عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 01-09-2022, 11:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,710
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المتنبي في عيون الصاحب بن عباد ومنهجه في رسالته "الكشف عن مساوئ شعر المتنبي"

حيث بدأ تعليقه على البيت بقوله: "لا أدري أمدح المقول له أم رقاه، فلم يرضَ بأن سرَق من بشَّار قوله:
والخيلُ شائلةٌ تشقُّ غبارَها
كعقاربٍ قد رُفِّعَت أذنابُها


حتى ضيع التشبيه الصائب بين ألفاظ كالمصائب"[43].

ويرى المعرِّي أن المتنبِّي قد زاد في المعنى الذي ذكَره بشار، يقول: "غير أنه زاد عليه في التشبيه، فبشار شبَّه الخيل الرافعة لأذنابها بالعقارب رافعة أذنابها؛ فالتشبيه واقع على وجه واحد، وهو أوقع التشبيه، من وجهين:
أحدهما: أنه جعل الخيل شائلة بالقَنا، كما تشول العقارب بأذنابها.

والثاني: أنه شبه أطراف الرماح بأذناب العقارب، وأن لها من الطعن مثل ما للعقارب من اللسع، فأخذ معنى بشار، وضمَّ إليه هذه الزيادة، فكان هو أولى به من بشار"[44].

ومن ذلك أيضًا قول المتنبي:
يا مَن يقتِّل مَن أراد بسيفه
أصبحتُ مِن قتلاك بالإحسان


فقد اعتبر الصاحب أن المتنبِّي أخذه من قول الشاعر:
أصلحتَني بالجود بل أفسدتني
وتَركتَني أَتَسَخَّطُ الإِحسانا


وعلق عليه بقوله: "جعل الإفساد عجزًا وبهورًا، هذا ومذهب الشعراء المدح بالإحياء عند الإعطاء؛ وبالإماتة عند منع الحباء"[45]، والناقد المتبصِّر في البيتين يرى بُعدًا واضحًا في الدَّلالة؛ فالمتنبي جعل نفسه من القتلى بالإحسان، ليدلَّ به على ما يتميز به الممدوح من خصال الكرم والجود، فهو يقتل أعداءه بالسيف، ويُكرم أصحابه بالعطايا، وذِكرُه للفظة "قتلاك" له أثر أوقع في النفس من غيرها، أما البيت المقابل، فقد جعل الشاعر فيه نفسه تسخَّط من الإحسان؛ لأنه مفسدة لها، وبين القتل والسخط بون بعيد.

وعمومًا، فالصاحب في نقده لكلمات المتنبي كان غالبًا ما يركز على اللفظة في موضعها، وحسنِ وقعها في السمع، سواء في تلك التي اتهمه فيها بالأخذ والسرقة، أو التي ادَّعى له بها الابتداع المخلَّ، وهو ما يظهر وعيه بأهمية النظر في الكلمة، ومطابقتها للمعنى الذي يَرومه الشاعر، كما ركز - فيما سبق أن أوردناه - على أهمية السياق أو المقام الذي تقال فيه تلك الكلمة.

فالصاحب رغم مغالاته وتهكُّمه الواضح في الحطِّ من أبيات المتنبي، فإنه كان يستعين في ذلك بالنظرة البلاغية؛ أي: النظر في الكلام ومطابقته لمقتضى الحال، ونحن لا يهمنا إن كان قد أصاب في ذلك أو أخطأ، بقدر ما حاولنا بيان اضطلاعه وتمرُّسه بعلم الشعر، وعلوم اللغة.

خاتمة:
لا شكَّ أن الصاحب كان مدركًا تمام الإدراك في نقده لشعر المتنبي أنه يُواجه شخصية علمية، بلغَت أوج العطاء والإبداع في قول الشِّعر، وهذه المكانة المرموقة التي وصل إليها المتنبي جعلت منه محطَّ الأعين مِن قِبَل كل فئات مجتمعه وعصره، فسعَت إليه الملوك بالرسائل والهدايا تخليدًا لذِكرها، وسعى إليه نُقاد الشعر بين مادح معترف، وبين ناقم حاقد عليه، وما هذه الرسالة إلا تجسيد لهذه الفترة، بل هي وثيقة تاريخية تصور لنا تلك الحلقات الثقافية والأدبية التي بلغها عصر المتنبي.

والذي نَخلص إليه من قراءتنا لهذه الرسالة، أنها تضمَّنت إشارات نقدية قيمة، تُظهر بجلاء مكانة الصاحب الأدبية والنقدية؛ فقد استفاد كثيرًا من أستاذه ابن العميد، وحاول كثيرًا تقليده في أسلوب نقده، فهما معًا يشتركان في خاصية تتبُّع الكلمة في البيت، ومقابلة أجزائه، وبيان مدى تطابقه مبنًى ومعنًى، كما أنهما معًا ينظران إلى البيت من جانبه الموسيقي، ومدى احترام الشاعر لقواعد العروض، وإن كُنا لم نعطِ هذا الجانب حقه من الدراسة الكافية؛ فإننا قد لامسنا اضطلاع الصاحب وشيخه ابن العميد بعلوم اللغة من صرف ونحو وبلاغة وعروض، وحسن توظيفهما لهذه العلوم في تفهم النص الشعري، كما أنهما مزَجا بين هذه العلوم وبين صناعة الشعر، وذلك واضح في كلام الصاحب منذ بداية رسالته؛ ولهذا وجدناه في مقدمته يبدأ في ذكر مكانة الكُتَّاب ورفع شأنهم، وأنهم الأقدر على نقد الشعر وتمحيصِه، بحُجة اشتغالهم بعملية الإنشاء والتأليف.

