عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 31-08-2022, 06:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,430
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صورة الآخر (دراسات نقدية)

صورة الآخر (دراسات نقدية)

سناء سليمان سعيد




ولم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي يصف فيها الغرب بهذا الوصف، وإنما ذهب في ذلك إلى أكثر من مرة في قوله:
"وقد أخذتنا السيدة الروسية المكلفة بغرفة الضيوف في المحطة على اعتبار أننا صديقان أو زوجان.. رغم ما بيننا من فارق كبير في السن؛ فقد كنت أكبر من "نادية" بعشرين عامًا على الأقل.. وقدمت لنا الشاي الساخن وما عندها من مجلات روسية باللغة الإنجليزية..


ولما أخرجت لها "نادية" علبة من الحلوى، فاض وجه العجوز بالبِشر، وتناولت قطعة صغيرة من الشيكولاته وردت الباقي وهي تردد الشكر بالروسية التي لا نعرفها..


ورأيت في هذه السيدة من الحنان والأمومة مثل ما شاهدته تمامًا في العجوز الأخرى التي كانت تشرح لنا باستفاضة ودقة كل طباع "تشيكوف" وأحواله عندما زرنا بيته في هذا الصباح في قلب موسكو، حتى تصورت أنها هي التي ربته على صدرها.. وهو جيل عطوف صهرته الحياة، وأظهرت فيه أجمل صفاته..


كانت العجوز في المحطة لا تفتأ تسألنا بالإشارة إن كنا في حاجة إلى شيء آخر غير الشاي، فشكرناها بحرارة، وقلنا لها بالإشارة أيضًا: إننا أعددنا لليل الطويل في القطار كل ما نحتاجه من طعام..


وكانت تنظر إلينا في تمعن، وتطيل النظر، وتحاول أن تقول شيئًا لا تستطيع التعبير عنه بالإشارة، شيئًا كان يدور في رأسها، ويحتل مراكز تفكيرها"[9].


إذًا هناك بعض الإيجابيات، وأيضًا بعض السلبيات، مثلما يوجد لدينا من سلبيات وإيجابيات في المجتمع الشرقي.


ولم يصمت عن وصف الغرب بما فيه من تقدم ورقي وتكلفة عالية، حتى في القطار، فها هو ذا يصف القطار الأزرق الذي استقله للسفر في قوله:
"ومررنا على صف طويل من العربات، إنه قطار طويل، بل أطول قطار رأيته في حياتي.. قطار أزرق فاخر.. وعلى باب كل عربة وقفت الكمسارية بردائها الأزرق الجميل وكأنها قطعة من جماله، وقفت ساكنة متهيئة للرحلة الطويلة.


وكانت عربتنا هي الرابعة وراء القاطرة.. وحيَّتْنا الكمسارية على الباب، ودخلنا في طرقة العربة المفروشة بالسجاد إلى مقصورتنا"[10].


إذًا هذا الوصف للقطار ليس بغريب عن الغرب، ولكنه في الوقت نفسه غريب على المجتمع الشرقي؛ لأنه لا يوجد لدى الشرق - ولا سيما في هذا الوقت - قطار مثله، ولا بهذه المواصفات الجذابة، وكأنه يصف قصرًا وليس قطارًا.


وبدأ في وصف المنظر بدقة بالغة في توصيل الإحساس بمتعة هذه المناظر، ووصفها وتفصيلها في قوله:
"وقفت أرقب الرصيف من النافذة وأنوار المصابيح الزاهية قد غشاها الثلج المتساقط، فأصبحت شهباء تريح العين، وبدا شيء أشبه بالستارة الزرقاء قد انسدل فوق كل ما يحيط بنا من أبنية وأشجار، وكان المسافرون الذين يتحركون على الرصيف قلة من السائحين والروس، وبعض الضباط بملابسهم الرسمية، وبدا السكون واضحًا، ولم أسمع صفيرًا للقطارات، ولا زعيقًا ولا ضجة، ورأيت قطارات أخرى، وكلها زرقاء، واقفة حذاء الأرصفة تنتظر مَن يأذن لها بالمسير.."[11].


