عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-09-2022, 11:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,222
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المتنبي في عيون الصاحب بن عباد ومنهجه في رسالته "الكشف عن مساوئ شعر المتنبي"

المتنبي في عيون الصاحب بن عباد ومنهجه في رسالته "الكشف عن مساوئ شعر المتنبي"
سمير لعفيسي





2. 2 - نقد ابن العميد للشعر:

إن تخصيص حديثنا عن شخصية ابن العميد النقدية ينبني على منطلقين، الأول: كون الصاحب بن عباد خصَّه بالذكر في بداية رسالته، باعتباره من جهابذة النقد الذين تأثَّر بهم وسار على منوالهم؛ حيث يقول: "فما رأيت من يعرف الشعر حق معرفته، وينتقده نقد جهابذته: غير الأستاذ الرئيس أبي الفضل بن العميد... فإنه يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخيُّر القافية والوزن، وعن مجلسه - أعلاه الله - أخذت ما أتعاطى من هذا الفن، وبأطراف كلامه تعلَّقتُ فيما أتحلى به من هذا الجنس"[13].



والمُنطلق الثاني: كون مجمل الدراسات التي تحدثَت عن شخصية الصاحب، وبخاصة رسالته، لم تتحدَّث عن الإشارات اللطيفة التي أوردها الصاحب وعلَّق بها على نقدات أستاذه ابن العميد رغم أهميتها في فهم منهج الصاحب في نقده لشعر المتنبي، فليس كله مبنيًّا على تقصي سقطات شعره وبيان سرقاته، وفي هذا الصدد يقول: "وأنا أقدم شذورًا سمعتها من الأستاذ الرئيس - أدام الله علوَّه في نقد الشعر - تدل على ما بعدها، وتُنبئ عما قبلها، وأين من يفهم هذه الإشارة ويعلم ما وراءها من النكت الدالة؟!"[14].



فالنظر في نقد ابن العميد يُبرز لنا هذه الشخصية القوية التي استفادت من علوم اللغة في تفهُّم النص الشعري، ونورد انتقاداته كالآتي:

أنشده الصاحب بيتًا لأبي تمام يقول فيه:



كريم متى أمدحه أمدحه والورى

معي ومتى ما لمته لمته وحدي






فلما سأل ابن العميد تلميذه الصاحب عن عَيب هذا البيت، أجابه بأن أبا تمام قابل المدح باللوم، فلم يوفِّ التطبيق حقه؛ إذ حق المدح أن يقابل بالهجو أو الذم، فالصاحب نظر إلى التقابل في صدر معنى البيت في كلمة "أمدحه" وبين معنى عجزه في كلمة "لمته"، فلو قابل "أمدحه" بـ: "أذمه" لكان أحسن وقعًا في نظر الصاحب، غير أن ابن العميد كانت له نظرة أخرى غير ما ذهب إليه تلميذه؛ حيث قال: "اعلم أن أحد ما يحتاج إليه في الشعر سلامة حروف اللفظ من الثِّقَل، وهذا التكرير في "أمدحه أمدحه" مع جمع بين الحاء والهاء مرتين - وهما من حروف الحلق - خارج عن حدِّ الاعتدال، نافر كل النفار"[15]، فحسن الكلمة ووقعها الحسن في السمع، وخلوها من تنافر الحروف: هو ما يكسب الكلام رونقه لدى ابن العميد، وهي نظرة توضح كيف يوظف ابن العميد آلته البلاغية في نقد الشعر.



كما نجده أيضًا يَنتقد البيت الشعري الذي لم يَحترم حروف القافية، ويؤاخذ الشعراء الذين لا يَلتزمون بذلك، أو ما يعُده العروضيون سنادًا، ومن أمثلته قول الشاعر:



نعاتبكم يا أمَّ عمروٍ بحبِّكم

ألا إنَّما المقليُّ مَن لا يُعاتَبُ






فقد انتقد هذا البيت لما ذكر بمجلسِه، وعلَّق عليه بالقول: "إنَّ مِن انتقاد الشعر أن ينقد ما في القافية من حركة وحرف"، فقال له الصاحب: "كره سيدنا السناد في تغيُّر حركة الإشباع؛ إذ جاءت فتحة، وهي في سائر الأبيات كسرة، فقال: ما أردت غيره"[16].



