما طابت فإنا سنرد عليه، لكن هؤلاء يرجع لهم ما أخذ منهم من السبي، ولكننا نعوض من لم تسمح نفسه، ولم تطب نفسه، نعوضه من أول ما يفيء الله علينا.
قوله: (وركب راحلته وركب الناس، اقسم علينا فيئنا).
ركب راحلته، يعني: يريد أن يمشي، والناس ركبوا، وأحاطوا به يقولون: اقسم المال.
وهؤلاء هم أصحاب الغنائم، ليسوا هوازن؛ لأن هوازن كل من أخذ منه أهله وأولاده فسيرجعون إليه، ولا قسمة لهم، وإنما قسمة المال، لأصحاب الغنائم الذين استحقوها؛ لأنه أعطاهم النساء والأولاد، وبقي المال ما أعطاهم إياه، وسيقسم، ولهذا أعطى على مائة من الإبل تأليفاً للقلوب.
فالمقصود بالقسمة الغانمون الذين بقي لهم المال، وذهب النساء والأطفال، فهم يريدون أن يقسم المال عليهم.
قوله: (ليس لي إلا الخمس، والخمس مردود فيكم).
(مردود فيكم) معناه: هو في مصالح أهل البيت، وفي مصالح المسلمين.
وما كان منه للرسول فهو ينفقه في سبيل الله عز وجل، يعني: هو يقسم أقسام، له ولذي القربى يعني: الجهات التي ذكرها الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث: (ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم)

قوله: [أخبرنا عمرو بن يزيد].هو عمرو بن خالد بن يزيد، وهو صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.
[عن ابن أبي عدي].
هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن حماد بن سلمة].
ثقة، أخرج له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن محمد بن إسحاق].
هو محمد بن إسحاق المدني، وهو صدوق يدلس، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمرو بن شعيب].
هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في جزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن أبيه].
هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وجزء القراءة، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن جده].
هو عبد الله بن عمرو ولا يروي عن أبيه محمد، وقد قال الحافظ في التقريب: صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله بن عمرو، وعلى هذا فهو متصل؛ لأن عمراً يروي عن أبيه شعيب، وشعيب يروي عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، وليست الرواية عن أبيه محمد؛ لأن محمداً ليس صحابياً، ويكون مرسلاً، لكن ثبت سماع شعيب من جده عبد الله، بل جاء في بعض الروايات عند النسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

رجوع الوالد فيما يعطي ولده وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك

شرح حديث عبد الله بن عمرو في العائد في هبته

قال المصنف رحمه الله تعالى: [رجوع الوالد فيما يعطي ولده وذكر اختلاف الناقلين للخبر في ذلك. أخبرنا أحمد بن حفص حدثنا أبي حدثني إبراهيم عن سعيد بن أبي عروبة عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يرجع أحد في هبته إلا والد من ولده، والعائد في هبته كالعائد في قيئه)].
أورد النسائي رجوع الوالد فيما يعطي ولده، يعني: أن الهبة إذا أعطاها الإنسان، لا يجوز له أن يرجع فيها، فلا يأتي بعدما يستلمها الإنسان، ويقول: أنا عجزت عن الهبة، فأرجع إليّ ما أعطيتك، لا يجوز ذلك، وإنما يجوز للوالد أن يرجع؛ لأن الوالد قد يحصل منه عدم العدل، مثل ما حصل في قصة النعمان بن بشير بن سعد حين أعطى أحد بنيه، وكان يجب عليه التسوية، وقد طلب منه التي أن يرده، وأن يسوي بينهم في العطاء أو المنع، فالوالد مستثنى في منع الرجوع في الهبة على ولده، وقد يكون الرجوع لأمر لا بد منه كالعدل والبعد عن الجور، وأما غيره فليس له ذلك.
والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه لا يرجع أحد في هبته إلا الوالد، وضرب لذلك مثلاً فيه التنفير من هذا العمل، وقال: (إن العائد في هبته كالكلب يقيء فيعود في قيئه)، يعني: يأكل حتى يشبع، ثم يقيء، ثم بعد ذلك يرجع ويأكل قيئه، فهذا تمثيل وتشبيه بعمل الكلب، فهو تقبيح للعمل، وبيان لفظاعته، وأنه سيء للغاية، حيث شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بعمل الكلب، والكلب معروف في خسته ودنائته، وأن من يكون كذلك فعمله قبيح، فهذا فيه التنفير، وبعض العلماء قال: إن هذا يدل على التحريم، وبعضهم قال: يدل على التقبيح، وأن هذا شيء ليس بسائغ، ولو رجع في هبته لجاز، لكن هذا التمثيل، وهذا المنع في قوله: (لا يحل)، يدل على التحريم.
وفي الحديث ضرب الأمثال لتقريب الشيء في صورة المحسوس، حتى يتمكن في النفوس.

تراجم رجال إسناد حديث عبد الله بن عمرو في العائد في هبته

قوله: [أخبرنا أحمد بن حفص].هو أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد النيسابوري، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.
[عن أبيه].
صدوق، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
[عن إبراهيم].
هو إبراهيم بن طهمان، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن سعيد بن أبي عروبة].
ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن عامر الأحول].
هو عامر بن عبد الواحد الأحول، وهو صدوق يخطئ، أخرج له البخاري في جزء القراءة، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.
[عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده].
وقد مر ذكرهم.

حديث ابن عباس وابن عمر في العائد في هبته وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي عن حسين عن عمرو بن شعيب حدثني طاوس عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم يرفعان الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لا يحل لرجل يعطي عطية، ثم يرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي عطية ثم يرجع فيها، كمثل الكلب أكل حتى إذا شبع قاء، ثم عاد في قيئه)].أورد النسائي حديث ابن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو مثل ما تقدم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].
محمد بن المثنى، وهو الزمن أبو موسى العنزي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة.
[عن ابن أبي عدي].
مر ذكره.
[عن حسين].
هو ابن ذكوان المعلم، وهو ثقة، أخرج له اصحاب الكتب الستة.
[عن عمرو بن شعيب].
وقد مر ذكره.
[عن طاوس].
هو طاوس بن كيسان، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.
[عن ابن عمر].
هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومثله عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 49.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]