كل هذا الوصف للمناظر التي تحيط بالقطار أثناء سيره بين كل تلك الحدائق والخضرة، وبدأ يستكمل هذا الوصف الدقيق والرائع في قوله:
"وشعرنا بأن القطار بدأ يتحرك ببطء وينسحب على الرصيف، وظلَّت عيوننا معلقة بأنوار المدينة المتألقة، وبالثلج المتساقط على الأعمدة وأسلاك البرق وفروع الأشجار، وشاهدنا من بعيد شيخًا كبيرًا يمشي بتؤدة في طريق صاعد وهو يطلع وسط الثلوج، ورغم الجهد والتعب الباديَيْنِ على ملامحه وجسمه، فإنه رفض أن تعينه امرأة كانت بجانبه..


وقالت نادية وقد تأثرت من منظره:
إنه يتحرك بإرادته وحده..


فقلت معقبًا:
ولعله حارب وانتصر بإرادته أيضًا.. وأحسبه فقَدَ ساقه في الحرب.. ولكنه ظل صلدًا"[12].


وهنا يظهر الاشتراك بالإعجاب ودقة التفاصيل في هذا الوصف، الذي شجعهما على السرد في الوصف، وإطالة النظر للتمتع بجمال المنظر وروعة المشاهد الجذابة والرائعة.


ويبدأ الراوي في وصف مشاعره نحو (نادية) واختلافها عن غيرها من النساء، كيف له أن يشعر بهذه المشاعر وهو الذي يصور النساء للبيع والتشهير بهنَّ، ولا يُهمه مَن هُنَّ، أو من كُنَّ، أو أن ما يفعله هو حرام شرعًا، ولا يجوز، بل لا ينبغي أخلاقيًّا.


ووضح ذلك في قوله:
"وعجبت لإحساسي نحو "نادية".. فبعد ساعة كاملة من الانفراد بها في مقصورة ضيقة مغلقة الباب.. لم ألمس كتفها ولا خدها ولا شعرها.. ولم أشعر بالرغبة في ذلك، ولم أبادلها كلمة غزل واحدة..


ولما جاءت الأنثى وأصبحت على قيد ذراع مني والباب مغلق والسكون يخيم، وكل شيء يهيئ النفس لإشعال العواطف.. لقيت نفسي باردًا ميت الإحساس.. ميت العواطف.. لا أحس بأي إحساس مما يشعر به الرجل نحو المرأة عندما يخلو بها.. وتدفقت بدلها عواطف جديدة في كياني كله.. أحسست بها لأول مرة.. عواطف من الحنان الخالص والعطف الشديد.."[13].


ويؤكد على تعجُّبه من إحساسه المفاجئ نحو (نادية) وكيف تغير إلى هذا الحد؟!
ويعود مرة أخرى ليؤكد على ذلك في قوله:
"فلما قالت لي بأنها تشعر بصداع خفيف، وضعت أمامها كل ما معي من أقراص ومسكنات للصداع.. وكانت الحرارة في المقصورة قد زادت، فخرجت وتركتها لتخفف من ملابسها، وتفعل كل ما تحب أن تغيره الأنثى من ملابسها وهي وحدها ولا تضايقها نظرات الرجل..


وعجبت أنا الرجل الأعزب الذي لم يتزوج قط، ويعاشر المرأة ليصورها.. كمصور للصحف.. ويبيع صورتها دون اعتبار لصاحبة الصورة.. أنا بكل صفاتي أصبحت فجأة أحترم هذه السيدة وأجلها، ولم أفكر قط في أن آخذ لها صورة..


وكانت تقرأ خواطري في موسكو وتقول لي بعذوبة:
لماذا لا تأخذ لي صورة..؟"[14].


إذًا هو يشعر بالأبوة من ناحيتها، ولا يستطيع أن يفسر هذا الشعور، أو كيف انتابه أو لماذا؟ وما السبب الخفي وراء ذلك؟!


لم يكن هذا الشعور فقط هو المسيطر عليه، وإنما هو الذي جعله يميل نحوها بشعور غريب لا يستطيع تمييزه، أو الوصول إليه، وظهر ذلك واضحًا في قوله:
"إنها تخلق في كل كلمة من كلمات الحوار جمالاً بلاغيًّا كان يهز مشاعري، وضحكت.. وكانت مسالك تفكيري تطرد.. وكنت أخاف من شيء لا أعرفه؛ ولذلك لم أحاول تصويرها قط، ولم أفكر فيه، مع أن صورتها مغرية.. ومثيرة في جريدتي.. شابة فنلندية مسلمة رائعة الحسن بكل الملامح الشرقية في العينين والخدين، والأنف والفم، والجبين، والشفة الرقيقة الحالمة.. أي كسب وأي إغراء بعد هذا؟.. ولكن كل حلقات تفكيري كمصور كانت تقف عندها وتصدم بشيء أعزه فيها ولا أعرف مكنونه"[15].