ولم يكتفِ بنقد حروف القافية، بل تعداها إلى أوزان بحور الشعر، ما يناسب وما لا يُناسب منها طبيعة الشاعر، وفي ذلك يقول الصاحب: "كنتُ أقرأ عليه شعر ابن المعتز متخيرًا الأنفَسَ فالأنفس، فابتدأتُ قصيدة على المديد الأول، فرسم تجاوزها، وقدرته بحفظها ولا يرضاها، فسألته عنها فقال: "هذا الوزن لا يقع عليه للمُحدَثين جيِّد الشعر، فتتبعت عدة قصائد على هذا الضرب، فوجدتها في نهاية الضعف"[17].



وفي مثل ذلك انتقد بيتًا للبحتري من الخفيف زاد فيه سببًا؛ حيث يقول: "ونحن وإن كنا نعرف للبحتري فضله، فما ندعي العصمة له، وفي شِعره الكسر والإحالة واللحن..."، ثم أنشد هذا البيت:



ولماذا تتَّبع النفس شَيئا

جعَل اللهُ الفردَوس منه جَزاء






فقال للصاحب: "تُنشده: (جعل الله الخلد منه جزاء) فيَستقيم"[18].



ومما انتقده على البحتري أيضًا قوله:



أبو غالبٍ بالجُودِ يَذكُر واجبي

إذا ما غبيُّ الباخلين نَسِيهِ






فقوله: "نسيه" مختلُّ الإعراب، بعيد من الصواب، كما بيَّن أن قوله:



وجوهُ حُسَّادِكَ مسودَّة

أم لُطخت بعدي بالزاجِ






لم يتضمَّن تشبيهًا رائعًا ولا بارعًا، وربما هذا راجع للفظة "الزاج"، التي تعتبر في رأي كثير من البلاغيين لفظة مبتذلة، درج عليها عامة الناس في كلامهم؛ فآلة البلاغة حاضرة في جلِّ انتقادات ابن العميد، وقد سبق بيان انتقاده لأبي تمام في تكريره لكلمة "أمدحه"؛ فالتكرير عنده مظهر من مظاهر التكلُّف، وقد نقل لنا الصاحب عنه في إحدى المجالس قوله: "ما علمتُ أن في طبع البحتريِّ تكلفًا إلى أن قرأتُ قصيدته في صفة الإيوان:

"صنتُ نفسي عما يدنِّس نفسي"[19].



ومما يبرز لنا اطِّلاع ابن العميد على كتب النقد السابقة عليه، واستفادته منها: ما ذكره لنا الصاحب سماعًا عنه؛ حيث قال: "إن أكثر الشعراء لا يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر ويبتدأ النسج؛ لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده، والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارًا، ومع أي القوافي يحصل أجمل اطرادًا، فيركب مركبًا لا يخشى انقطاعه، ويتيقن الثبات عليه"[20]؛ فالظاهر مِن قول ابن العميد أن الشعر عملية تمر بمجموعة من المراحل، يبدأ فيها الشاعر بتأمُّل المعنى وتقليبه في عقله، ويتأمل الغرض الذي قصده في فكرِه، فيتخيَّر له الوزن المناسب، والقافية التي تلائمه، وبهذه العملية التي تُشبه النسج يَبني الشاعر قصيدته التي تُشبه مركبًا متناسق الأجزاء، فلا تجد فيه اختلالاً، بل يكون قائمًا على الانتظام والثبات، وهذه العملية في صناعة الشِّعر - التي ذكرها ابن العميد - هي نفسها التي نَجدها عند ابن طبابطا (322هـ) في حديثه عن بناء القصيدة، يقول: "فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخَّض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرًا، وأعدَّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تُطابقه، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي سلس له القول عليه، فإذا اتَّفق له بيت يُشاكل المعنى الذي يَرومه أثبته"[21].