ونحن لا ندعي أننا قد وقفنا على كل جزئيات الرسالة ومضامينها بالتحليل، بقدر ما حاولنا أن نرسم صورة تقرِّبها، وتدعو إلى إعادة قراءتها، بصيَغٍ جديدة تكشف عن شخصية الصاحب النقدية، وبخاصة أن جلَّ الذين اشتغلوا عليها نظروا إليها من زاوية واحدة باعتبارها رسالة في ذكر عيوب المتنبي فحسب، وهذا وإن كان متضمنًا فيها فإنها تبوح بأشياء كثيرة من زوايا أخرى، قد تتجلى بتعدد قراءتها في المستقبل.

المصادر والمراجع:
الأدب العربي: مصطفى ناصف، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة.
ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي الحسن علي الواحدي: فريدرخ ديتريصي، طبع في مدينة برلين المحروسة، 1861.
شرح ديوان أبي الطيب المتنبي: أبو العلاء المعري، تح: عبدالمجيد دياب، دار المعارف، الطبعة الثالثة، ج2، 1992.
الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي: يوسف البديعي الدمشقي، تح: مصطفى السقا ومحمد شتا وعبده زياد عبده، دار المعارف، الطبعة الثالثة.
عيار الشعر: ابن طباطبا العلوي، تح: عباس عبدالساتر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 2005.
الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، تح: الشيخ محمد حسين آل ياسين، مكتبة النهضة، بغداد، الطبعة الأولى، 1965.
النقد الأدبي: أحمد أمين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، ج2، 1952.
النقد المنهجي عند العرب: محمد مندور، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 1996.
الوساطة بين المُتنبِّي وخصومه: علي بن عبدالعزيز الجرجاني، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، الطبعة الأولى 2006.


[1] طالب باحث في سلك الماستر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - مراكش، تخصص: الأدب العربي: أصوله اللغوية ومناهجه النقدية.

[2] إسماعيل بن عباد بن العباس، أبو القاسم الطالقاني: وزيرٌ غلَب عليه الأدب، فكان من نوادر الدهر؛ علمًا وفضلاً، وتدبيرًا وجودة رأي (326 - 385 هـ).

[3] انظر: النقد الأدبي: أحمد أمين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1952، (2 / 435).

[4] انظر: مقدمة المحقق، الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، تح: الشيخ محمد حسين آل ياسين، مكتبة النهضة بغداد، 1965، ط1، (ص: 9).

[5] انظر: النقد المنهجي عند العرب: محمد مندور، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، 1996، (ص: 10).

[6] الوساطة بين المتنبي وخصومه، علي بن عبدالعزيز الجرجاني، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، 2006، ط1، (ص: 12).

[7] الصبح المنبي عن حيثية المتنبي: يوسف البديعي الدمشقي، تح: مصطفى السقا ومحمد شتا وعبده زياد عبده، دار المعارف، ط3، (ص: 145، و146).

[8] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 30، و31).

[9] نفسه (ص: 31).

[10] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 32).

[11] نفسه.

[12] دراسة الأدب العربي، مصطفى ناصف، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، (ص: 9).

[13] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 31).

[14] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 34).

[15] نفسه (ص: 34، و35).

[16] نفسه (ص: 35).

[17] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 35).

[18] نفسه (ص: 35، و36).

[19] نفسه (ص: 38).

[20] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 38).

[21] عيار الشعر؛ ابن طباطبا العلوي، تح: عباس عبدالساتر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، 2005، ط2، (ص: 11).

[22] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 39).

[23] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 39، و40).

[24] نفسه (ص: 41).

[25] نفسه (ص: 40).

[26] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 29، و30).

[27] نفسه (ص: 44).

[28] ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي الحسن علي الواحدي، فريدرخ ديتريصي، طبع في مدينة برلين المحروسة، 1861، (ص: 375).

[29] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 44، و45).

[30] نفسه (ص: 45).

[31] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 46).

[32] ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي الحسن علي الواحدي، مرجع سابق، (ص: 390، و391).

[33] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق (ص: 45).

[34] نفسه (ص: 47).

[35] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق (ص: 48).

[36] نفسه.

[37] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 49).

[38] نفسه (ص: 51).

[39] ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي الحسن علي الواحدي، مرجع سابق، (ص: 467).

[40] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 51، و52).

[41] نفسه (ص: 53).

[42] ديوان أبي الطيب المتنبي بشرح أبي الحسن علي الواحدي، مرجع سابق، (ص: 466).

[43] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 54، و55).

[44] شرح ديوان أبي الطيب المتنبي: أبو العلاء المعري، تح: عبدالمجيد دياب، دار المعارف، 1992، ط2، (3/ 339)، وهذا الكتاب منسوب خطأ للمعرِّي، كما ذهب إلى ذلك محمد عبدالله عزام، في جلِّ مقالاته المنشورة في مجلة عالم الكتب، وتفصيل ذلك في ع1، مج19، ديسمبر 1997.

[45] الكشف عن مساوئ شعر المتنبي: الصاحب بن عباد، مصدر سابق، (ص: 57).
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 27.84 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.21%)]