وهنا يعترف بهذا الشعور الذي لا يدري آخره أو نهايته؛ فهو لا يعرف مكنون هذا الشعور الذي يجعله يتصرف معها بهذا الشكل.


وأخيرًا ظهر اسم الراوي (إبراهيم) في قوله:
"وعادت الكمسارية إلينا تشكر ومعها دفتر، وطلبت أن نكتب لها كلمة تذكارية، وكتبت نادية كلمة بالإنجليزية أعجبتنى جدًّا، ووقعت تحتها باسمها، ووقعت أنا باسمي "إبراهيم" بالحروف اللاتينية الكبيرة"[16].


إذًا نحن بين (نادية) والراوي (إبراهيم) عرب، ويمثلان الشرق في الاسم، ولكن الفرق بين الشرق المتمثل في (إبراهيم) والغرب المتمثل في (نادية)، وذلك في قوله:
"وشعرت أنه القطار الذي يطوي الزمن.. ولم أعد في فترة الأحلام أشعر بشيء.. ثم تنبهت على يد "نادية" على كتفي، ولم أتحرك من مكاني حتى لا أجرح شعورها.. إن السعادة حالة نفسية، وقد أحسست بها في هذه الساعة إلى أقصى مدى.. وأحسست بعد ذلك بأنها وضعت خدها على كتفي الأيسر بجانب الصدر.. قريبًا من القلب.. ولم أتحرك.. وشعرت في هذه اللحظة بأن نادية جزء من كياني.. ولا انفصال لنا بعدها.. ولم أسألها إن كانت متزوجة أم لا.. لأنها لم تسألني هذا السؤال..


واستفقت على صوتها:
نرجع..


وكنا قد تجاوزنا عربتنا بثلاث عربات على الأقل.. فعدنا على مهل، وبعد أن دخلنا المقصورة بقليل واضطجعنا وأخذت تقرأ.. وأنا أقلب في صفحات المجلات.


سمعت نقرًا خفيفًا على الباب، فقمت وفتحته، فوجدت فتاة رشيقة في الطرقة، وناولتني بطاقة عليها صورة قارئة كفٍّ مشهورة موجودة في القطار!"[17].


ومن خلال هذا الحوار تم اكتشاف العرافة التي جاءت لتكشف المستور والمخبأ له، الذي احتار لكي يتعرف عليه.


وهذا الحوار كشف هذا المستور الذي طالما بحث عنه في داخله ونفسه، كما في قول الراوي:
" أين هي؟
في العربة السادسة والمقصورة السابعة..
وكم الأجر؟
عشرة دولارات..
هذا كثير..
إن الناس تسافر إليها.. وتصرف آلاف الدولارات لتراها.. ولكنها الآن موجودة في القطار..!


وسألت نادية:
هل ترغبين؟
لا.. أنا أعرف حظي..!


ثم رأينا أن نذهب لمجرد الفرجة.. وفتحت الفتاة باب المقصورة قليلاً لنرى من بعيد.. فوجدنا عجوزًا نحيلة تجلس مسترخية على السرير.. وشدني وجهها بغضونه وتجاعيده.. وكانت فوق الثمانين.. وعيناها تلمعان في حدة وقوة إبصار غريبة كعيني العُقاب.


وبدت في جلستها قصيرة جدًّا ونحيفة، ولكنها كانت تتحدث بالإنجليزية بطلاقة مذهلة..


وقلت لنادية:
ادخلي..
فقالت:
لا.. ولكن لنقف ونتفرج..


ووقفنا مع الواقفين على الباب.. وكان أمر العرافة قد عرف في القطار، وأصبحت تسلية للمسافرين، ولم تكن تسمح لغير الراغب في الدخول.. ولم نسمع من كلامها حرفًا؛ لأنها تغلق الباب تمامًا، وبدافع الفضول دخلت أنا "ونادية"، وسألتها إن كنت أستطيع أن أدفع بعملة أخرى..


فقالت بالإنجليزية:

دولارات فقط..!



يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.09%)]