ومما امتاز به ابن العميد عن كثير من النقاد، كونه لم يكتفِ بتقديم تصور نظري لعملية صناعة الشِّعر، بل قدم مثالاً تطبيقيًّا، نورده كما نقله عنه تلميذه الصاحب؛ حيث قال: "هذا البُحتري أراد مدح أبي الخطاب الطائي، وقد كان ابن بسطام أحسن إلى أبي عبادة بمائتي دينار، فجعلها أبو الخطاب آلاًفا، وأضعفها وجازى ابن بسطام بها، فنظَر البحتري وقد جازاه أضعافًا، وجعل مائتيه آلافًا، وقد كان يَكفي أن يزيده إلى الآحاد أنصافًا، فبنى قصيدته على هذه القافية حتى اتَّسق له ما أحبَّ، وبلغ ما طلب، فقال:



قضيتَ عنِّي ابن بسطامٍ صنيعته

عندي، وضاعفتَ ما أولاه أضعافا



وكان معروفُه قصدًا لديَّ وما

جازيتَ عنِّيَ تبذيرًا وإسرافا[22]"






كما نجد ابن العميد يتحدَّث عن أهمية حسن المطلَع، وأن على الشاعر أن يَفتتح قصيدته بما يشدُّ السامع / المتلقي؛ وذلك بأن يبتعد عن الألفاظ التي تنفِر منها النفوس، وأن يراعي مقام الحديث، فلا يأتي بالألفاظ التي تقال في العزاء، ويفتتح بها قصيدته في موضع الفرح؛ حيث يقول في سياق حديثه عن الشعر: "إنَّ أول ما يحتاج إليه فيه حسن المطالع والمقاطع، وإنَّ فلانًا أنشدني في يوم نوروز قصيدة أولها: "بقبر"، فتطيَّرت من افتتاحه بالقبر، وتنغصتُ باليوم والشعر"[23].



وفي حديثه عن الاختيارات الشِّعرية، نجد ابن العميد يقدِّم اختيارات أبي تمام باعتبارها تحوي جيِّد الأشعار، وتَنفرِد عن غيرها في بابها، يقول الصاحب: "وذكر - أيده الله - اختيارات الشعر فقال: ليس فيها أحسن من كتاب الحماسة، ولقد نظرتُ في الدواوين لأجد ما يلحق لكل باب منه فلم أرَ ما يستحق الإضافة إليه، وقال: وخير الاختيارات بعدها اختيارات المفضل بإسقاط قصيدتي المرقش"[24].



من هذا العرض الموجز لهذه الشذور النقدية التي تضمنتها رسالة الصاحب عن أستاذه ابن العميد، تتضح لنا معالم شخصيته الثقافية الموسوعية؛ فقد استفاد من النقاد القدماء، ووقف على إنتاجهم، وكان مدركًا تمام الإدراك لعملية صناعة الشعر ونقدِه، كما تبين لنا أنه كان بارعًا في علوم اللغة؛ من نحو وصرف وبلاغة وعَروض، وقد تجسَّد ذلك في توظيفه لها كآلة في تحليل النصوص الشعرية، ومما نأسَف عليه أن تلميذه الصاحب لم ينقل لنا عنه إلا هذه النُّتَف القليلة؛ فإنه - كما يذكر لنا في رسالته - تعمَّد أن يقف على اليسير منها، حتى يَنتقل لموضوعه الأساسي، وهو نقد المتنبي، كما أنه لو خصَّص كتابًا مستقلاًّ في طريقة نقد ابن العميد لكان أضاف للتراث العربي صورة واضحة للنقد عند الكتاب، وفي هذا يقول: "ولو تتبَّعت ما عقلت وحفظت عن الأستاذ الرئيس في هذا الباب، لاحتجتُ إلى عقد كتاب مفرد، ولعلِّي أفعل ذلك فيما بعد"[25].



2. 3 نقد الصاحب للمُتنبي:

رأينا، فيما سبق من محاور هذه الدراسة، كيف أسهب الصاحب بن عباد في ذكر مكانة الكُتاب، وتفوقهم في فن النقد، وهي خطوة حاول من خلالها الصاحب أن يعطي صفة النقد الموضوعي لما سيرمي به المتنبي، وأنه ليس ممن سيغلب الهوى، بل سينطلق في نقده مما يقوله شعر المتنبي نفسه، وأن آلته في ذلك ما أخذه عن أستاذه ابن العميد في فنِّ النقد.



ونحن لا يهمنا من عرض نقداته لشعر المتنبي، بيان تعصُّبه أو انتقامه، أو غير ذلك مما وُصِفَ به في كثير من الدراسات، بقدر ما يهمنا مدى التزامه بمنهج ابن العميد.



ذكر الصاحبُ المتنبي في مستهل رسالته قائلاً: "إنه بعيد المرمى في شِعره، كثير الإصابة في نظمه، إلا أنه ربما يأتي بالفقرة الغراء مشفوعة بالكلمة العوراء"[26]، فظاهر قول الصاحب أن أكثر شعر المتنبي متناسق من جهة النظم، وإن كانت بعض فقراته أحيانًا لا تناسب ما سبقها، أما من جهة غرضه وقصده فهو بعيد؛ فهو بهذا يجعل جلَّ شعر المتنبِّي متكلفًا، وبعيدًا عن الطبع؛ يقول في بيان ذلك: "أن لا دليل أدل على تفاوت الطبع من جمع الإحسان والإساءة في بيت واحد؛ كقوله:

بَليتُ بِلى الأطلال إن لم أَقِف بها....

وهذا كلام مستقيم لو لم يُعقبه ويعاقبه بقوله:

....وقوف شحيحٍ ضاعَ في التربِ خاتمُه

فإنَّ الكلام إذا استشفَّ جيده ووسطه ورديئه كان هذا من أرذلِ ما يقع لصبيان الشعراء وولدان المكتب والأدباء"[27].



فالصاحب لا يرى الوقوف بالأطلال يُماثل وقوف الشحيح في طلب الخاتم، ويراه تشبيهًا مُبتذلاً ورديئًا، وكأن الصاحب يقول لنا: إنَّ المتنبي لم يعِشْ تجربة الوقوف على الأطلال، وتشبيهه فيه تكلُّف، وهو ما قصده في بداية حديثه بقوله: "تفاوت الطبع"، غير أننا نجد في تشبيهات العرب ما يسوِّغ للمتنبي تمثيله لصورة الشحيح الواقف في طلب الخاتم؛ يقول الواحدي شرحًا على هذا البيت: "إن وقوف الشحيح وإن كان لا يطول كل الطول، فقد يكون أطول من وقوف غيره، فجاز ضرب المثل به؛ كقول الشاعر:



ربَّ ليل أمد مِن نفَس العا

شق طولاً قطعتُه بانتحاب






وقد علمنا أن أقصر ليل أطول مِن نفَس العاشق، ولكن لما كان نفَس العاشق أمدَّ من نفَس غيره، جاز ضرب المثل به وإن لم يبلغ النهاية من الطول"[28].



فانتقاد الصاحب لهذا البيت يقوم على صدق التجربة التي يَنفيها عن المتنبي، ويرى أن فنَّ الغزل والوقوف على الديار باب قد تناولته الشعراء من قبل، ولا مجال للإبداع فيه، ويعتبر قول المتنبي بمثابة هجوم وإساءة على باب الغزل؛ يقول في سياق نقده لهذا البيت: "وأعجب من هجومه على باب قد تداولته الألسنة وتناولته القرائح واعتورته الأفكار - وهو التشبيب - بإساءة لا إساءة بعدها، ثم أتى بما لا شيء أرذل منه سقوطَ لفظ وتهافُت معنى"[29]، ونحن نعجب من قول الصاحب: "سقوط لفظ، وتهافُت معنى"، وقد سبق أن قال في صدر البيت: "وهذا كلام مستقيم"، والكلام لا يستقيم إلا بتناسق اللفظ مع معناه.



ومِن الانتقادات التي وجَّهها الصاحب للمتنبي وعابه بها: كونه لا يُحسن اختيار الألفاظ والعبارات التي تلائم مقامها، كما لا يراعي طبيعة المخاطَب، ومن ذلك قوله في رثاء أم سيف الدولة:



بعيشكِ هل سلَوتِ فإنَّ قلبي

وإن جانبتُ أرضَكِ غيرُ سالي






فينتقده الصاحب قائلاً: "إنما يقول مثل ذلك من يرثي بعض أهله، فأما استعماله إياه في هذا الموضع، فدالٌّ على ضعف البصر بمواقع الكلام"[30]، فالصاحب يرى في هذا البيت تطاولاً وسوء أدب مع الملك سيف الدولة، ويرجع ذلك إلى فساد الحسِّ لدى المتنبي، وعدم قدرته على التمييز لمواقع الكلام، فيخاطب الملوك بما يستحقون، ويخاطب العامة بما هم به، غير أن هذا المعنى الذي فهمه الصاحب، قد يقابله معنى آخر للبيت، وهو كون المتنبي قد ذكر هذا على لسان سيف الدولة، يصف حاله بعد فقدِ أمه، فيكون بهذا المعنى مستقيمًا.



كما نجد الصاحب يُنكِر عليه سوء اختياره للألفاظ؛ فهو يرى أن اللفظة الحسنة تكون خفيفة على اللسان، وغير متنافِرة الحروف، وأن تستخدم في مقامها الصحيح؛ حتى يكون لها القَبول الحسن؛ ولذلك ينتقد قول المتنبي:



رواقُ العزِّ فوقَكِ مُسبطرٌّ

وملكُ عليٍّ ابنكِ في كَمالِ






بقوله: إن "لفظة الاسبطرار في مراثي النساء من الخِذلان الصفيق الدقيق المغير"[31]، ونقرأ في شرح الواحدي أن "أبا الفضل العروضي يقول: سمعت أبا بكر الشعراني خادم المتنبي ورَد علينا، فقرأنا عليه شِعره، فأنكر هذه اللفظة، وقال: قرأنا على أبي الطيب، رواق العز فوقك مستظلٌّ، قال العروضي: وإنما غيَّره عليه الصاحبُ ثم عابه به، وعلى هذا فقد سقط ثقل اللفظ وكراهة المعنى"[32]، ويعلق الصاحب على بيت آخر للمتنبي يقول فيه:



نحن مَن ضايق الزمان له في

كَ، وخانته قربَك الأيامُ






فيقول: "إنَّ قوله: "له فيك" لو وقع في عبارات الجنيد أو الشبلي لتنازعته الصوفية دهرًا طويلاً"[33]، فالصاحب يرى هذه العبارة لا تستقيم مع الموصوف بالمدح، ولو قيلت في غيره لربما كان تأثيرها أقوى، وبخاصة في أهل التصوف، ومِن مثل ذلك أيضًا قول المتنبي في رثاء أم سيف الدولة:



صلاة الله خالقنا حنوطٌ

على الوجه المكفَّن بالجَمالِ






فيَنتقده بقوله: "هذه استعارة حِداد في عرس، فلا أدري هذه الاستعارة أحسن أَم وصفُه وجه والدة ملك يَرثيها بالجمال"[34]، فالمقابلة بين الجمال والحنوط تَخلُق نوعًا من التباعد الذي يُحيل إلى حقلَين أو غرضين، حقل دالٍّ على الفرح، تَحمله لفظة "الجَمال"، وحقل ثانٍ دالٍّ على الحزن، فهذا التباعد بين هذه الحقول يَخلق في رأي الصاحب تشبيهات واستعارات مبتذلة، غالبيتُها لا تلائم مقام الخطاب، ولا طبيعة المخاطب.



كما نجد الصاحب يوظِّف منهج الموازنة والمقارنة بين أبيات المتنبي وأبيات الشعراء السابقين عليه، أو مِن مُعاصريه، دون أن يفصل في تحديد أوجُه جمالية هذه الأبيات، فهو يَكتفي بالإشارات والعبارات التي تَجعل من أبيات المتنبي في مرتبة أدنى، ومِن ذلك قول المتنبي:



ولا مَن في جنازتها تجارٌ

يكونُ وداعُهم نفضَ النعالِ




يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.78 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 34.16 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.81%)]